المؤتمر العلمى الدولى الأول"الواقع السياسي المصرى: رؤية استشرافية"
2012/04/26 - متابعة-محمد مصطفى

ومن هنا تأتى أهمية المؤتمر العلمى الدولى الأول الذى عقده قسم العلوم السياسية بكلية التجارة وإدارة الأعمال، جامعة حلوان، لرصد التغيرات التى يشهدها الواقع السياسى المصرى، بما يستلزمه من ضرورة تحليل هذا الواقع السياسى ووضع سيناريوهات مستقبلية له.
وقد شارك فى افتتاح المؤتمر: الأستاذ الدكتور محمد النشار رئيس جامعة حلوان، والأستاذة الدكتورة إيناس نبوى عميد كلية التجارة وإدارة الأعمال، والأستاذ الدكتور ماجد بطرس رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان، إضافة إلى عدد من أساتذة العلوم السياسية والباحثين فى المجال السياسي.
الواقع السياسى المصرى بعد ثورة 25 يناير
إن المدقق في مسيرة الواقع السياسي المصري بعد 25 يناير يكتشف وجود صراع بين قوى متعددة، تبحث كل منها عن موضع قدم يحفظ مصالحها في النظام السياسي الذي لايزال في طور التكوين، ورغم ما هو ظاهر من وحدة الهدف، إلا أن هناك من قد يسعى لتحقيق أهداف خاصة، ويمكن تقسيم هذه القوى إلى نوعين وهما قوى "فاعلة" بملكيتها للقرار ومشاركتها في تشكيل النظام السياسي الانتقالي، وقوى "مؤثرة" عبر آليات الضغط والحشد والتوجيه.
وتطرق المؤتمر للحديث عن الإعلام الذى يعد من أخطر القوى المؤثرة في الواقع السياسي المصري، حيث شهد تحولا كبيرا بعد الثورة تمثل في تحول العديد من مشاهير الإعلاميين من تأييد وتبرير سياسات النظام السابق، إلى إستغلال الثورة لتحقيق مكاسب خاصة، ولذا ساهم الإعلام الرسمى والخاص فى فشل عملية التحول الديمقراطى، ومرجع هذا ما آلت إليه معظم القنوات المصرية والفضائية من إبراز مشاهد الفوضى والعصيان فى الشارع المصرى، الأمر الذى أدى إلى حالة الإحباط العام لدى فئات الشعب وإفساد أى توجه نحو الاستقرار، وسرعان ما زادت حصيلت الاعتصامات وما تبعها من فوضى.
ومن جانب أخر أوضح المشاركون فى المؤتمر أن الواقع السياسي المصري يشهد حركات وقوى شبابية مؤثرة في المشهد السياسي وإن كانت لا تملك القرار فهي تملك التأثير عبر الحشد في الميادين، ورغم الدور الذي لعبته الحركات الشبابية المنظمة في الضغط لتعديل مسار الثورة، إلا أنها لم تنجح في التفاعل مع التطور والتحول لكيان حزبي قوى ومشارك في صنع القرار عبر المشاركة في المؤسسات التشريعية، مما قد يُبعد عنهم فرصة المشاركة في المؤسسات التنفيذية ولجنة صياغة الدستور، والمنافسة على الوصول للسلطة الحاكمة مستقبلاً.
وأكد المؤتمر على أن دور طبقة رجال الأعمال، باعتبار الاقتصاد القوة الأهم التي لايمكن غض الطرف عنها في عملية التحول السياسي، ومن شأن الطبقة المسيطرة عليه أن تؤثر سلباً وإيجاباً في عمليات التحول بما يخدم مصالحها، ومن ثم في لابد يتم في لحظات التحول الثوري السيطرة علي تلك القوى بتحييدها أو تحجيمها إذا ما كانت تستهدف إعاقة التحول، وفي عهد النظام السابق سيطرت قلة من رجال الأعمال على نسبة كبيرة من الاقتصاد المصري وتداخلت مصالحها مع القائمين على الحكم، وهو الأمر الذى يتطلب ضرورة اتخاذ إجراءات تحد من هذا الوضع.
الأحزاب والقوى السياسية و الوضع السياسى المصرى.
أكد المشاركون فى المؤتمر أنه يصعب الوصول لرؤية واضحة فى ظل الأحداث الراهنة، فالكل يحاول استقطاب السلطة لصالحه، والمتأمل فى الواقع الحالى يلاحظ أن الثورة التى قامت على أهداف واضحة كان فى مقدمتها إسقاط النظام الفاسد وتحقيق حياة كريمة وعدالة وتداول للسلطة، لم تحقق من أهدافها أى شئ حتى الآن.
وقد كان الأمل فى الأحزاب السياسية أن تعمل جادة على تحقيق سياق وصول البلاد إلى التحول الديمقراطى، وتحقيق أهداف ثورة 25 يناير، ولكن الحادث الآن هو عدم تحقق هذه الأهداف لعدم التوافق على المصلحة العامة لصالح البلاد، وتعارضها مع المصالح الخاصة لهذه الأحزاب، ولعل الصراع الدائر بين الأحزاب الإسلامية- مثل حزب الحرية والعدالة - والأحزاب الأخرى الليبرالية – مثل حزب الوفد- لهو خير دليل على أن كل حزب يعمل لتحقيق أهداف خاصة.
وعلى هذا فإن الاعتصامات الفئوية المستمرة منذ قيام الثورة حتى يومنا هذا لهى أكثر الدلائل على أن الثورة لم تحقق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن القائمين على إدارة شئون البلاد فى الفترة الانتقالية لم يكن لديهم القدرة على تحقيق أى من أهداف الثورة حتى الآن.
ومن ناحية أخرى فإن المتتبع لما يجرى هذه الأيام فى الشارع السياسى والصراع الحاد بين المترشحين لرئاسة الجمهورية ليجد صعوبة فى تحديد ما ستكون عليه هوية الدولة، والتى تتأرجح بين الدولة الإسلامية أو الدولة المدنية أو الدولة غير الديمقراطية أو ربما الدولة العسكرية.
.
و تتطرق المؤتمر للحديث عن قضية الطاقة باعتبارها من المسائل الحيوية التى ينبغي أن تأخذ قدرا من الإهتمام لدى صانعى القرار، ففى ظل هذه الأوضاع والتى تستلزم تحقيق معدلات تنميه عاليه تتخطي 7% وتحقيق نمو موازي في مجال الطاقه كعنصر أساسي في التنميه، فإن الأحداث السياسية المتلاحقة وعدم قدرة الحكومة الجديدة علي مواجهة المشاكل المتعددة في الاقتصاد المصري قد أثر سلبا علي المشاريع المستقبلية للطاقة ومواجهة النقص الحاد في مصادرها، وكان من أهم المؤثرات السلبية تأجيل طرح مناقصة بناء أول محطات الطاقة النووية فى الضبعة من أواخر يناير 2011 إلي أجل غير مسمي خاصة بعد تدمير الموقع والاستيلاء عليه من قبل أهالي المنطقة في يناير 2012.
السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير
وانتقل المؤتمر للحديث عن توجه السياسة الخارجية لمصر في مرحلة ما بعد الثورة، فقد مثلت ثورة 25 يناير نقطة تغيير وتحول فى النظام السياسى المصرى، ولأن المجتمعات تنمو وتتطور وهي عرضه للتغيير المستمر، فكل مرحلة تحمل معها مستجدات أخرى، وعلى الرغم من أن هناك ثوابت تتميز بطابع الاستمرار، إلا أن المبدأ العام هو مبدأ التغيير والحركة، والذى يتطلب دراسة إلى أين ستتجه السياسة الخارجية المصرية خلال فترة الإعداد لبناء الدولة الديمقراطية فى هذا البلد المؤثر بشكل كبير فى المحيط الاقليمى خاصة وفى العالم عامة.
وعلى هذا فقد أكد المؤتمر أن من منظور المصلحة القومية لمصر أن تأتى الدائرة الأفريقية فى المرتبة الأولى، يليها الدائرة الإسلامية، ثم الدائرة العربية، مع ضرورة زيادة التوجه نحو الشرق بتدعيم العلاقات مع دول رابطة الآسيان، وعدم بقاء السياسة الخارجية حكراً على الرئيس ودائرة صنع القرار الضيقة المحيطة به، بل تتدخل قوى داخلية أخرى فى رسم تلك السياسة أو على الأقل فى التأثير على اتجاهاتها، حيث يوجد تأثير الرأى العام المصرى ، والذى أصبح مهتما بتوجه السياسة الخارجية المصرية، فخرجت الدبلوماسية الشعبية لدعم العلاقات مع بعض الدول مثل إيران وإثيوبيا، وهذا على غرار أن هناك من القوى – مثل إيران وتركيا والسعودية– التى حاولت الاستفادة من التغيرات فى الأوضاع الراهنة لما يخدم مصالحها، الأمر الذى يستدعى تطوير آلية عمل السياسة الخارجية المصرية.
وقد ألقى المشاركون فى المؤتمر الضوء على بعض القضايا التى تستدعى إهتمام السياسة الخارجية المصرية فى هذه المرحلة، و منها تدعيم العلاقات مع دول حوض النيل لأهمية الملف المائى الذى سعت من خلاله قوى دولية وإقليمية كالولايات المتحدة وإسرائيل لتحريض دول المنبع للمطالبة بإعادة النظر في اتفاقيات المياه، لذا ساد شعور جماهيري عام بعد ثورة يناير بعدم كفاءة السياسة الخارجية وعجزها عن تأمين احتياجات مصر المستقبلية من المياه، فتفرض الضرورة إعادة النظر في أهمية دول حوض النيل لمصر، وبالتالي التعاطي بفاعلية مع قضاياها، وتفعيل التعاون معها في كافة المجالات في إطار من الرؤية الإستراتيجية، ولذلك قام وزير خارجية مصر فى يناير 2012 بجولة شملت ست دول من دول حوض النيل بغرض دعم التعاون مع تلك الدول وهى : كينيا، تنزانيا، رواندا، الكونغو الديمقراطية، جنوب السودان والسودان.
وفى المقابل حاول المشاركون متابعة توجه السياسة الخارجية تجاه إيران، فبعد ثورة 25 يناير، صرح وزير الخارجية الأسبق نبيل العربى إن النظام الجديد مستعد أن يطوى صفحة العلاقات القديمة مع إيران، فبدأت الزيارات المتبادلة بين مصر وإيران، حيث رأت حكومة الثورة أن الوصاية الأمريكية التي كانت مفروضة علي نظام مبارك شوهت علاقات مصر مع كل جيرانها ومع معظم الدول وعلي رأسها إيران، فالتوازن في المنطقة يحتاج إلي علاقات مصرية - إيرانية قوية، فمن مصلحة مصر وإيران أن تكون العلاقات بينهما قوية ومتينة إلي أكبر قدر ممكن، فلن تنال العلاقة مع الإيرانيين من عروبة مصر، ولن تنال العلاقة مع المصريين من مكانة إيران لكن مصلحة البلدين هي ضرورة تجاوز أي خلاف وإذابة الجليد بينهما.
التوصيات
اتفق المشاركون فى المؤتمر على ضرورة إصلاح الإعلام المصري والذى يتطلب مستويين أولهما متعلق بإعادة هيكلة مؤسسة الإعلام أما الثاني فيتعلق بالإعلاميين أنفسهم ومعايير اختيارهم اعتماداً على عناصر المهنية والكفاءة والقدرة على تحمل المسئولية الصحفية وفهم رسالة الإعلام الحقيقية. المطلب الآخر ضرورة إعادة النظر في تأسيسية الدستور لتمثل طوائف المجتمع تمثيلاً حقيقيا. وكذا السعى لوضع تشريعات قانونية تقنن وضع الحركات والجماعات بالشكل الذي يضمن فصلاً حقيقياً للجماعات الدينية عن الأحزاب السياسية المنبثقة عنها الأمر الذى يحول دون استغلال أي حزب للدين ودور العبادة في دعايته. كما أن من مصلحة القوى الثورية الشبابية المتناثرة التجمع في كيانات حزبية لتتحول لمنافس سياسي يعمل من الآن على خلق قواعد حزبية جماهيرية، فمستقبل الوطن وتحقيق نجاح الثورة مرهون بقدرتهم على التكيف والتعامل مع الواقع السياسي ومتغيراته. واخيراً لابد من توحد كافة الأحزاب والقوى السياسية للوصول إلى توافق يؤسس لنظام سياسي جديد بعيدا عن المصالح الذاتية.