دراسة العدد
تناول السينما للثورات ..حالة الثورة الفرنسية 1789
2013/02/17
بقلم ضياء حسنى
1
1118
49
العدد :

الثورة الفرنسية من أكثر الثورات في العالم التي  خصتها السينما بالعديد من أعمالها منذ فترة السينما الصامتة وهي تتفوق في ذلك عن الثورة الروسية بالرغم من كون دورهما في تغيير وجه العالم و حركة التاريخ متساو. لكن الثورة الفرنسية بروافدها الممتدة التي شهدت انتصارات و انتكاسات تعد أم الثورات التي أخرجت أكبر رافدين للحياة السياسية الممتدة حتى اليوم ، فقد أرست الثورة الفرنسية دعائم مجتمع الحريات، و صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و يعتبرها الجميع بأنها ميلاد لمفهوم الديمقراطية بشكلها الحالي النيابي و التشريعي و البداية الحقيقية  لمبادئ فصل السلطات ، كما أنها مهدت فيما بعد لقيام انتفاضة الفقراء و المعدمين فيما عرف باسم ( كوميونة باريس 1871 ) التي اعتبرها كارل ماركس في كتابة الشهير ( الثامن عشر من برومير ) بداية مفاهيم الشيوعية، و التي بلور كارل ماركس بعد ذلك مفاهيمها في كتاباته.  بالتالي تكون فرنسا و ثورتها هي أصل تيار الليبرالية الرأسمالية و الاشتراكية المهيمنين على المسرح السياسي في العالم بتنوعاتهما حتى وقتنا الحاضر ، أي أن اليسار و اليمين ولدا على ضفاف نهر السين الباريسي و كانت الثورة الفرنسية هي نقطة انطلاق و ميلاد تلك المفاهيم في العالم. 

مسار الثورة الفرنسية في سنواتها الأولى :-

كانت الثورة الفرنسية (1789 – 1799 )  فترة تحولات سياسية واجتماعية كبرى في التاريخ السياسي والثقافي لفرنسا وأوروبا بوجه عام. بدأت الثورة عام 1789 وانتهت تقريباً عام 1799 . عملت حكومات الثورة الفرنسية على إلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي. أدت الثورة إلى خلق تغييرات جذرية لصالح "التنوير" عبر إرساء الديمقراطية وحقوق الشعب و المواطنة ، وبرزت فيها نظرية العقد الاجتماعي لـ جان جاك روسو، الذي يعتبر منظر الثورة الفرنسية وفيلسوفها.

في السنوات الـ 75 التالية للثورة ، حدثت في الحكومة الفرنسية عدة تقلبات بين الجمهورية والدكتاتورية والدستورية والإمبراطورية ، إلا أن الثورة بحد ذاتها شكلت حدثا مهما في تاريخ أوروبا ، وتركت نتائج واسعة النطاق من حيث التغير والتأثير في الدول والشعوب الأوروبية. كانت البداية عقد اجتماع مجلس طبقات الشعب في 5 مايو من عام 1789 في بلدة فرساي ، وظهور خلافات بين ممثلي الطبقات ، أدت بالتالي إلى إعلان قيام الجمعية الوطنية في 17 يونيو من العام نفسه. وقد تم كل ذلك بسرعة غير عادية لأن الجو العام في فرنسا كان مهيأً فكرياً من قبل عدد من كبار الكتاب الفرنسيين ، أمثال فولتير (1694-1778) ، الذي كان يدعو إلى إقامة نظام ملكي مستنير في فرنسا على غرار إنجلترا  ، و مونتسكيو   1689 – 1755 ، الذي انتقد مساوئ الحكم الاستبدادي المطلق في كتابه "روح القوانين" ،وجان جاك روسو 1712 – 1788  صاحب كتاب "العقد الاجتماعي" .  كما كان هناك تيار فكري آخر عرف بالتيار الطبيعي أو الاقتصادي متأثراً بالاقتصادي الإنكليزي الكبير آدم سميث ( 1723 – 1720 )  في كتابه "ثروة الأمم "، وحمل لواء هذا التيار فرانسوا كيسناي صاحب كتاب "المخطط الاقتصادي" ، الذي رأى فيه الكثيرون الدواء لمتاعب فرنسا الاقتصادية. أما تيار الموسوعيين فكان من أشهر مفكريه ديدرو ، فقد فتح أعين الفرنسيين على النظام الجائر لحكومتهم وأوضاعهم السيئة ، وهيأ الجو المناسب للتغيير الجذري. كما كان هناك أسباب أساسية تمثلت بالنظام الملكي الذي يستند إلى نظرية الحق الإلهي بالحكم ، ويعد نفسه المصدر الأساسي لكل التشريعات والقوانين ، والمرجع الأول والأخير في الدولة.  من بعد خضوع الملك للجماهير في هبتها الأولي و قبوله بوجود ملكية دستورية(1) ، عاد لينقلب على الثورة و مطالب الجماهير(2)، وقام باستدعاء جيوش ممالك أوربا المناهضة لفكرة الثورة . حاول الملك الهروب ، و الالتحاق بمؤيده من جيوش ملوك و أمراء أوربا ، و لكنه وقع في الأسر، و تم القبض عليه و أعدم ، لتدخل الثورة بعد ذلك في مرحلة جديدة.... وصفت بالدموية .     

الثورة الفرنسية في السينما

أول ظهور للثورة الفرنسية في السينما كان مع فيلم للأخوين لومير في عام   1897
بعنوان    (( Assasinat du Marat – مقتل مارا ( 3 ) ))  ، و منذ ذلك الوقت و حتى وقتنا هذا فإن هناك ما يوازي 320 فيلما عن الثورة الفرنسية معظمهم  فرنسي  ،  و حوالي 55 فيلم أميركي مع عدد من الأفلام الأوروبية  والعالمية . كان أول فيلمـاُ أمريكياً هو فيلم  Marie-Antoinette – ماري أنطوانيت  1904 ، و قد تم إنتاج فيلمين أحدهما أمريكي من إنتاج شركة توماس إديسون للسينما ، والآخر فرنسي من إنتاج شركة باتيه الفرنسية . كانت أكثر فترة أنتج فيها أفلام عن الثورة الفرنسية في هوليوود هي الفترة مابين 1910 – 1919 ، حيث أنتج 13 فيلماً .

هوليوود و الثورة الفرنسية :-

لم تتناول هوليود أحداث الثورة الفرنسية بغزارة ، قد يرجع هذا إلي أن الموضوع يخص مكان بعيد عن مخيلة المتفرج الأمريكي أو العناصر الأساسية التي كانت تحرك هوليود ( و مازالت نوعا ما ) تم استنفادها كلها في هذا القدر من الأفلام التي تناولت الثورة الفرنسية . نقصد بتلك العناصر " التيمة " الرئيسة التي كانت و مازالت تسيطر  على الكثير من أعمال السينما الأمريكية،  و التي من أهمها سيطرة دور الفرد على دور الجماعة،  و بالتالي كثرت الشخصيات التي تقدم من خلال  أفلام الثورة الفرنسية التي لا تختلف كثيرا عن شخصيات افلام تلك الفترة التي عرفت باسم أفلام  ( السيف و العباءة) ، و هي تلك الأفلام التي تكثر فيها المبارزات مع تراجع دور الجمهور أو الشعب و إظهاره في الكثير من الأحيان فى شكل قطيع من الغوغاء الثائر بلا عقل. كما أن من أهم العناصر التي قدمتها هوليود في سينماتها عن الثورة الفرنسية .... عنصر الميلودراما العاطفية،  حيث نرى ما اقترفته تلك الثورة من فظائع أدت لموت الكثيرين عبر تقديم  قصة حب بين حبيبين فشلت بسبب الثورة أو تمزيق أسرة .  لعل فيلم جريفث الشهير  Orphans of the Storm – يتيمتان في العاصفة  1921 و الذي يتحدث عن أختين فقدت أحداهما البصر لترعاها الآخرى، و يذهبان لباريس بحثا عن علاج الأخت فاقدة البصر، و هناك يتم فراقهما عبر اختطاف إحدايهما من قبل أحد النبلاء لتكون محظية له في حين تقع الأخرى في براثن من يستغلها و يشغلها في الأعمال القاسية إلي أن ينقذها أحد النبلاء ( النبيل الطيب ) . تقوم الثورة و يحاكم هذا النبيل لكونه ضد الثورة و يساق للمقصلة هو و الفتاة التي تسانده من قبل  روبسبير( 4)  (شرير الثورة ) إلي أن ينقذهم دانتون (5) ( طيب الثورة ) من المقصلة . فقد تحولت الثورة من وجهة نظر هوليوود إلي مجرد  صراع بين الخير و الشر ، و الطيب و الشرس . تلك هي العناصر العزيزة على مدرسة  الأدب الطبيعي ،والتي ترى ان العالم تحركه النوازع النفسية للبشر من حب و حقد و كراهية .

من الممكن حصر الأفلام الأمريكية الجيدة المتناولة لأحداث الثورة الفرنسية في بعض الأفلام  التي تعد علامات أو  ما يعرف بذات الإنتاج الكبير ، منها بالطبع فيلم جريفث السابق الإشارة إليه ، كذلك فيلم المخرج الأمريكي W S Van Dyke  ( دبليو أس فان ديك ) الذي رشح لثلاث جوائز أوسكار،  و الذي يحمل اسم ماري انطوانيت 1938 ،و فيلم قصة مدينتين المأخوذ عن رواية الأديب الإنجليزي تشارلز ،ديكنز من أخراج جاك كوناوي 1935 ، وهو  المعروف أيضا باسم ( الماركيز سان آيفرمون )،  و الذي أنتجه المنتج الشهير دافيد أوه  سيلزنيك  مع شركة مترو جولدن ماير قبل إنتاج الفيلم الأسطوري الشهير ( ذهب مع الريح 1939 ) ، أو فيلم سكاراموش Scaramouche 1952 من إخراج جورج سيدني ( و الذي تم تقديمه من قبل عام 1923 ، ثم في عام 1963 ).  أخيراُ فيلم ماري أنطوانيت من إخراج صوفيا كوبلا  2006 ، و الذي جاء مخيبا للآمال،  حيث أبتعد كل البعد عن الثورة الفرنسية و أحداثها و تعامل مع قصة حياة الملكة على أنها قصة حياة مراهقة تم زواجها تحت ضغط والدتها من أجل شرف العائلة المالكة النمساوية التي كانت ترغب في مصاهرة العائلة المالكة الفرنسية ،  أحداث كان من الممكن أن تدور مع فتاة قروية في الريف الأمريكي في الأربعينيات أو في أي مكان آخر . من الملاحظة الأولي على تلك المجموعة من أفلام هوليود من الممكن الوصول إلي أن السينما الأمريكية كانت تقدم وجهة نظر هي في الأحرى و الأعم  نفس وجهة نظر الأدب الأنجلو ساكسوني المتناول لأحداث الثورة الفرنسية،  و هو كان في معظمه صاحب  وجهة نظر مسبقة عن الأحداث دون الالتزام بالتحليل التاريخي الفعلي مع تبسيط مخل للكثير من الأحداث ، حتى لا نقول معاديا . و يتذكر الجميع المشهد الشهير في أحداث الأفلام المأخوذة عن رواية تشارلز ديكنز  ( قصة مدنيتين )، و التي تحولت إلي العديد من أفلام السينما ،و فيها السيدة من عامة الشعب التي تحضر محاكم الثورة ،و هي تقوم بشغل التريكو و تطالب بقتل النبلاء بالمقصلة ضاحكة، ليبين مدي غوغائية تلك المحاكمات و دموية أفراد الشعب و عدم اكتراثهم للقتل  و سفك الدماء ، و هي وجهة نظر النظم الملكية المعادية للثورة. لم يكن للمرجعية التاريخية أي دور حاسم في مسار سينما الثورة الفرنسية الهوليودية ؛ فمشهد سقوط الباستيل على سبيل المثال في فيلم ( الماركيز سان إيفرمون ) جاء مع ظهور فرق الموسيقى العسكرية تعزف مقطوعة المارسييز التي تحولت إلي السلام الجمهوري لفرنسا بعد ذلك، مع أن تلك المقطوعة لم يتم تأليفها ألا في 1795 .

تدين السينما الهوليودية بشكل عام الاستبداد للنظام الإقطاعي الملكي و انعدام العدل، و تؤيد بشكل عام الثورة البرجوازية التي أنهت الحكم المطلق ، لذا فإن مشهد سقوط سجن الباستيل هو مشهد أساسي في معظم أفلام الثورة في هوليوود كرمز لنهاية الحكم المطلق، مع أن الجميع يدرك بأن الباستيل لم يكن به من السجناء عدد كبير من المساجين . لكن على العكس من ذلك فإن حركة الجماهير كثيرة ما يتم إدانتها و يتم ربطها بأهوال الثورة الفرنسية و سفك الدماء، و يتم تقديم ضحايا الثورة من الأرستقراطيين بشكل يثير الشفقة في ملابس ممزقة يتم إذلالهم، و تتوج سينما هوليود شخصيات مثل روبيسبير و مارا كنماذج للسفاحين المتعطشين للدماء. المسار الذي تنتهجه هوليود في ذلك الوقت هو  المساندة الشكلية للديمقراطية و المعاداة كل المعاداة فيما يخص البعد الاجتماعي و اقتراب الجمهور أو الشعب من الاستيلاء على السلطة.  كانت حركة الشعب و الجمهور خلال الثورة الفرنسية بالنسبة لهوليود هو المعادل الموضوعي لاستيلاء البلشفيك على السلطة و الحكم في روسيا السوفيتية ، و هو ما جعل ليليان جيش بطلة فيلم جريفث عن الثورة الفرنسية ( يتيمتان في العاصفة ) تعلن بعد الفيلم بأن الفيلم هو تجسيد حي للدعاية المضادة لحكم البلشفيك ؛ حيث يظهر أن " استبداد  الملوك و النبلاء أمر لا يمكن الدفاع عنه ، و لكن استبداد  الجموع الشعبية التي تحركها قيادات مسعورة  أمر لا يمكن التسامح معه، و يعد أكثر خطورة".

الثورة الفرنسية في سينما أوربا الشرقية:-

اختفت الثورة الفرنسية تقريبا من سينما أوروبا الشرقية ، و قد يرجع هذا إلي أن الأحداث التي دارت في دول المعسكر الاشتراكي كانت هى الأكثر أهمية بالنسبة لصناعة السينما في أوربا الشرقية التي نعرف أنها كانت تحت سيطرة الدولة و تستخدم استخداماً دعائية في معظم الأحوال. المؤرخ الفرنسي مارك فيرو Marc Ferro لديه تعليل إضافي على هذا الاختفاء للثورة الفرنسية ، حيث يري أن الثورة الفرنسية أبان حكم ستالين كان ينظر إليها على أنها ( نموذج  مضاد ) لثورة أكتوبر . ذلك لأنها تعثرت لمدة طويلة، و أن عقد المقارنة بينها و بين ثورة أكتوبر من الممكن أن يؤدي لاستنتاجات سياسية خاطئة، حيث كان يري أننا لو اعتبرنا بأن لينين  هو روبسبير، و أن فترة حكمه الدموية تعد  مشابهة لفترة حكم لينين فإن فترة حكم ستالين تكون مساوية لفترة حكم نابليون كقائد لفرنسا في مواجهة الدول المعادية كما فعل ستالين إبان الحرب العالمية الثانية ..... و بالطبع فإن ستالين كان يرى نفسه أهم من نابليون في مسار التاريخ ، كما أن نابليون كان بداية التوسع الإمبريالي الرأسمالي الذي كان ستالين يرى نفسه حامي حمي العالم منه.

فرنسا و أفلام ثورة1789 :-

الغريب في الأمر أن السينما الفرنسية  بها الكثير من الأفلام التي تعاملت مع  الثورة الفرنسية بنفس منظور هوليود، لعل من أهم تلك الأفلام ما قدمه المخرج ساشا جيتري ( Sacha Guitry  1885 – 1957 ) عن الثورة الفرنسية ، ( هيا  للشانزلزيه - Remontons les Champs-Elysées-1939 ) ، ( قدر ديزيريه كلاري الرائع - Destin fabuleux de Désirée Clary-1943  ) و ( الشيطان الأعرج -  Le Diable boiteux-1948 ) ، و هي الأفلام التي تبرز دور نابليون بونابرت كمنقذ للأمة الفرنسية ، و تقييم الثورة الفرنسية - و لو بدون مباشرة  - على أنها فتحت الباب أمام الغوغائية الشعبية و تمجد رجال الدولة في مواجهة أفراد الشعب العاديين . كذلك من الممكن أن نصنف فيلم ( عزيزتي كارولين -  1950  Chérie Caroline ) من إخراج ريشارد بوتيه ، و الذي قامت ببطولته الممثلة مارتين كارول و المأخوذ عن رواية سيسيل سان لوران ، و هو الاسم المستعار للصحفي المناهض للثورة و المؤيد لعودة الملكية جاك لوران ( 1919 – 2000 ) ، حيث قدم الفيلم شخصية نسائية عانت من الكثير من المصائب بسبب الثورة الفرنسية . و يرى الكثير من النقاد و المؤرخين أن هذا التيار في  السينما الفرنسية لم يرى في الثورة ألا الخراب و الدموية و استخدم في اثبات ذلك كل التركيبات الميلودرامية لتشويه الثورة مزيفا حتى في أحداث التاريخ.  

جاءت الرؤية المغايرة للثورة الفرنسية مع أبل جانس (1889 – 1981) المخرج الفرنسي الشهير الذي قدم تحفة فنية سينمائية عبر فيلم ( نابليون 1927 ) . الفيلم يعد بداية طليعية لفن السينما ، حيث استخدمت أساليب مونتاجية جديدة ، منها تركيب الصور فوق بعضها أو تقسيم الشاشة لعدة شاشات لتقديم معارك نابليون المختلفة . يعد الفيلم من أكثر الأفلام التي يوجد لها نسخ مختلفة في العالم ،حيث هناك النسخة الصامتة عام 1927 ، ثم نسخة ناطقة في 1935 ، ثم نسخة مرممة مع إضافة المشاهد المحذوفة مع صوت تعليق من خارج الكادر في عام  1971  أطلق عليها أسم ( نابليون و الثورة )،  ثم نسخة اشرف على ترميمها المخرج الفرنسي كلود ليلوش ،و المخرج الأمريكي فرانسيس فورد كوبلا في 1981. الفيلم قدم نابليون على أن رسول لنهضة فرنسا عبر معاركة الحربية و دهائه السياسي . إتبع الفيلم المسار الطبيعي لأفلام تقديس الفرد عبر تتبعه نابليون  منذ طفولته و إظهاره  بصورة الطفل  النابغ النابه منذ نعومة أظافره . لكن الجديد في الفيلم أنه قدم كل أعمال نابليون التي قام بها على أنها كانت في أجل مبادئ الثورة الفرنسية، التي سعى لنصرتها في مواجهة مؤامرات الدول الملكية المحيطة بفرنسا . كما قدم الفيلم جيش نابليون بجنوده كأفراد من الشعب و العامة المناصرين للثورة و الساعين لحمايتها في مواجهة المؤامرات المحيطة بها .... لقد مزج الفيلم بين الثورة و القومية الفرنسية و حركة الجماهير ، مزيج خادع ، و لكنه كان واحداً من  أوائل الأفلام التي ناصرت الثورة الفرنسية و مبادئها.

الفيلم الثاني الذي يعد من علامات السينما الفرنسية حول الثورة الفرنسية هو فيلم المخرج الفرنسي جون رينوار  1894 – 1979 ، و هو ابن الرسام الفرنسي أوجست رينوار و واحد من أكبر مخرجي السينما في تاريخها. الفيلم يحمل أسم المارسيز 1938، و هو عن أحداث الثورة في مرسيليا المدينة السحالية في فرنسا و المطلة على شواطئ البحر المتوسط ، حيث قام رينوار بعمل بحث تاريخي حول  لجان الثورة في مرسيليا، و كان أول فيلم فرنسي عن الثورة يبعد عن أحداث العاصمة الفرنسية باريس و الشخصيات الكاريزمية قائدة الثورة و يصور استيلاء سلطة الشعب على الحكم ممثلاً في فيدرالية مرسيليا . كان الفيلم بمثابة اهداء لحكومة الجبهة الشعبية أول حكومة يسارية تصل للحكم في فرنسا أقرت الإجازة السنوية للعاملين، و تحديد ساعات العمل بثماني ساعات قبل أن تسقط تحت أقدام جيوش هتلر الذي دخل فرنسا محتلا. قدم الفيلم الثورة في صورة عمل جماعي لأفراد الثورة من الشعب و جعل مفهوم الوحدة الوطنية هي كلمة السر التي تترد طوال الفيلم ( كمعادل موضوعى لدعوة حكومة الجبهة الشعبية ) . حتى الملك لويس قدمه بعيدا عن التصوير الكاريكاتوري الشائع :- فهو شجاع و لكنه يواجه أحداث تفوق قدراته  أجبر على الملكية الدستورية و لكنه لم يقبلها يوما.  

سينما التليفزيون ، ومخرجين غير فرنسيين  و ذكرى مرور 200 سنة على الثورة في الفترة ( 1960 – 1970) أزدهر التليفزيون  بشكل كبير، و بدأ يسحب المشاهدين من صالات السينما ، حيث أنتج التليفزيون أفلامه السينمائية التي تعرض من خلاله دون المرور على صالات السينما ،فظهرت أفلام مثل ( وفاة ماري أنطونيت - La mort de Marie Antoinette, 1958 ) من إخراج ستيليو لورانزي ، ( وفاة دانتون  - La mort de Danton  في 1966 ) من إخراج كلود بارما  ،و فيلم  ( 1788 ) من إخراج موريس فالفيك ( 1978 ) ، و غيرها من الأفلام التي تتناول الثورة الفرنسية . تأثرت تلك الأفلام بالمدرسة التاريخية التي برزت في فترة ما بعد الحرب ، حيث بدأ تحليل فترة الثورة الفرنسية تحليل أكثر عمقا ، موضحا ً دور التحول الاقتصادي الاجتماعي في المجتمع الفرنسي في أحداث الثورة ، ويبرز دور العلاقات الاجتماعية ، و علاقات الإنتاج بين ملاك الأراضي و الفلاحين و بروز البرجوازية الصناعية . كان هذا الفريق من مخرجي السينما ( و معظمهم من تيار اليسار )،  قد  اتجهوا للتليفزيون لاعتقادهم بإنه وسيلة التعليم الشعبية للجمهور الواسع، و اعتبروا أن  الشروط الاقتصادية للسينما تحول بين رؤيتهم المتطورة للأحداث التاريخية ،و بين الجمهور العريض الذي كانوا يودون التوجه إليه. كان برنامج ( الكاميرا تستكشف الزمن – La caméra explore le temps) ، هو البرنامج التلفزيوني الذي من خلاله قدمت معظم الأفلام التاريخية ذات الرؤية الجديدة. أثر هذا التطور في معالجة الثورة الفرنسية من خلال الأفلام التليفزيونية في تناول السينما التجارية لأحداث الثورة  ، و بدأ ذلك واضحا مع فيلم المخرج الفرنسي جان بول رابنوا ، مع نجم السينما الفرنسية في ذلك الوقت جان بول بلموندو  ،و الذي يحمل عنوان ( زوجين السنة الثانية –  II Les Mariés de l'an ) في عام 1971 ،حيث تراجعت أهوال الثورة الفرنسية لخلفية الأحداث ، بل و تم تبريرها في بعض أجزاء الفيلم بالظلم و المكائد ضد الثورة و الشعب،  و جعل الفيلم بطله من أفراد طبقة  البرجوازية الصغيرة  يتطوع في الجيش ليحارب أعداء فرنسا .  

في الثمانينيات برزت ثلاث أفلام أخرجها مخرجين غير فرنسيين  بعيدا  عن هوليود ، و كانوا إنتاجا فرنسيا مشتركا ، أولهم كان فيلم المخرج الإيطالي إيتور سكولا ( ليلة فارن - La nuit de Varennes ) 1981 ،حيث جعل الفيلم  الكاتب الفرنسي ( أدم ريستيف ) ، و العاشق الإيطالي الشهير ( كازانوفا ) ، يقطعان الطريق على الملك لويس السادس عشر و الملكة ماري أنطوانيت أثناء هروبهم ، ليدور حوار عن الثورة و الشعب في أطار تخيلي. أما يوسف شاهين فقدم من خلال ( وداعا بونابرت 1982 ) ، مزيج من الوطنية على خلفية من أعلاء مفهوم العلم في مواجهة الجهل ،مع خلق تناقض افتراضي بين مبادئ الثورة الفرنسية (الحرية - الإخاء -  المساواة ) وبين التوسع الاستعماري و الحرب ، حيث كان القائد كفاليري يمثل تيار مبادئ الثورة ،و نابليون تيار العنف و التوسع الاستعماري. أسقط شاهين ظلال الحاضر على الماضي ،و خلط بين تطلعات المصريين الوطنية في الزمن الحاضر ، و ثورتهم على عسكر الفرنسيس ، جاعلا شخصيات الفيلم   يهتفون  ( مصر دايما غالية على ) ، مع أن الصراع كان دينيا بين عسكر الكفرة و دولة المسلمين،  فلم تكن هناك أي مشاعر وطنية مصرية بعد،  أو  ما يعرف بالأمة المصرية ... فقد كانت مصر مجرد ولاية في الدولة العثمانية. نفس الشيء فعله المخرج البولندي الكبير أندريه فايدا ، مع فيلم دانتون 1982 . حيث قدم أحداث العنف في الثورة ، و كأنها حصار ملمحا لأحداث بلاده في ذلك الوقت ،و المعروفة بأحداث نقابة تضامن  و قمع السوفيت لبولندا ، بل أنه خلق مشاهد لا وجود لها تاريخيا  ،بغرض تقديم روبسبير في مواجهة دانتون ،و كأنه ستالين الساعي لتمجيد شخصه ، في اشارة لفترة ( عبادة الفرد ) التي عانت منها كل الدول الشيوعية.   

مع قدوم عام 1989 حلت الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، و احتفلت فرنسا بمرور مائتان عاما على ذكرى الثورة،   فعادت السينما الفرنسية من جديد للاهتمام بتلك الثورة من بعد توقف، فقدمت فيلم ( شوان - Chouans  1988 ) من إخراج فيليب دي بروكا و ( رياح جالرن - Le vent de galerne ) من إخراج برنار فافر 1989 .  أحدثا هذان الفيلمين جدلا كبيرا في المجتمع الفرنسي الذي كان يحتفل في ذلك الوقت بمرور مائتي  عام على ثورته . عالج الفيلمين موضوع لم يعالج كثيرا في ذلك الوقت ، ألا و هو الحرب في غرب فرنسا بين القوات المؤيدة للملك و قوات الجمهورية فيما عرف بحرب إقليم الفانديه  vendée  في 1799 ، حيث جاء الفيلمين في ظل جدل تاريخي عرف بالمراجعة التاريخية من بعض المؤرخين عن الثورة الفرنسية ساوى بين أحداث ثورة الفاندية ( ضحاياها حوالي 200 ألف قتيل ) وبين معسكرات الاعتقال النازي و ضحايا ستالين ، وقد روج لتلك الفكرة إعلاميا النائب البرلماني عن منطقة الفانديه  فيليب دي فيليه Philippe de Villiers  و عضو الحكومة الفرنسية في الفترة من 1986 – 1988 . لم يتبنى  الفيلمين هذا التوجه بشكل صريح ، و لكن ساوى الفيلمين بين معسكرين الصراع الملكي و الجمهوري ، فقدم فيلم ( شوان ) أخوان أحدهما ضابط ضمن جيش الجمهوريين و الأخر ضمن جيش المؤيدين للملك، ليصبح الصراع  عائليا وليس صراعا اجتماعيا سياسيا . أما فيلم   ( رياح جالرن ) فقد ركز على أن ثورة الفانديه كانت ثورة شعبية في البداية من قبل سكان الجبل من أجل أجبار الثورة على تنفيذ وعودها ،  من أجل أعادة النظر في العلاقة مابين ملاك الأراضي و الكنيسة من جهة ، و الفلاحين من جهة أخرى ، و ضد التجنيد الاجباري بالقرعة الذي فرضته الجمهورية ، و لكن أنصار عودة الملكية استغلوا هذا الغضب لمحاولة القضاء على الجمهورية . يعاب على الفيلم عدم ابراز دور التدخل الأجنبي في صالح المدافعين عن الملكية .

 مع قدوم الاحتفالات الرسمية بالمئوية الثانية للثورة عرض في صالات العرض فيلمان وصفا بأنهما من أفلام الدولة ، حيث ساهمت في إنتاجهم الدولة الفرنسية بمبالغ كبيرة ، هذان الفيلمان هما ( سنوات النهضة - Années-lumière  ) من إخراج روبرت إنريكو  Robert Enrico و ( سنوات الرعب -  Années terrible ) من إخراج ريشار هيفرون   Richard Heffron  .  قد تمتع الفيلمان بميزانية ضخمة و فريق كبير من الممثلين من كافة أنحاء أوربا و قدما في جزئيين ، مع وجود أشراف تاريخي من مؤرخين أعضاء  في الأكاديمية الفرنسية ، حاول الفيلمان تقديم وجهة نظر توافقية للثورة الفرنسية من أجل خلق أعمال سينمائية تجمع شمل الفرنسيين في المئوية الثانية للثورة . كما حاول العملان التصوير في الأماكن الحقيقة للأحداث التاريخية الفعلية ( قصر فرساي – مقر مدينة باريس .... الخ) . لكن المحاولة التوافقية من فيلمي الرؤية الرسمية للثورة جعلت منهما شكل بلا محتوي ،حيث أهمل التحليل الاجتماعي السياسي لصالح الدوافع المحركة لقادة الثورة ؛ من طموح و حقد و غيرة ، و ظهر الشعب أو الجمهور و كأنه القطيع الذي ينتظر أوامر قادته لتنفيذها دون تفكير.

هذا هو مسار الثورة في السينما الفرنسية ، و التي ترددت ما بين استخدام الثورة  كخليفة لدراما عاطفية أو حتى لميلودراما ، مع نقد للملكية المطلقة ،و تأيد الملكية الدستورية ، و في نفس الوقت ربط الثورة بالأحداث الدموية التي صاحبتها، من أجل ترسيخ مفهوم أن الثورة كانت أول حدث إرهاب سياسي في التاريخ . جاءت رؤية جان رينوار و مخرجي التليفزيون في الستينات و السبعينيات أكثر توازنا ، و لكننا عدنا مع سينما المئوية الثانية للمراجعة التاريخية للثورة ، مع أعادة اكتشاف حرب الفانديه .

====================

 الهوامش:

1- حاول الملك التصدي للجمعية الوطنية التي سيطر عليها نواب الطبقة الثالثة الفقيرة بقيادة البرجوازية المثقفة ، فاستدعى على عجل في بداية شهر تموز 1789 قوات المرتزقة من السويسريين والألمان إلى فرساي، وأقال في 11 يوليو وزير المالية المحبوب نيكر  Nécker   . أدت هذه الخطوة إلى انتشار الشائعات عن مؤامرة أرستقراطية هدفها تجويع الشعب ، حيث أن سعر الخبز ارتفع في 14 يوليو إلى درجة لم تعرفها فرنسا من قبل. استغل هذا الوضع عدد من القادة الثوريين أمثال مارا Marat ، وديمولان Desmoulins ، وقادة الجماهير لمهاجمة مخازن الأسلحة في مستودعات الأنفاليد الحكومية. وعمت الفوضى مدينة باريس ، فنهبت مخازن السلاح الخاصة من قبل العامة الذين سيطروا على دار البلدية ، واتخذوها مركزا لحركتهم ، وشكلوا الحرس الأهلي تحت قيادة الجنرال لافاييت- La Fayette ، ثم هاجموا رمز الظلم «سجن الباستيل» في 14 يوليو 1789، وبعد استسلام حاميته وقتلها وتحرير ما وجدوه من سجناء ، انتقلت عدوى الثورة التي كانت عفوية وغير موجهة ضد النظام الملكي ، والتي كانت تطالب بالإصلاح ، إلى المقاطعات الفرنسية ، فهاجمت الجماهير قصور النبلاء وبعض الأديرة ، ودمرت وأحرقت كل ما يثبت امتيازات الكنيسة في مناطقهم ومكاتب الضرائب ، وشكلت حرساً أهلياً على غرار باريس.

أجبرت هذه الأحداث الملك على إبعاد الجيش عن مدينة باريس وإعادة الوزير نيكر، واعتمد علم الثورة الفرنسية المثلث الألوان ، وأبعد عدداً من الوزراء المكروهين من الشعب ، وزار باريس في 17 يوليو، حيث قوبل بالهتاف والترحاب على موقفه المعتدل.

2- في 4 أغسطس 1789، صدرت عن الجمعية الوطنية قرارات من أجل تثبيت الثورة وامتصاص نقمة الشارع ، كان أهمها إلغاء الحقوق الإقطاعية ، التي تمثلت بضريبة العشر الكنسية، والعدالة الإقطاعية ، ونظام السخرة ، وإعلان المساواة التامة في الحصول على الوظائف العامة بين جميع المواطنين ، وكان هذا يعني انهيار النظام القديم ، وتدشين مجتمع فرنسي جديد ، مجتمع الحرية والمساواة والإخاء. ثم توالت الخطوات الثورية ، فأعلنت الجمعية الوطنية الفرنسية في 26 أغسطس  وثيقة حقوق الإنسان ، كحق الحرية والأمن والملكية ومقاومة الظلم ، وبأن الأمة الفرنسية هي مصدر السلطات. رفض الملك التوقيع على هذه القرارات الثورية ، واستدعى قوات المرتزقة الأجانب  إلى فرساي من جديد ، واختفى الخبز من الأسواق ، فقررت ربات المنازل الزحف على فرساي في 5 أكتوبر ، وكادت تدخل القصر الملكي لولا تدخل الحرس الوطني ، وهكذا أجبر الملك والملكة بطلب من الجنرال لافاييت على العودة إلى باريس في 6 أكتوبر ، ولحقت به الجمعية الوطنية بعد بضعة أيام ، وهذا معناه وضع الجمعية والملك تحت أنظار الشعب.

أدت هذه الأحداث المتلاحقة بعدد كبير من النبلاء ورجال الدين المعادين للثورة ، وعلى رأسهم شقيق الملك الكونت دارتوا (الملك شارل العاشر فيما بعد)، إلى الهجرة إلى الحدود الإيطالية والألمانية والبلجيكية ، حيث بدأوا من هناك يتآمرون ضد الثورة مع البلدان المضيفة لهم لإعادة النظام القديم وامتيازاته إلى فرنسا. وفي 21 يونيو  1791، قام الملك وعائلته بالهرب من باريس سراً،  إلا أنه اكتشف أمره ، وأُعيد تحت حراسة مشددة إلى باريس ، وأُوقف عن ممارسة أعماله من قبل الجمعية الوطنية الفرنسية حتى إعلان الدستور الجديد. إضافة إلى الجمعية الوطنية والملك و البلاط ، كان هناك بعض التيارات السياسية ممثلة بالنوادي السياسية التي كان أهمها نادي اليعاقبة   Les Jacobins، وأشهر قادته روبسبير Robespierre  ، ونادي الكوردلييه  Club des Cordeliers، وكان أكثر يسارية من النادي السابق في بدايته ، ومن أشهر قادته دانتون   Danton .

3- جان بول مارا( 1743 -1793 ) :-  في عام  1792م  صار مارا عضواً في الجمعية الوطنية الفرنسية التي أعلنت قيام الجمهورية الفرنسية يوم 22 من شهر سبتمبر سنة 1792 م  بعد محاولة الملك الفرار يوم 21 من شهر يوليو سنة 1792 م • بعد إعدام الملك وقف مارا في الجمعية الوطنية الفرنسية منادياً "  أنني أؤمن بالجمهورية"  • ومع مرور الأيام ، انقسمت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى ثلاثة أقسام ، فالأغلبية العظمى احتلت الوسط ، وانحاز الجيرونديون إلى اليمين ، وهم الذين يمثلون منطقة جيروندي وما حولها ، بينما في اليسار كان نواب باريس ، وأطلق عليهم اسم الجبل لأنهم جلسوا في مقاعد مرتفعة عالية في قاعة الجمعية ، وكان روبسبير زعيم هؤلاء إلى جانب مارا . أستدعي مارا في يوم 2 من شهر سبتمبر سنة 1792 م ليصبح عضواً في لجنة الرقابة في كوميونة باريس ( مجلس الحكم المكون بعد سقوط الملكية ) ، وفي ذلك اليوم بالذات ، بدأت مذابح سبتمبر ، ولذلك ارتبط اسم مارا بتلك المذابح • في نظر بعض المؤرخين ، فإن مارا هو المسئول عنها • ففي ذلك اليوم راجت شائعات تقول إن السجناء الملكيين يخططون للهروب من السجون ، فتم  شن حملة دموية للانتقام • وهكذا بدأت حملة منظمة لذبح السجناء ، فكانت مجزرة حقيقية ، فقد قتل مابين 900 إلى 1600 سجين خلال ثلاثة أيام في الزنزانات أو في منصات الإعدام العلنية ، دون محاكمة • يشير المؤرخون إلى عبارة كتبها مارا في صحيفته يوم 27 من شهر مايو سنة 1791م ، ويقول فيها : " قبل نهاية السنة ، سيتدحرج خمسمائة ألف رأس في فرنسا" .. وفي عدد يوم 19 من شهر اغسطس سنة 1792 م ، قال مارا : " قوموا واسفكوا دماء الخونة من جديد .. هذه هي الطريقة الوحيدة لتخليص أرض الآباء ... " • لعل تلك الكتابات الشاهد الوحيد على مسؤوليته عن مجازر سبتمبر  • وإذا افتقد الدليل الحقيقي على مسؤوليته  المباشرة ، فهو لم يفعل شيئاً لإيقاف حمام الدم• قتل على يد فتاة من الجيرونديين .

4- ماكسميليان روبسبير  ( 1759 – 1794 ) :-   انتخب روبسبير نائبا لرئيس مجلس الطبقات، الذي اجتمع عام 1789 م عشية اندلاع الثورة الفرنسية ، ثم التحق بالجمعية التأسيسية الوطنية (المكونة من ممثلي الشعب)، حيث لمع نجمه. في عام 1790 انتخب رئيسا لحزب اليعاقبة، وازدادت شعبيته كعدو للملكية ونصير للإصلاحات الديمقراطية. وعقب سقوط الملكية في فرنسا عام 1792 انتخب روبسبير أول مندوب لباريس للمؤتمر القومي الذي ألح فيه على مطلب إعدام الملك لويس السادس عشر وعائلته ، وهو ما تحقق عام 1793  . وسرعان ما انتخب روبسبير عضوا في الهيئة التنفيذية العليا ولجنة السلامة العامة.

في غضون ذلك ازدادت ألإعدامات حتى وصل عدد المعدومين إلى ستة آلاف شخص في ستة أسابيع ، وأدت خطب روبسبير النارية إلى خوف عدد من كبار أعضاء المؤتمر الوطني على سلامتهم الشخصية ، ولذلك دبرت مؤامرة ضد روبسبير  وأعاونه ، واتفق كل من (باراس - دتاليان) متزعمي المؤامرة وهما من رجال الثورة الذين كانا خائفين علي ما يفعله روبسبير ومن معه ، لذلك عزما على التخلص من هذا الطاغية بنفس الطريقة التي كان يقتل بها الناس ، وبعد ذلك جهزا قوة عسكرية واقتحما بها دار البلدية التي كان بها روبسبير يحاول تبرير أعماله وتدبير إعدامات  جديدة. نجحت إحدى الرصاصات التي أطلقت عليه في أن تصيب فكه ، ومن ثم قيدوه وأخذوه إلى المقصلة مع مائة من أتباعه وأعدموهم جميعا.

5- نابليون بونابرت ( 1769 – 1821 ):- أنهى دروسه الحربية، وتخرج سنة  1785م ، وعين برتبة ملازم أول في سلاح المدفعية التابع للجيش الفرنسي الملكي. في سنة 1795 أعطيت له فرصة الظهور ، ليظهر براعته لأول مرة في باريس نفسها حين ساهم في تعضيد حكومة الإدارة في القضاء على المظاهرات التي قام بها الملكيون ، تساعدهم العناصر المحافظة والرجعية. عاد في سنة 1797 وأنقذ هذه الحكومة من الوقوع تحت سيطرة العناصر الملكية الدستورية فبات منذ هذا التاريخ السند الفعلي لها ولدستور سنة  1795.   بزغ نجم بونابرت خلال عهد الجمهورية الفرنسية الأولى ، عندما عهدت إليه حكومة الإدارة بقيادة حملتين عسكريتين موجهتين ضد ائتلاف الدول المنقضة على فرنسا. وفي سنة 1799، قام بعزل حكومة الإدارة ، وأنشأ بدلاً منها حكومة مؤلفة من 3  قناصل ، وتقلّد هو بنفسه منصب القنصل الأول ، وبعد 5 سنوات أعلنه مجلس الشيوخ الفرنسي إمبراطورا. خاضت الإمبراطورية الفرنسية نزاعات عدة خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، عرفت باسم الحروب النابليونية، ودخلت فيها جميع القوى العظمى في أوروبا. أحرزت فرنسا انتصارات باهرة في ذلك العهد، على جميع الدول التي قاتلتها ، وجعلت لنفسها مركزا رئيسيًا في أوروبا القارية ، ومدت أصابعها في شؤون جميع الدول الأوروبية تقريبًا ، حيث قام بونابرت بتوسيع نطاق التدخل الفرنسي في المسائل السياسية الأوروبية عن طريق خلق تحالفات مع بعض الدول ، وتنصيب بعض أقاربه وأصدقائه على عروش الدول الأخرى. توفي في منفاه بجزيرة سانتا هلينا في 1821 .

عن الكاتب : مساعد رئيس تحرير مجلة الديموقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
1
كمال الدين صادق
05-03-2013 09:34ص
0-
0+
طرح رائع
طرح وعرض شيق وأكثر من رائع
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق