مقالات وتقارير خاصة بالموقع
الإصلاحات السياسية فى الجزائر: تحدّيات و آفاق
2013/03/29
بقلم د.مرازقة عبد الغفور
0
2542

 

 
 
مقدمة
 
عرفت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة موجة من الإصلاحات السياسية والتحولات 
 
الديمقراطية نتيجة لثورات شعبية عنيفة أفرزت جملة من التحدّيات على مستوى البنى 
 
السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لأنّها اصطدمت بالواقع الذي ظلّ لمدة 
 
طويلة حبيس أنظمة حكم شمولية – تسلّطية قائمة على دكتاتورية الحزب الواحد، و«
 
الشرعية الثورية»، و«قيادة كاريزمية»، ونخبة محدودة العدد تحتكر مجريات الحياة 
 
السياسية والاقتصادية. غير أنّ اللافت للانتباه، هو تأخّر المّد الديمقراطي في الوطن العربي 
 
رغم الإصلاحات التي بادرت بها بعض الدول منذ نهاية القرن الماضي، على غرار الجزائر 
 
والأردن.
 
 إنّ تعطّش الشعوب العربية إلى الحرية والمشاركة في اتخاذ القرارات وتأسيس الحكم 
 
الراشد، بعد المعاناة الطويلة من ويلات الاستعمار وتسلّط الحكام بعد الاستقلال، يجعل من 
 
الديمقراطية مطلبا شعبيا، وعاملا للاستقرار، وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية، 
 
والاجتماعية، هذا المطلب الذي أخذ أحيانا شكلا عنيفا ومواجهات دامية، كما حدث ويحدث 
 
حاليا في  تونس، ليبيا، مصر، اليمن، وسوريا. 
 
إن الأوضاع الداخلية، الإقليمية والدولية الراهنة، تجعل من الخيار الديمقراطي خيارا لا مفّر 
 
منه بالنسبة لجميع البلدان العربية، وهو ما يستوجب البحث والتفكير في الحلول 
 
والاستراتيجيات الناجعة من أجل بناء نظم سياسية تعبّر فعلا عن الإرادة الشعبية وترقى 
 
بمستوى الوعي بالحريات والمواطنة، بعيدا عن التبعية للعالم الخارجي.
 
ومهما يكن من أمر، يتّجه الوطن العربي عموما نحو بلورة أنماط سياسية جديدة للحكم 
 
والخروج من “أزمة” الثقافة السياسية التي كانت سائدة منذ تحقيق الاستقلال وبناء 
 
مؤسسات الدولة. هذه “الأزمة” التي ساهم فيها بقسط كبير، الخطاب السياسي الرسمي الذي 
 
كان يرفض الفكر الديمقراطي باعتباره فكرا غربيا مستوردا، ويخدم المصالح “الامبريالية”، 
 
وفي المقابل، يمجّد ويقدّس “الايديولوجية القومية-العربية”، و”الشعبوية”، وغيرها من 
 
الشعارات الجوفاء التي تُعرّض منتقديها للسّجن أو المنفى أو”الإقامة الجبرية” بتهمة “
 
الخيانة ألعظمى”. والجزائر على غرار العديد من البلدان العربية شهدت هي الأخرى  حراكا 
 
لإقامة إصلاحات ديمقراطية، في ظلّ جملة من التحدّيات والمعوّقات السياسية والاقتصادية 
 
والاجتماعية والثقافية.
 
منذ أن كرّس دستور 23 فبراير 1989 النظام الديمقراطي والتعددية السياسية بصفة 
 
رسمية، لا يزال النظام السياسي الجزائري يبحث عن صيغة ديمقراطية مناسبة لاكتساب 
 
شرعية مقبولة من طرف جميع القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في المجتمع، لأنّ 
 
الديمقراطية لا تعني مجرد الإقرار بالتعددية السياسية، ولكنها تعني كذلك مجموعة من 
 
الإجراءات والقواعد، تصّب كلها في إعطاء فرصة للمواطنين للتعبير عن أفكارهم بكل حرية. 
 
كما أنّها تعني كذلك القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية مكمّلة للإصلاحات 
 
السياسية  باعتبار أنّ الديمقراطية هي مشروع مجتمع متكامل.
 
من الناحية المنهجية، حاولنا تشخيص الوضع السياسي في سياقه التاريخي الذي يتميّز 
 
أساسا بأحداث “الربيع العربي”، وما أفرزه من إصلاحات ديمقراطية في العديد من البلدان 
 
العربية، من جهة، وكنتيجة للانسداد السياسي من جهة أخرى. كما سعينا لوصف وتحليل 
 
طبيعة العوامل الظاهرة والخفية التي تعيق الإصلاحات السياسية في الجزائر، وكذا السياق 
 
العام التي صدرت فيه على المستويات الداخلية، الإقليمية والجيوسياسية. وقد اخترنا 
 
مجموعة من المؤشرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، التي نعتقد أنّها 
 
كفيلة بقياس وضع الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر. وأخيرا، حاولنا استشراف آفاق 
 
ومستقبل الإصلاح السياسي الجزائري.  
 
وبالنظر إلى الدراسات السابقة، التي عالجت موضوع الإصلاح الديمقراطي في الجزائر يبرز 
 
اتّجاهان  أساسيان:
 
الاتجاه الأول: يتفاءل بمستقبل هذا الإصلاح، ولا سيما منذ صدور دستور 1989، الذي فتح 
 
آفاقا جديدة للتغيير السياسي.
 
الاتجاه الثاني: يتشاءم من إمكانية وقدرة هذه الإصلاحات على تحقيق الانتقال الديمقراطي 
 
وتجسيد دولة القانون، مادام أنّ الإصلاح لم يشمل أركان النظام السياسي القائم.
 
إنّ الهدف من هذه الدراسة هو الوقوف على أهّم تحدّيات ومعوّقات الإصلاحات السياسية التي 
 
بادرت بها الدولة الجزائرية منذ 1989 إلى يومنا هذا، والنظر في آفاق تجسيدها، كما 
 
سنحاول معالجة الموضوع معالجة أكاديمية وموضوعية في ضوء المتغيّرات الدولية 
 
والإقليمية.
 
وعليه تكون إشكالية البحث على النحو التالي: 
 
ما هي التحدّيات والمعوّقات التي تواجه الإصلاحات السياسية في الجزائر وما هي سبل 
 
تجاوزها؟
 
وقد بنينا هذه الإشكالية على الفرضيات التالية:
 
ــ أنّ هذه الإصلاحات لم تحقق من الناحية الفعلية تغييرا جذريا في طبيعة نظام الحكم، 
 
مادامت أنّها لم تمتّد إلى تغيير في أساليب الحكم والإدارة والتسيير.
ــ أنّ الإصلاحات السياسية هي بمثابة الشرعية البديلة عن “المشروعية الثورية” .
ــ أن النخب السياسية الحاكمة تسعى من خلال الإصلاحات الديمقراطية إلى الحفاظ على 
 
مصالحها السياسية وامتيازاتها المادية التي تجنيها من “الريع النفطي”.
ــ أن الإصلاحات السياسية هي وليدة “أزمة” على مستوى السلطة وعلى مستوى المجتمع 
 
معا.
من البديهي أنّه في كل المجتمعات التي تتحرّر من مرحلة طويلة من الاستبداد تعدّ عملية 
 
البناء الديمقراطي فيها عملية شاقة وطويلة وتتعرض لمقاومات بيئية على جميع الأصعدة. 
 
والسؤال المطروح إذاً: ما هي قدرات الجزائر وسائر الأقطار العربية على بناء مشروع 
 
ديمقراطي قائم على الحداثة، وعلى مسايرة العولمة، وهي التي لها تراكم وعجز يقدّر 
 
بعشرات السنين في هذا المجال؟
ومن ضمن التساؤلات في هذا السياق:
ما هي طبيعة ومضمون الإصلاحات السياسية في الجزائر؟، وما هي النتائج المترتبة عنها 
 
على مستوى الدولة والمجتمع؟ هل يمكن إدراج هذه الإصلاحات في سياق أحداث “الربيع 
 
العربي” من أجل تجنّب “ربيع عربي” في الجزائر؟، وهل ستؤدي هذه الإصلاحات إلى تحقيق 
 
الاستقرار السياسي والتحوّل الديمقراطي المنشود؟، وما هي حقيقة الحراك والتغيير 
 
الديمقراطي في الجزائر؟، وما هي أسباب وطبيعة المعوّقات التي تحول دون تجسيدها؟، وما 
 
هي الضمانات السياسية والدستورية لكي تصبح هذه الإصلاحات ذات جدوى وفعالية؟، وما 
 
هو المشهد السياسي مستقبلا ؟
انطلاقا من هذه التساؤلات سوف نركز في هذه الدراسة على الموضوعات التالية: 
أولا: الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر منذ صدور دستور 23 فبراير 1989، وأهّم محطات 
 
الإصلاح والظروف العامة التي وردت فيها.
ثانيا: أهّم المعوّقات السياسية التي حالت دون تجسيد هذه الإصلاحات، دون تجاهل الجوانب 
 
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ثالثا: آفاق الإصلاحات السياسية وما يجب القيام به مستقبلا  لتجاوز العقبات السياسية 
 
وتحقيق التحوّل الديمقراطي الحقيقي.
أولا: أهّم محطّات الإصلاح السياسي منذ 1989:
لقد كشفت أحداث 5 أكتوبر 1988 عن عمق “أزمة” المجتمع الجزائري، وعلى وجود عدم 
 
توازن بين “مشروع الثورة الاشتراكية” الذي كان يحمله الخطاب الرسمي، والوسائل 
 
الموضوعة في سبيل إنجازه. كما أنّ الدولة الاشتراكية، ومن خلفها جميع المؤسسات، 
 
عجزت عن تحقيق “السعادة الفردية لكل مواطن جزائري” كما ورد في النصوص  والمواثيق 
 
الثورية.
وتعود في اعتقادنا أسباب هذه الأحداث التي شكّلت منعرجا هاما في التاريخ السياسي للجزائر 
 
إلى ما يلي:
ــ رفض النظام السياسي القائم آنذاك، بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني، واقتسام السلطة، 
 
وفسح المجال للحريات السياسية، في ظّل غياب قيادة رشيدة.
ــ انتشار الرشوة والفساد والمحسوبية على نطاق واسع ــ وفي جميع مؤسسات الدولة .
ــ إهمال دور العنصر البشري في التنمية، ولا سيما الكفاءات الجامعية.
ــ تهميش المجتمع المدني ووجود نسيج اجتماعي متفكك.
ــ ويمكن أن نضيف انخفاض أسعار النفط  إلى أقّل من عشرة دولارات، ممّا أثّر بشكل صارخ 
 
على الميزانية العامة للدولة التي تعتمد أساسا على مداخيل المحروقات.
عموما، كانت أحداث أكتوبر1988، بغّض النظر عن مدبّريها وخلفياتها، كافية للإطاحة بنظام 
 
الحزب الواحد، وإنهاء عهد الاشتراكية، وإعادة بناء علاقات جديدة بين السلطة والمجتمع.
في ظل هذه الظروف السياسية صدر دستور 23 فبرير 1989(1) بعد الخطاب التاريخي الذي 
 
ألقاه الرئيس “الشاذلي بن جديد” في 10 أكتوبر 1988، والذي أقر فيه بضرورة الإصلاحات 
 
السياسية والاقتصادية ، كما اعترف فيه لأوّل مرّة بوجود اتجاهات و”حساسيات” مختلفة 
 
داخل أجهزة الدولة والحزب (2).
ما هي الطبيعة القانونية لدستور 1989 والمبادئ التي يقوم عليها؟
يعرّف المشرع الجزائري دستور 23 فبراير 1989 بالعبارات التالية:
“إن الدستور هو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، 
 
ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات، ويكفل الحماية 
 
القانونية، ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية، ويتحقق فيه تفتّح 
 
الإنسان بكل أبعاده”.
وانطلاقا من هذا التعريف، نلاحظ أن المشرّع يركز على بناء دولة القانون، والفصل بين 
 
الجانبين القانوني والايديولوجي، خلافا لمرحلة نظام الحزب الواحد التي تميزت بالخلط بين 
 
هذين الجانبين، حيث كانت الايديولوجية  تغلب على القانون، ممّا أدّى إلى تناقضات في 
 
التشريعات والمؤسسات نفسها. أمّا دستور 1989، فقد جاء خاليا من الشحنة الايديولوجية، 
 
ويرّكز أكثر على المبادئ العامة التي تقوم عليها دولة القانون، على غرار الأنظمة 
 
الديمقراطية. ويمكن اعتباره “دستور- قانون”، لأنّه “يقتصر على ذكر الجوانب القانونية 
 
المتعلقة بتنظيم السلطة وتحديد صلاحياتها، وتكريس نظام الحريات وحقوق الأفراد”(3).
وقد أخذ المشرّع الدستوري في 1989 ببعض المبادئ العامة التي نصّت عليها الدساتير 
 
السابقة، وفي نفس الوقت تبنّى مبادئ جديدة لم تعهدها الجزائر سالفا، والتي تعبّر عموما 
 
عن الانفتاح السياسي والبناء الديمقراطي. وأقرّ الدستور لأوّل مرّة منذ الاستقلال مبدأ “
 
التعددية الحزبية”، وفسح المجال للتنافس السياسي، والتداول على السلطة. كما نصّ على 
 
مبادئ “الفصل بين السلطات” و”حرية التفكير والابتكار”، و”حرية الرأي والتعبير”. وأكدّ 
 
على مبدأ “السيادة للشعب” (المادة 06)، ومبدأ “استقلالية القضاء”، ومبدأ “الرقابة 
 
الدستورية” ومبدأ “الإسلام دين الدولة”.
إلاّ أنّ دستور 1989 لم يكن خاليا من الاختلالات والفجوات الناتجة أساسا عن التسرّع في 
 
إعداده لأنّه وضع على أنقاض نظام الحزب الواحد. ومن أهّم هذه الفجوات: عدم النّص على 
 
حالة استخلاف رئيس الجمهورية عند تزامن استقالته مع حّل البرلمان، ممّا أدّى إلى نوع من 
 
الارتباك السياسي، والفراغ الدستوري بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في يناير 
 
1992، مباشرة بعد “تعليق المسار الانتخابي”. 
ولتفادي هذه الثغرات كان من الضروري القيام بتعديلات دستورية جوهرية من أجل تثبيت 
 
أركان الدولة ونظامها الجمهوري، بعد مرور مرحلة انتقالية صعبة على المستويين السياسي 
 
والأمني. وبالفعل استأنفت الدولة مسار الإصلاحات السياسية بالمبادرة بتعديلات دستورية 
 
في 28 نوفمبر 1996(4)، التي تلاها قانون الانتخابات في 6 مارس 1997(5)، ثم قانون 
 
الأحزاب (6) في نفس التاريخ. هذه الإصلاحات جاءت لوضع حّد للمرحلة الانتقالية التي 
 
استمّرت من 1992 إلى 1996.
وقد أكّد دستور 1996 على البعد التاريخي والحضاري لمؤسسات الدولة من خلال نّصه في 
 
الديباجة على أنّ المكوّنات الأساسية لهوّيتنا هي: الإسلام والعروبة والأمازيغية، وعلى وضع 
 
مقاييس جديدة لتأسيس الأحزاب السياسية، وإعادة تنظيم المؤسسة التنفيذية، وإحداث “
 
محكمة عليا للدولة” تختّص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها “
 
بالخيانة العظمى”، وكذا رئيس الحكومة، عن الجنايات والجنح التي يرتكبها بمناسبة تأديته 
 
لمهامه. كما ينّص الدّستور على إنشاء غرفة برلمانية ثانية هي “مجلس الأمة”، وتعزيز 
 
دور المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان) في الرقابة على الحكومة.
وقد أعقبت هذه المرحلة التي تخلّلتها “أحداث دامية” و سمّيت بـ”العشرية السوداء” موجة 
 
جديدة من الإصلاحات السياسية في سنة 2000، تحت شعار “إصلاح هياكل الدولة”، شملت 
 
العديد من القطاعات على غرار العدالة، والتربية، والتعليم والتوظيف العمومي، والجماعات 
 
المحلية.
وترتكز استراتيجية الإصلاح في مطلع القرن الحالي على مجموعة من الأهداف:
ــ إصلاح العدالة بهدف إقامة دولة القانون؛
ــ مواصلة إصلاح هياكل الدولة؛
ــ تنمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني؛
ــ إصلاح قانون الأسرة؛ 
ــ إصلاح المنظومة التربوية؛
ــ تعميق  الإصلاحات الاقتصادية والمالية.
وفي أبريل 2011 أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن جملة من الإصلاحات السياسية 
 
خصّت تعديل بعض النصوص التشريعية التي لها علاقة بالممارسة الديمقراطية وتدعيم دولة 
 
القانون. وقد شملت قطاعات الإعلام، وقانون الأحزاب السياسية، والنظام الانتخابي، والتمثيل 
 
النسوي في المجالس المنتخبة، وحالات التنافي مع العضوية النيابية، والجمعيات المدنية. 
 
وحظيت هذه الإصلاحات بمصادقة البرلمان بغرفتيه في انتظار تعديل الدستور لاحقا.
غير أنّ هذه الإصلاحات أثارت جدلا كبيرا في أوساط الطبقة السياسية حول محتواها 
 
وأبعادها، فحسب قيادات بعض الأحزاب المعارضة، “السلطة لا تملك الشّرعية التي تؤهّلها 
 
لقيادة هذه الإصلاحات”، مادام أنّه لم يسبقها حوار ومشاورات واسعة مع الفاعلين 
 
السياسيين، وممثلي المجتمع المدني، على الرغم من أنّ السلطة  قد عيّنت “لجنة خاصة” 
 
للإشراف على هذه العملية. ويعاب على هذه الإصلاحات أيضا أنها شملت النصوص 
 
التشريعية الفرعية، وكان المفروض المبادرة بتعديل القانون الأساسي المتمثل في الدستور، 
 
وإعادة انتخاب مؤسسات دستورية جديدة.
 ثانيا: معوّقات الإصلاح الديمقراطي في الجزائر 
ممّا لا شك فيه أنّ نجاح أي إصلاح مرهون بتوافر مجموعة من العوامل والأجواء السياسية 
 
والسياق العام المناسب. إلاّ أنّ المتتبّع للمشهد السياسي الجزائري يلاحظ غياب الظروف 
 
الموضوعية لتجسيد الإصلاحات الديمقراطية، بسبب وجود عوائق متعددة، اقتصادية، 
 
واجتماعية وثقافية. هذا ما أدّى إلى نوع من الركود والتعثّر في التجربة الديمقراطية 
 
الجزائرية، فما هي هذه العوائق؟
الخطاب السياسي الجزائري «خطاب أزمة»
من الثابت أنّه توجد علاقة وثيقة بين الإصلاح والأزمة، بمعنى أنّ الأزمة هي التي توّلد 
 
الإصلاحات، وتدفع بالحكام إلى اتخاذ إجراءات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لمواجهة 
 
هذه الأزمة. ويعتقد الأستاذ بلحاج صالح أنّ الخطاب الديمقراطي العربي هو “خطاب أزمة” 
 
لسببين رئيسيين: «أوّلهما، لأنه ظهر في ظروف متأزمة ومضطربة، وثانيهما: لأنّه ولّد 
 
تشنّجات وتوّترات في وعي الأفراد وإدراكهم» (7).
والنظام السياسي الجزائري، هو الآخر، يعاني من “أزمة متعددة الجوانب”، وفي طليعتها “
 
أزمة الشّرعية”، وقد عبّرت أحداث أكتوبر 1988، كما جاء آنفا في سياق هذه الدراسة، عن 
 
عمق هذه الأزمة من خلال التصادم بين مشروع السلطة وما يكتنفه من غموض من جانب، 
 
والمجتمع الذي يعيش في أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة نم جانب اخر. وقد انجرّت عن 
 
هذه الأحداث تداعيات هامة على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، عجّلت بالإصلاحات 
 
السياسية الديمقراطية.
وحتى الساعة، لا يزال النظام السياسي القائم يبحث عن مشروعية بديلة “للمشروعية 
 
التاريخية”، و”المشروعية الثورية”، التي ميّزت مرحلة نظام الحزب الواحد، والعهد 
 
الاشتراكي. وبطبيعة الحال إذا كان النظام يفتقد ــ أو ناقص ــ الشّرعية، فإنه من الصعوبة 
 
للغاية بمكان نجاح الإصلاحات التي يبادر بها مهما تكن طبيعتها.
ضعف الاندماج السياسي
إن الاندماج السياسي عامل أساسي مساعد على الاستقرار السياسي، ونجاح الإصلاحات. 
 
وفي الوقت الذي عرف فيه المجتمع الجزائري تحوّلات كبرى على مستوى التركيبة 
 
الاجتماعية للسكان، وعلى مستوى الوعي السياسي والثقافي، لم تعرف الدولة تجديدا في 
 
النخب الحاكمة، ممّا ولّد قطيعة بين هذه النخب والمجتمع الذي يتشكل في غالبيته من 
 
الشباب. وفي ظلّ هذه الظروف تغيب الثقة والدّعم الشعبي للسّلطة في مبادراتها للتغيير، 
 
فيسود الملل، وتفشل الإصلاحات.
تكريس مؤسسة الرئاسة في النظام السياسي
إن المتتّبع للإصلاحات السياسية في الجزائر يلاحظ أنها كانت دوما بمبادرة من المؤسسة 
 
التنفيذية التي تحظى بمكانة خاصة في مختلف الدساتير منذ الاستقلال. هذا ما جعل العديد من 
 
المختّصين في القانون الدستوري يصنّفون النظام السياسي الجزائري ضمن الأنظمة 
 
الرئاسية المغلقة، نظرا للسلطات الواسعة التي يتمتّع بها رئيس الجمهورية، والتي تمتّد إلى 
 
مجال التشريع وإصدار حّق “الفيتو” على القوانين التي يصدرها البرلمان، كما هو الحال في 
 
الدستور الحالي (دستور 1996). هذا التركيز الشديد للسلطة يتنافى في حدّ ذاته مع مفهوم 
 
الدولة الحديثة من جهة، ويقصي البرلمان من المساهمة في المبادرة بالإصلاحات ومتابعة 
 
تجسيدها من جهة أخرى. 
التعددية السياسية تعددية شكلية:
إن الساحة السياسية الجزائرية تعرف إعادة هيكلة مستمرة لخريطة الأحزاب السياسية، إلاّ 
 
أنّ التعددية في حدّ ذاتها لم تجد بعد طريقها الصحيح، لأنّ “بعض الأطراف” في الدولة لم 
 
تتعوّد، من منطلق النزعة التسلّطية، على وجود هيكل سياسي آخر يزاحمها، والبعض الآخر، 
 
“خائف على تشتّت الوحدة الوطنية”، فيما يتّجه فريق آخر إلى المطالبة بالإسراع في تجسيد  
 
التعددية السياسية، ومبدأ التداول على السلطة. في هذا السياق صدر القانون العضوي الذي 
 
يحكم الأحزاب السياسية في 6 مارس 1997، فأعاد النظر في الإجراءات التنظيمية وشروط 
 
إنشاء الأحزاب السياسية، ولعلّ أبرزها منع توظيفها لعناصر الهوية الوطنية لأغراض 
 
سياسية.
وعلى الرغم من الحرية النّسبية التي تتمتع بها الأحزاب السياسية عند تأسيسها أو ممارسة 
 
نشاطها، فإنّ تدخّل الدولة، عن طريق وزارة الداخلية التي تمنح الاعتماد للأحزاب أو بواسطة 
 
وزارة العدل التي تقوم بمنعها من النشاط في حالة مخالفتها للقوانين، يثير النقاش حول حرية 
 
نشاط الأحزاب، وحياد الإدارة، وبسط نفوذها عليها، ولذلك كان من الأفضل إعطاء صلاحية 
 
اعتماد الأحزاب السياسية إلى “لجنة قانونية مستقلة” عن وزارة الداخلية لتدعيم الطابع 
 
الديمقراطي، وضمان الشفافية في اعتماد الأحزاب.
إلاّ أن التباطؤ في إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتأخّر في إصلاح قانون الأحزاب لم يسمح 
 
لهذه الأخيرة، ولا للانتخابات التعددية، بإفراز نخب سياسية جديدة، حيث بقيت معظم هذه 
 
الأحزاب تدور في فلك السّلطة، ولم تفلح في تشكيل قوّة بديلة، حيث تحوّلت مع مرور الوقت 
 
إلى أداة توظّفها السّلطة في المناسبات السياسية والانتخابية من أجل استمرارها في الحكم، 
 
بالإضافة إلى أنّها أصبحت “مجرد أوعية لأصحاب المصالح والمطامع الشخصية”، إلى 
 
درجة “أنّ الأحزاب الصغيرة باعت رؤوس القوائم للمرّشحين الذين لا علاقة لهم بها”(8).
ويعود، في اعتقادنا، هذا الإخفاق الحزبي إلى الأسباب التالية:
ــ هناك عدد كبير ومبالغ فيه من الأحزاب السياسية، وهذا ليس في صالح المعارضة بقدر ما 
 
يخدم الحزب الحاكم. فهذه “الفسيفساء” من الأحزاب، انعكست سلبا على حظوظ فوزها في 
 
الانتخابات، وعلى  تمثيلها وتصويتها داخل البرلمان.
ــ تتميز معظم الأحزاب بغياب الممارسة الديمقراطية في داخلها، بحكم سيطرة عقلية “
 
الزعامة” والجهوية الضيّقة والروابط العشائرية. هذا ما أسهم في خلق  “أزمة داخلية”  في 
 
العديد من الأحزاب، أدّت في النهاية إلى الانقسام في صفوفها وبروز صراعات بين القيادات 
 
التاريخية أو المؤسسّين و”الحركات التّصحيحية”، على غرار “حزب جبهة التحرير 
 
الوطني”، و”التجمع الوطني الديمقراطي”، و”حركة الإصلاح”. وكنتيجة لغياب الديمقراطية 
 
في هذه الأحزاب وقيامها على “الشخصانية” و”التعصّب”، وبسبب الانقسامات بداخلها، 
 
يعرف معظمها هجرة جماعية من صفوفها ونفور المواطنين لا سيما الشباب من الانخراط 
 
فيها، نظرا لإصابتهم بخيبة أمل.
ــ تفشي سلوكيات غير ديمقراطية بداخل الأحزاب السياسية، حيث أضحت “الشكارة”(9) 
 
أحد المتغيّرات الأساسية لتصدّر القوائم الانتخابية، على حساب اعتبارات الجدارة والكفاءة. 
 
ويقود هذه العملية “البقارة”، وهم رجال أعمال ومقاولون لا علاقة لهم بالسياسة. كما يلاحظ 
 
عدم احترام الضوابط القانونية والأخلاقية من قبل العديد من الأحزاب، لا سيما بمناسبة عقد 
 
مؤتمراتها وتجديد هياكلها، وافتقادها إلى التنظيم والقدرة على التجنيد، وتنشيط الحملات 
 
الانتخابية، والتحكّم في أبجديات التسويق والاتصال السياسي. فمن غير المعقول إذاً أن تطالب 
 
هذه الأحزاب بالديمقراطية على مستوى السلطة السياسية، في حين أنّ سلوكياتها 
 
وممارساتها بداخل هياكلها، لا تمّت بصلة للديمقراطية.
تفتقر جّل الأحزاب السياسية إلى برامج أو أيديولوجية ورؤى واضحة حول مختلف القضايا 
 
الوطنية مثل السياسة الأمنية، والاستثمارات الأجنبية، والمنظومة التربوية، والبطالة، 
 
وأولويات التنمية وسبل معالجتها، كما يتميّز خطابها بالغموض والتشابه في المضمون. 
ــ استمرار السّلطة في توظيف “حزب جبهة التحرير الوطني”، كرمز من الرموز التاريخية 
 
والوطنية، ما يعطي الانطباع  أنّه  “البديل الوحيد” ولا مجال للتعدّدية .  
عموما تبقى التعددية الحزبية تعددية شكلية، ولا ترقى إلى درجة تكريس مبدأ “التداول على 
 
السلطة”، وتحوّلت معظم هذه الأحزاب إلى “أحزاب شكلانية” و”مناسباتية”، تدور في 
 
محيط السلطة، ولا تستجيب لتطلّعات المواطنين، هذا ما أسهم في تقزيم دورها وإضعافها 
 
أمام الرأي العام.
الانتخابات: وسيلة لتجديد الشرعية:
يعدّ حق الاقتراع العام الحّر(10) مكسبا من مكاسب التحوّل الديمقراطي في الجزائر منذ بداية 
 
الإصلاحات السياسية في 1989، إذ تعبّر الانتخابات التعدّدية عن الانفتاح السياسي، وبناء 
 
مؤسسات ديمقراطية بعيدا عن الانقلابات والعنف. ونتساءل في هذا الصدد، هل أدّت 
 
الانتخابات التعدّدية في الجزائر إلى التداول السلمي على السّلطة، على مستوى المؤسسات 
 
المركزية والمحلية؟ وهل أفرزت نخبا سياسية جديدة؟ وما هي حقيقة المشهد الانتخابي؟
من خلال متابعتنا لمختلف الاستحقاقات منذ الإقرار بمبدأ التعدّدية الحزبية، نستخلص ما يلي:
ــ أن الانتخابات التعدّدية لم تؤد بعد إلى تغيير جذري على مستوى التركيبة الاجتماعية 
 
والسياسية للسّلطة، وبالتالي لم تفرز نخبا سياسية جديدة.
ــ أنّ الانتخابات لا تعكس في مجملها مشاركة شعبية واسعة باستثناء الانتخابات الرئاسية، 
 
الأمر الذي يدفع إلى القول إنّ العزوف الانتخابي هو تعبير عن يأس المواطنين من حدوث  
 
تغيير عبر آلية الانتخاب، ونتيجة مباشرة للتشكيك في نزاهة الانتخابات، حيث بلغت نسبة 
 
المشاركة 48.38 % خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في 10 مايو2012، ونسبة 
 
42.84 % في الانتخابات المحلية التي نظّمت في 29 نوفمبر 2012.(11)
ــ أنّ الانتخابات تحوّلت إلى مناسبة لتجديد شرعية المؤسسات القائمة على المستوى 
 
الداخلي وتجاه الرأي العام الدولي.
ــ أنّ نتائج مختلف الانتخابات في السنوات الأخيرة كرّست فوز قطبي النظام السياسي المشكّل 
 
من “حزب جبهة التحرير الوطني”، و” التجمع الوطني الديمقراطي”، وتقاسمهما المقاعد، 
 
وإبعاد أحزاب المعارضة، وهو مؤشّر على استمرار حالة الاحتقان التي تطبع المشهد 
 
السياسي . (12)
ــ تراجع التيار السياسي الإسلامي في الجزائر، حيث أظهرت الانتخابات التشريعية والمحلية 
 
التي جرت في سنة 2012 إخفاق، و”نكسة” “تكتّل الجزائر الخضراء” الذي يضّم ثلاثة 
 
أحزاب إسلامية، هي “النهضة”، و”الإصلاح”، و”حركة مجتمع السلم”، وهي نتائج 
 
مخالفة لكلّ التوّقعات بالنظر إلى التوّجه العام للانتخابات التي جرت في الوطن العربي بعد 
 
ثورات” الربيع العربي”، والتي حقّق فيها “الإسلام السياسي” نجاحات معتبرة.  
تفشّي البيروقراطية:
بالعودة إلى مرحلة نظام الحزب الواحد، طغت على الإدارة الوظيفة السياسية، فتحولت إلى 
 
جهاز في خدمة الحزب الحاكم، حيث لم يكن هناك فصل بين العمل السياسي والعمل الإداري. 
 
ومنذ دخول الجزائر في مرحلة التعدّدية السياسية، أوكلت للجهاز الإداري مهّمة تقديم 
 
الخدمات العمومية للمواطن في إطار الحياد السياسي. ونظرا لبقاء أساليب الإدارة والتسيير 
 
على حالها، لم يتمكّن الجهاز البيروقراطي من مواكبة موجة التغيّر والإصلاح، حتّى أصبح 
 
وسيلة للتخلف، بدلا من أن يكون وسيلة لتقديم الخدمات وتحقيق التنمية. 
والجزائر باعتبارها دولة ريعية، انتهجت فيها الإدارة، حين تسييرها لملّفات التنمية 
 
الاقتصادية والاجتماعية، أسلوبا بيروقراطيا روتينيا بعيدا عن الأساليب الحديثة في التسيير، 
 
ممّا أدّى في نهاية المطاف إلى نوع من الركود في وتيرة تجسيد المشاريع التنموية، وهذا 
 
خلافا لما هو سائد في البلدان المتقّدمة حيث تعتبر البيروقراطية، حسب مفهوم ماكس فيبر، 
 
بمثابة جهاز تنفيذي إيجابي بأتّم معنى الكلمة.
استفحال ظاهرة الفساد
تنتشر في الجزائر، كما هو الشأن في سائر البلاد العربية والعالم الثالث،  وبشكل لافت 
 
للانتباه، ظاهرة الفساد بكلّ أشكاله، حيث تأسسّت “إمبراطوريات مالية وتجارية” شكلّت 
 
عبئا على التّنمية الاقتصادية، وعلى التحوّل الديمقراطي نفسه. ويحدث هذا في ظل غياب 
 
آليات حقيقية للرقابة والمحاسبة، سواء من طرف البرلمان أو الأحزاب السياسية أو السلطة 
 
القضائية أو منظمات المجتمع المدني.
إنّ الفساد والاستئثار بالسّلطة والثروة بجميع الوسائل غير المشروعة تحوّل إلى نوع من “
 
نظام للحكم”، وبالتالي أصبح عائقا أساسيا لأيّ إصلاح، حيث تحوّل من مشكلة أخلاقية إلى 
 
إشكالية سياسية، واللافت للإنتباه أنّ عملية الإصلاحات السياسية أسندت إلى الأجهزة 
 
البيروقراطية وجماعات المصالح التي أسهمت في الفساد، فسعت إلى تعطيلها للحفاظ على 
 
امتيازاتها ومصالحها. وفي 06 فبراير 2005 صدر أوّل قانون جزائري لمكافحة الفساد، 
 
وصحبته حملة واسعة لمراقبة العمليات المالية والمصرفية المشبوهة. وفي هذا الصدد، 
 
بادرت الدّولة إلى التّوقيع على العديد من الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد، ومن ضمنها “
 
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة “ في سنة 2000، و”اتفاقية الأمم المتّحدة 
 
لمكافحة الفساد” في عام 2003.
وعلى الرغم من هذه القوانين لازالت الجزائر تحتّل مراتب متقدّمة في سلّم الفساد 
 
الدولي(13)، نظرا لتفشي هذه الآفة على مستوى كافة مؤسسات الدولة، ممّا يعيق إنجاز 
 
المشاريع والمخططات التنموية من جهة، ويزيد من الاحتقان الشعبي ويمّس بمصداقية 
 
الدولة، وبجدّية الإصلاحات الديمقراطية، من جهة أخرى.
غياب روح المواطنة كأساس للبناء الديمقراطي:
يحظى “مبدأ المواطنة” في البلدان العريقة في الديمقراطية بأولية على كافة الحقوق، لأنّه 
 
السبيل الوحيد لتنمية إمكانات النضال السياسي السلمي، وتكريس الحقوق السياسية 
 
والاقتصادية والاجتماعية. إنّه يسمح للمواطن بشرعية العمل السياسي الجماعي، والتأثير في 
 
مضمون القرارات الجماعية الملزمة لجميع المواطنين، لما فيه تحقيق مصالحهم المشروعة. 
 
ولا يخفى على أحد أنّه من معوّقات التحوّل الديمقراطي في الجزائر وسائر الأقطار العربية 
 
غياب روح المواطنة، وضعف روح الولاء للدّولة، في مقابل تنامي روح “الولاء للعشيرة” أو 
 
“القبيلة”  و”الزبونية السياسية”.
غموض العلاقة بين السياسي والعسكري:
شكّلت ولازالت مسالة العلاقة بين الجيش والدولة في الجزائر إحدى المسائل الشائكة، لأنّها 
 
تترجم غموض العلاقات بين السياسي والعسكري، كما أنّها تطرح بالضرورة مسألة طبيعة 
 
نظام الحكم وإشكالية الحدود الفاصلة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. وتعود 
 
جذور هذه الإشكالية إلى مرحلة ما قبل الاستقلال، عندما كان الصراع محتدما بين “قيادة 
 
أركان جيش التحرير الوطني” التي كانت بمثابة الذراع الأيمن لجبهة التحرير الوطني من 
 
جهة، و”الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية” من جهة ثانية. والحقيقة أن غموض هذه 
 
العلاقة يشكل في حدّ ذاته عائقا نحو التحوّل الديمقراطي، بحيث أنّ الجيش والأجهزة الأمنية، 
 
باعتبارها مؤسسات فعلية، كانت دوما في قلب الأحداث السياسية، وشكّلت العمود الفقري 
 
للنظام السياسي القائم. 
إلاّ أنّه ينبغي التأكيد على وجود تراجع نسبي لنفوذ المؤسسة العسكرية، بعد الإصلاح 
 
الديمقراطي في 1989، في مقابل تزايد نفوذ السّلطة المدنية، ممّا قد يمهّد لإرساء مبدأ “حياد 
 
الجيش” عن السياسة مستقبلا. هذا ما ذهب إليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2009 ، 
 
بمناسبة استقباله للجنرال الأمريكي “ويليام ورد”، رئيس القيادة العسكرية لإفريقيا (
 
أفريكوم)، عندما صرّح” أنّ الجيش هو تحت سيطرة السّلطة المدنية، وأنّ المشروعية 
 
الثورية التي كانت وراء تأثير العسكر في الجزائر قد انتهت في 2004”. وبرّر تدّخل الجيش 
 
في الحياة السياسية خلال “العشرية السوداء”، بأسباب أمنية، لأجل إنقاذ البلاد من العنف 
 
الذي ميّز تلك الفترة. 
لكنّنا نعتقد أنّ نفوذ المؤسسة العسكرية لازال واردا ، ليس فقط لأسباب ظرفية مرتبطة 
 
بتسيير”الأزمة الأمنية”، و”مكافحة الإرهاب”، ولكن أيضا بسبب وجود “اتفاق ضمني” 
 
بين السّلطة السياسية والجيش منذ “تعليق المسار الانتخابي” في يناير 1992، حيث شكّلت 
 
المؤسسة العسكرية، ومعها الأجهزة الأمنية المختلفة خلال هذه المرحلة عاملا أساسيا في 
 
تحقيق الاستقرار السياسي، وضبط التوازنات بين مختلف القوى والنخب المتصارعة على 
 
السلطة، وهو نفس الدور الذي لعبته هذه المؤسسة خلال أحداث أكتوبر 1988، عندما 
 
استنجدت بها السلطة السياسية آنذاك “لحماية مؤسسات الدولة من الانهيار”. 
والسؤال الذي يبقى مطروحا : متى تتحوّل المؤسسة العسكرية في سائر الوطن العربي من 
 
مؤسسة “في خدمة الدولة” إلى مؤسسة في “خدمة دولة القانون”؟
استرجاع السلم المدني كشرط أساسي لتجسيد الإصلاحات:
إن وجود العنف في أي مجتمع هو تعبير عن غياب الحوار الديمقراطي، وتغييب حقوق 
 
المواطنة، وتسلّط الحكام، وانتهاج سياسة التهميش، وتزوير الإرادة الشعبية، واللّجوء إلى 
 
الانقلابات السياسية والعسكرية، كسبيل للوصول إلى سدّة الحكم. وتعود جذور الأزمة الأمنية 
 
في الجزائر إلى مطلع سنة 1992، حينما أوقفت السلطة المسار الانتخابي وأعلنت عن “
 
حالة الطوارئ”. ومن أجل إعادة السّلم المدني لم تكتف الدولة بانتهاج سياسة “الكّل 
 
الأمني”، بل بادرت في نفس الوقت بسياسة الحوار مع الجماعات المسلّحة، والتي كانت 
 
بدايتها “بقانون الرحمة”(14) في عام 1994، بمبادرة من الرئيس  زروال، إلاّ أنّه لم يحقّق 
 
النتائج المرجوة منه في إيقاف النزيف الدّموي بسبب عدم إشراك كل أطراف الصراع، وفي 
 
مقدّمتها “الجبهة الإسلامية للإنقاذ “المحظورة.
وبعد فشل قانون “التوبة والرحمة”، وتدّهور الوضع الأمني، وتفاقم الأزمة السياسية، لجأت 
 
السّلطة السياسية بالتّنسيق مع السّلطة العسكرية، إلى اتخاذ تدابير جديدة لإعادة بعث الحوار 
 
السياسي مع “الجماعات الإسلامية المسلحة”. وبالفعل، بعد مجيء الرئيس عبد العزيز 
 
بوتفليقة للحكم في 1999، بادر بقانون “الوئام المدني”(15)، بعد المصادقة عليه من طرف 
 
البرلمان وتزكيته بواسطة الاستفتاء الشعبي.
إلاّ أنّ سياسة “الوئام المدني” لم تكن سوى الشّق الأمني للمصالحة الوطنية، لذلك كان من 
 
الضروري استكمالها بالشّق السياسي. ونتيجة لذلك برزت سياسة جديدة هدفها ترقية هذا 
 
الوئام إلى نوع من المصالحة الشاملة، وهذا ما حدث بالفعل، بعد إعادة انتخاب الرئيس عبد 
 
العزيز بوتفليقة في 08 أبريل 2004، حيث تضمّن “الميثاق من أجل السّلم والمصالحة 
 
الوطنية” الذي صدر في أغسطس 2005 مجموعة من التدابير والآليات القانونية لإعادة 
 
إدماج “التائبين” في المجتمع، والتكفّل “بضحايا المأساة الوطنية” و”المفقودين”16. ولم 
 
تكتف هذه المبادرة بمعالجة المأساة الأمنية، بل شملت كذلك مسائل وطنية أخرى، منها “
 
أزمة منطقة القبائل”، وتحضير”قانون جديد للإعلام”، و”تقنين دور الزوايا”، و”إعادة 
 
تفعيل دور المساجد”.
ومهما يكن من أمر، تعرف الجزائر حاليا تحسّنا ملحوظا على المستوى الأمني، حيث تم إلغاء 
 
العمل “بقانون الطوارئ” الذي كان ساري المفعول منذ يناير 1992، ولن تتحقق الإصلاحات 
 
السياسية إلاّ بعد استعادة الاستقرار الأمني واستتباب السّلم بصفة شاملة. 
لا تنمية سياسية بدون تنمية اقتصادية:
منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي انتقلت الجزائر، رسميا، من الاقتصاد الاشتراكي 
 
الموّجه إلى نمط جديد من التسيير الاقتصادي يقوم على تحرير الاقتصاد والتجارة والاتجاه 
 
تدريجيا نحو “نظام اقتصاد السوق”. فصدر في 14 أبريل 1990 القانون رقم 90-10، الذي 
 
يتعلق بتحويل رؤوس الأموال بين الجزائر والخارج من أجل تمويل المشاريع الاقتصادية، في 
 
إطار سياسة تراجع الدولة عن احتكار التجارة الخارجية، وتجارة الجملة.
ومن أجل تصحيح الاختلال في الميزان التجاري وتحقيق التنمية الاقتصادية، شرعت الحكومة 
 
منذ 2004 في تجسيد برنامج “الإنعاش الاقتصادي” الذي يتضمن سلسلة من الإجراءات 
 
الاستعجالية، نذكر من بينها: تخفيض نسبة الرسوم الجمركية، وتخفيض ديون البلديات، 
 
وتهيئة المناطق الصناعية، وإعداد برنامج استعجالي لتنمية جنوب البلاد.
غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتحقيق التنمية الاقتصادية، نظرا لعدم توافر الأرضية 
 
اللاّزمة لتجسيدها، وغياب استراتيجيات صناعية على المدى الطويل، ووجود اختلالات 
 
هيكلية لها علاقة بعدم التنويع في الصادرات، حيث تمثّل المحروقات وحدها 98% من 
 
إجمالي الصادرات،(17) في ظلّ الإهمال الواضح للقطاع الفلاحي، ووجود تبعية غذائية 
 
للخارج، بالإضافة إلى عدم استغلال الإمكانيات المادية والبشرية التي تزخر بها البلاد 
 
استغلالا عقلانيا.
إضافة إلى هذه المعوقات يعاني الاقتصاد الجزائري من غياب ضوابط وقواعد تتحكم في 
 
النفقات العمومية، كما يعاني من مشكلة التحكّم في الواردات من جهة، وعدم التنوّع في 
 
الصادرات من جهة أخرى ، ووجود نسبة تضخّم مرتفعة نسبيا.(18) وعلى الرغم من تخلص 
 
الدّولة الجزائرية من ثقل المديونية الخارجية، إلاّ أنّها لازالت تعاني من التبعية في المجال 
 
التكنولوجي، واستيراد التجهيزات والبضائع  المتنوّعة من الخارج . هذه التبعية  قد تحدّ من 
 
الإرادة السياسية، وتهدّد الأمن الغذائي.
وكانت نتيجة هذه الاختلالات الاقتصادية، وسيادة النمط الاستهلاكي، وضعف التنمية 
 
الاقتصادية بصفة عامة، انعكاسات اجتماعية، وتبلور قوى طفيلية، واقتصاد موازى،(19)، 
 
وانتشار الفساد، وارتفاع نسبة البطالة التي تتراوح ما بين 10 إلى 12% بالنسبة لمجموع 
 
السكان في سّن العمل، وما بين 20 إلى 25% في أوساط الشباب(20).
الريع النفطي: نعمة أم نقمة؟
إنّ السمة الأساسية التي تتميز بها اقتصاديات الأنظمة العربية مجتمعة هي سوء توزيع 
 
الثروات، لاسيما في البلدان التي تعتمد على الريع النفطي كمموّل رئيسي لميزانية الدولة. 
 
وفي غياب الرقابة والمحاسبة تحظى الأقلية الحاكمة في هذه البلدان بالنصيب الأوفر من هذه 
 
الثروة، بينما تحرم غالبية فئات المجتمع منها، هذا ما أسهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة الفقر 
 
في الوطن العربي. 
والجزائر باعتبارها دولة ريعية تعتمد بنسبة كبيرة على الجباية النفطية في تمويل ميزانيتها، 
 
وقد أصبح هذا الريع، مع مرور الوقت، “نعمة” بالنسبة  للنخبة الحاكمة من جهة، و”نقمة” 
 
على الشعب من جهة أخرى. هذه النخبة، تحاول بشتى الوسائل الحّد من فعالية الإصلاحات 
 
الديمقراطية، وعدم السماح بتبلور نخب سياسية جديدة قد تنافسها البقاء في السلطة، 
 
وتعصف بامتيازاتها، حيث أصبح الريع هو الذي يضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. عموما، 
 
إنّ الاقتصاد الجزائري، و بعد مرور 50 سنة من الاستقلال، لم يتحرّر بعد من السياسة، هذا 
 
ما دفع بالمتشائمين للاستنتاج أنّه لا يمكن التفاؤل بنجاح الإصلاحات السياسية والاقتصادية 
 
مادامت الجزائر” دولة ريعية”.
في آخر المطاف، يمكن القول إنّ الريع النفطي بدلا من أن يكون عاملا لتحقيق الديمقراطية، 
 
تحوّل إلى عائق في وجه التّنمية الاقتصادية، والتغيير السياسي، وهذه إحدى المفارقات في 
 
الجزائر والدول العربية النفطية، بصفة عام، ولذلك حان الوقت للبحث عن استراتيجية 
 
اقتصادية جديدة تقوم على التنوّع في مصادر تراكم الثروة، وعدم الاعتماد بشكل أساسي على 
 
اقتصاد ريعي قائم على عوائد النفط، وإعداد برنامج للتنمية يلبي احتياجات الطبقات الفقيرة، 
 
ويضمن التوزيع العادل للثروة.
المعوقات الاجتماعية والثقافية 
تشكل البيئة الاجتماعية والثقافية إحدى العناصر الأساسية في التحوّل الديمقراطي في أيّ 
 
مجتمع، حيث لا يمكن تحقيق الديمقراطية، في ظلّ محيط اجتماعي وثقافي يسوده الانحطاط 
 
والتخلف. ولا نخوض في العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والمجتمع، نكتفي في هذا المقام 
 
بإبراز المشكلات الاجتماعية والثقافية التي تعيق الإصلاح الديمقراطي في الجزائر، لأنّ 
 
التحدّيات المرتبطة بالممارسة الديمقراطية لا تكمن في العوامل السياسية لوحدها، بل تمتّد 
 
كذلك إلى طبيعة المنظومتين المجتمعية والثقافية.
وحسب تقارير”منظمة الأمم المتحدة للتعاون والتنمية”، ستعرف الجزائر مع مطلع هذا 
 
القرن “أزمة متعددة الأشكال”، ستكون لها آثار سلبية على مستوى نوعية معيشة الأفراد، 
 
وعلى التنمية الوطنية.
ولعلّ أبرز العناصر الهيكلية الاجتماعية والثقافية التي تعيق الإصلاحات الديمقراطية هي:
1- تهميش العناصر التي تؤمن بالعصرنة والحداثة، على غرار منظمات المجتمع المدني، 
 
ولاسيما منظمات الشباب والنساء والمثقفين.
2- تأثير البنية التقليدية الاجتماعية التي تحكم سلوكات الأفراد والجماعات، والتي تتميّز 
 
بالطابع المحافظ وترفض مفاهيم الديمقراطية والإصلاح والتغيير والرأي المخالف.
3- سيادة العلاقات القبلية والعشائرية على حساب الولاء للدولة، وتنمية روح المواطنة التي 
 
هي شرط أساسي للانفتاح والتحديث السياسي. هذه العلاقات تطفو على السّطح بشكل ملفت 
 
للانتباه كلمّا اقتربت المواعيد الانتخابية، خاصة المحلية منها. 
4- ضعف مؤسسات المجتمع المدني التي تعتبر بمثابة مدارس لتعليم الديمقراطية، وتوعية 
 
المواطنين في جميع المجالات. وفي 12 يناير 2012، صدر قانون جديد ينظم نشاط الجمعيات 
 
المدنية، يهدف إلى إزالة العراقيل التي تواجه عملية إنشائها، وتوفير ضمانات لنشاطاتها، 
 
وتوضيح ميادين تدّخلها وشروط تمويلها. وهو يهدف إلى الارتقاء بالسلوك المدني لدى 
 
المواطن، وتشجيعه على التجمّع، كوسيلة لطرح أفكاره، وممارسة الحوار، وتعميق المطلب 
 
الديمقراطي. غير أنّ هذا القانون لقي انتقادات من قبل أحزاب المعارضة لأنّه يكرّس هيمنة 
 
الدّولة واستقطابها للمجتمع المدني، لاسيما بالنسبة للمنظمات غير الحكومية والجمعيات 
 
الخيرية الإسلامية.
وعلى الرغم من العدد الهائل للجمعيات المدنية الجزائرية، إلاّ أنّها لم ترق بعد إلى المستوى 
 
المطلوب، نظرا للقيود البيروقراطية التي تفرضها عليها السلطات الإدارية بشأن تأسيسها 
 
ونشاطها وتمويلها، بالإضافة إلى تبعية أغلب هذه المنظمات إلى الأحزاب السياسية، على 
 
غرار التنظيمات الطلابية والجمعيات الخيرية ونقابات الموظفين، فضلا عن تمّركز معظمها 
 
في المدن الكبرى.
5- إن مشاركة المرأة الجزائرية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يعكس 
 
وزنها الحقيقي في المجتمع، حيث تشكّل المرأة نسبة 49% من التركيبة الديمجرافية  
 
للسكان. هذا التهميش يرجعه البعض إلى خصوصيات التاريخ السياسي والثقافي للجزائر، 
 
وإلى القيم المحافظة و”الذكورية” التي تطبع المجتمع،  وجزءا هاما من الطبقة السياسية. 
ومن أجل إدماجها في الحياة السياسية صدر قانون عضوي في يناير 2012، رفع التمثيل 
 
النسوي في المجالس المنتخبة، حيث يفرض هذا القانون تخصيص “كوتا” محددّة للنساء في 
 
قوائم الترشيحات و المجالس. وبموجبه ارتفع عدد النساء الممّثلات في البرلمان بعد 
 
انتخابات 10 مايو 2012 إلى 146 امرأة من مجموع 380 عضوا، أي بنسبة 31.39% من 
 
التركيبة العامة للمجلس الشعبي الوطني. وقد أكدّت الانتخابات المحلية التي جرت في نهاية 
 
2012 هذا الاتّجاه، حيث توّسعت مشاركة المرأة في الفضاء السياسي. وللتذكير، لم يكن عدد 
 
النساء الممثّلات في برلمان 2007 يتعدّى 29 امرأة من بين 379 نائبا. غير أنّه يعاب على 
 
هذا التطوّر الكمّي في التمثيل النّسوي أنّه جاء أحيانا على حساب النّوعية،  والكفاءة 
 
السياسية.
6- تشكّل الأمية عائقا في وجه الإصلاحات السياسية، لأنّه لا يمكن تصوّر نجاحها في مجتمع 
 
يتفشى فيه الجهل. وعلى الرّغم من الجهود التي تبذلها الدولة في مجال محو الأمية والتربية 
 
والتعليم، إلاّ أنّها تظّل غير كافية(21). 
7- كما نلاحظ غياب نظام فعّال للاتصالات، حيث يهيمن نظام “الاتّصال الشفهي” على حساب 
 
“الاتّصال الحديث” المبني على التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، هذا ما يفسح 
 
المجال واسعا للإشاعات وتحريف فحوى ومضمون الإصلاحات.
وفي التحليل الأخير، لا يفوتنا أن نشير إلى وجود قوى خفيّة “محافظة” داخل السلطة، تعمل 
 
على بقاء الأوضاع على حالتها الراهنة لضمان استمرارها في مقاليد الحكم، حيث نجد تناقضا 
 
بين أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية، متذرّعة باحترام “الثوابت الوطنية”، ومكوّنات “
 
الهوّية الوطنية”.
ثالثا: آفاق الإصلاحات الديمقراطية:
لقد رأينا من خلال هذه الدراسة أنّ الإصلاحات السياسية في الجزائر إصلاحات متعثرة، 
 
وتواجه تحدّيات كبيرة على جميع الأصعدة، سواء على مستوى المبادئ الديمقراطية، أو 
 
المؤسسات وهياكل الدولة، أو المجتمع المدني، وبناء المواطنة، والحكم الراشد.
إنّ الطريق إلى الديمقراطية هو طريق شاق، لأنّ الأزمات التي خلّفها نظام الحزب الواحد 
 
عميقة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن القطيعة، بل ينبغي الحديث عن تحوّل ديمقراطي 
 
تدريجي. فمعالجة مسائل الصراع داخل السلطة، والوصاية السياسية، وإعادة الثقة للمجتمع، 
 
ومعالجة مشاكله الاقتصادية والاجتماعية، تحتاج إلى كثير من الوقت والتدبير وإعادة بناء 
 
المؤسسات على قاعدة جديدة  ومتينة. كما أنّ التحوّلات التي شهدها العالم العربي في 
 
السنوات الأخيرة تفرض على الجزائر تبّني إصلاحات جذرية على كافة المستويات 
 
والمؤسسات، لأنّ الرهانات كبيرة، خاصة أنّ الجزائر تزخر بالإمكانات المادية والبشرية 
 
الهائلة، ولأنّ خطاب “شراء السّلم الاجتماعي” من أجل احتواء الاحتجاجات الاجتماعية، 
 
بواسطة تدابير ظرفية “ترقيعية” لن يدوم.
ومن أجل كل هذا ينبغي معالجة التحدّيات والمعوّقات التي تواجه الإصلاحات السياسية 
 
معالجة شاملة و ذات آفاق واعدة، من خلال مجموعة من الأولويات والتدابير نوجزها فيما 
 
يلي:
1- ضرورة إعادة هيكلة العلاقات السياسية بين الدولة والمجتمع بالاعتماد على مؤسسات 
 
متينة. ومن أجل ذلك من الضروري تدعيم البناء المؤسسي والتشريعي بآليات قانونية تتوافق 
 
ومتطلبات الدولة الحديثة، دولة القانون.
2- بناء الديمقراطية على أساس “القيم الثقافية المحلية”، وخصوصيات البنية الاجتماعية 
 
والثقافية والتاريخ الحضاري للبلاد. بعبارة أخرى، ضرورة إعطاء محتوى اجتماعي- ثقافي 
 
للإصلاح الديمقراطي.
3- إصلاح هياكل الدولة وتكييفها وفقا للسياقات الجديدة انطلاقا من الجماعات المحلية 
 
وقطاعات العدالة والوظيف العمومي، وانتهاء بإصلاحات دستورية وبرلمانية .
4- المبادرة بإقامة نوع من “العقد الاجتماعي” مع جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين في 
 
البلاد، لأنّ الديمقراطية هي بناء وتنظيم، وتحتاج إلى تفكير وحوار وتشاور بعيدا عن احتكار 
 
القرار والسّلطة. هذا “العقد” تشارك فيه السّلطة، والأحزاب السياسية، والمنظمات 
 
الاجتماعية، ووسائل الإعلام، والإدارة، والنقابات، والمثقفون، وغيرها من المؤسسات 
 
وممثلي المجتمع.
5- ضرورة تجديد الأحزاب السياسية، وفتح مجال الحقل السياسي لكلّ التيارات التي تحترم 
 
المبادئ الديمقراطية، وتؤمن بالتداول السّلمي على السّلطة عبر صناديق الاقتراع.
6- العناية بإجراء إصلاحات على النظام الانتخابي، والقوانين الانتخابية باعتبارها وسيلة 
 
للتغيير السياسي السلمي، وليست غاية في حدّ ذاتها.
7- الدفاع عن حق المواطن في إعلام تعدّدي حّر، ورفع كل أشكال الرقابة على وسائل الإعلام 
 
والعمل الجمعوي والنقابي.
8- تكريس الممارسة الديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي وتوسيع المشاركة السياسية 
 
باعتبارها جوهر الديمقراطية، بالإضافة إلى إرساء دولة القانون، والفصل بين السلطات، 
 
والرقابة الدستورية، وضمان استقلالية القضاء.
9- تطهير أجهزة الدولة من الفساد والرّشوة وإساءة استعمال النفوذ وغسل الأموال، ونبذ 
 
الممارسات العروشية والزبونية من خلال تكثيف الإجراءات والتدّابير الرّدعية، والالتزام 
 
بالشفافية وتوسيع نطاق المساءلة للإطارات والمسؤولين في الدولة،، ومراقبة الإنفاق العام 
 
والصفقات العمومية.
10- إعادة الاعتبار للنّخبة المثقفة وللبحث العلمي، لأنّ الإصلاح الديمقراطي يحتاج إلى 
 
تأطير وتحرير الذهنيات وإنارة طريق السياسيين، ولأنّ قضية الديمقراطية والحكم الراشد 
 
هي قضية ومسؤولية الإنسان المثقّف،  فبفضله يتحرّر العقل، ويقبل بالتغيير والإصلاح.
11- لا يمكن الفصل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية، إذ هناك علاقة 
 
وثيقة بين نظام “اقتصاد السوق”، والنظام الديمقراطي،  وهذا الأخير لن يكتب له النجاح في 
 
ظلّ وجود الاحتكارات.
12- من الضروري غرس مفهوم المشاركة السياسية في إدارة شؤون المجتمع لدى النشء 
 
والسعي لنشر ثقافة سياسية، وتنشئة مبنية على “الديمقراطية الاجتماعية”، وما تحمله من 
 
معاني نبيلة.
13- تحقيق التنمية المستدامة، وتدعيم القطاع الفلاحي من أجل ضمان الاكتفاء الذاتي 
 
والتفكير في “مرحلة ما بعد البترول”.
14- تدعيم التنمية المحلية واللاّمركزية الإدارية بإصلاح النظام الجبائي للجماعات المحلية 
 
وضمان استقلاليتها.
15- في التحليل الأخير، لا يمكن الاستهانة بدور العوامل الخارجية والتحدّيات 
 
الجيواستراتيجية في التأثير على الاستقرار السياسي، إذ لا يمكن نجاح الإصلاحات في ظل 
 
وجود “توّترات إقليمية”، كما هو حال الجزائر (قضية الصحراء الغربية، الاحتقان الطائفي و 
 
الحرب في شمال دولة مالي، والاضطرابات السياسية والأمنية في دول الساحل الافريقي وفي 
 
ليبيا وتونس ومصر...).
 ما هو مستقبل الإصلاحات؟
إن الحديث عن إشكالية الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر يدفعنا إلى الحديث عن مستقبل 
 
هذه الإصلاحات في ظلّ التحوّلات الدولية والعربية المتسارعة.  ومن الصّعب التنبّؤ بالمشهد 
 
السياسي، وبما سيؤول إليه المسار الديمقراطي بسبب الأزمة المتعدّدة الجوانب، وطبيعة 
 
المعوّقات المتشعّبة والراسخة. 
ولكننا متفائلون بمستقبل هذه الإصلاحات لسببين على الأقّل:
1- أنّ الوضع الراهن ليس في صالح السّلطة لأنه سيزيد من احتقان الشارع واحتمالات 
 
المواجهة، لاسيما مع الشباب أو ما يسمى “بالجيل الثالث”(22)، الذي عاش في ظل الأزمة، 
 
ويشكّل قاعدة الحركة الاجتماعية.
2- أنّه بعد استنفاد “المشروعية التاريخية” و”الشرعية الثورية”، و”شرعية مكافحة 
 
الإرهاب” نتيجة انفراج الأزمة الأمنية، لن يبقى أمام النظام إلاّ البحث عن شرعية بديلة 
 
قوامها الإصلاحات السياسية.   
الهوامش:
(Endnotes)
(1) تم عرض مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي الذي وافق عليه بنسبة 78.98 % ، 
 
إذ صوّت لصالحه 7 ملايين ناخب، مقابل 2.5 مليون معارض و 3 ملايين امتنعوا عن 
 
التصويت، من أصل 13 مليونا مسجّلا على القوائم الانتخابية.
 
(2) وفعلا، خلال المؤتمر السادس للحزب تم تغيير تسمية «حزب جبهة التحرير الوطني» 
 
بتسمية «جبهة»، تعبيرا عن الاعتراف بوجود اتجاهات وحساسيات سياسية مختلفة داخل 
 
الحزب.
 
(3) لمزيد من التفاصيل حول طبيعة دستور 23 فبراير 1989، اانظر: أوصديق فوزي، «
 
الوافر في شرح القانون الدستوري» ، الجزء الثاني، د.م.ج، الجزائر، 1994، ص 59.
 
(4) حظي دستور 1996 بموافقة 85.81 % من المصوّتين، مقابل 14.19 % من 
 
الرافضين، حسب النتائج التي أعلن عنها المجلس الدستوري. أمّا نسبة المشاركة فكانت   
 
79.80 %، وقد انتقدت أحزاب المعارضة هذه الأرقام ووصفتها «بالمزوّرة» .
 
(5) الأمر رقم 97-7 المؤرخ في 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام 
 
الانتخابات.
 
(6) الأمر رقم 97-9 المؤرخ في 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق 
 
بالأحزاب السياسية، والذي عوّض «قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي» الذي صدر في 5 
 
 يوليو  1989 .
 
(7) صالح بلحاج، «أبحاث وآراء في مسألة التحوّل الديمقراطي في الجزائر»، مخبر دراسات 
 
 وتحليل السياسات العامة في الجزائر، ط. 1، الجزائر، يونيو 2012، ص 9 .
(8)  بوحنية  قوي، «الانتخابات البرلمانية الجزائرية عام 2007، مقاربة من خلال بعض 
 
ميكانيزمات التنمية ألسياسية» في «الانتخابات الديمقراطية  وواقع الانتخابات في الأقطار 
 
العربية»، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، فبراير 2009، ص 352 .
(9) «الشكارة» مصطلح متداول في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في السنوات 
 
الأخيرة بالجزائر، ويعني «كيس من المال»، يدفعه «المناضل المحظوظ» إلى قيادة الحزب 
 
لترتيبه في صدارة القوائم خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية. 
(10) للتذكير، عرفت الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية «قطيعة» في نظامها القانوني، 
 
فتأثّرت إلى حدّ ما بالمبادئ الدّستورية الغربية مثل الاقتراع ومفهوم الدّسترة، وفي نفس 
 
الوقت، تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع.
(11) بلغت المشاركة في تشريعيات 2007 نسبة 35.6%، وهي أدنى نسبة مشاركة في 
 
تاريخ الاستحقاقات الجزائرية منذ الاستقلال. 
(12) خلال الانتخابات البرلمانية في 2012 حصد حزب جبهة التحرير الوطني 220 مقعدا 
 
من أصل 462 مقعدا، بينما فاز التجمع الوطني الديمقراطي بـ 68 مقعدا، هذا ما مكنّهما من 
 
تشكيل الأغلبية المطلقة في البرلمان. وأثناء الانتخابات البلدية والولائية في 2012، جاء 
 
حزب جبهة التحرير في المرتبة الأولى والتجمّع الوطني في المرتبة الثانية، فيما حقّقت «
 
الحركة الشعبية الجزائرية» التي يترأسها عمارة بن يونس، والمحسوبة على التيّار 
 
العلماني، المفاجأة باحتلالها للمرتبة الثالثة وتحصّل «تكتّل الجزائر الخضراء» على 48 
 
مقعدا فقط... وبمناسبة التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة، خلال 2012، فاز التجمّع 
 
الوطني ب 24 مقعدا، مقابل 17 مقعدا لحليفه حزب جبهة التحرير الوطني، بينما لم يتحصّل 
 
« تكتّل الجزائر الخضراء» ذو التوّجه الإسلامي على أيّ مقعد، وهو ما يِؤكّد هزيمته في 
 
الانتخابات البرلمانية والمحلية .
(13) يصنّف التقرير الصادر في عام 2012 عن «منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية»، 
 
الجزائر في المرتبة 105 من مجموع 175 دولة، من حيث مؤشر الفساد واستشراء الرشوة، 
 
بعيدا عن الجارتين تونس والمغرب، اللّتين صنفتا في المرتبتين 75 و 88 على التوالي. وقد 
 
منحت المنظمة للجزائر 34 نقطة من أصل 100 نقطة، مع الملاحظة أنّ هذا الترتيب لم يتغيّر 
 
منذ 2003، ممّا يوحي باستمرار الفساد وتزايد انتشاره، إذ تطلعنا وسائل الإعلام، وخاصة 
 
المكتوبة منها يوميا، عن فضائح مالية متورّط فيها مسؤولون كبار في الدولة على المستويين 
 
المركزي والمحّلي، والذين حقّقوا تراكمات مالية ضخمة في ظرف قياسي، والأمثلة كثيرة لا 
 
يسع المجال لذكرها هنا.
(14) حسب معلومات أعلنتها مصادر أمنية جزائرية، بفضل «قانون الرحمة» اقتنع نحو 
 
500 فرد بالتخلّي عن العمل المسلّح، من أصل 20 ألفا، وهو تعداد أفراد الجماعات الإسلامية 
 
المسلّحة آنذاك.
(15) قانون استعادة «الوئام المدني» رقم 99-8 المؤرخ في 13 يوليو سنة 1999، الذي 
 
وافق عليه الشعب الجزائري في سبتمبر 1999، أدّى إلى قيام 700 مسلّح بتسليم أنفسهم 
 
وإعادة إدماجهم في المجتمع رغم تحفّظ جمعية «عائلات ضحايا الإرهاب» عن هذا القانون.
(16) حسب الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية، بلغت نسبة التصويت «بنعم» على «ميثاق 
 
السلم والمصالحة الوطنية» 97.36 %.
(17) في مطلع سنة 2000 زادت نسبة المحروقات من الناتج الداخلي الخام، حيث كانت 
 
تمثل في 2008 أكثر من 50%، مقابل 20% في سنة 1988، هذه الزيادة في حصة 
 
المحروقات هي نتيجة ضغوطات الطلب من جهة، والسياسة الاقتصادية الدولية من جهة 
 
أخرى.
(18) أوضح المكتب الوطني للإحصائيات أنّ نسبة التضخم في الجزائر إلى غاية شهر أكتوبر 
 
2012 تقع في حدود 10 %، ومن المنتظر انخفاضها إلى ما دون ذلك على المدى القصير 
 
والمتوسط،  نظرا لأهمية الودائع والاحتياطات المالية في البنك المركزي. 
(19) يمثل القطاع الاقتصادي الطفيلي عبئا على ميزانية الدولة من الضرائب، فهو يشكّل 
 
حوالي 40% من الناتج الداخلي الخام. 
(20) للإشارة، تبلغ نسبة البطالة 73% لدى الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن 30 سنة. 
 
وتشكّل أزمة البطالة أحد أهّم التحدّيات التي تواجه الحكومة الجزائرية، وقد امتدّت في 
 
السنوات الأخيرة إلى قطاع التعليم العالي وذوي الشهادات العلمية من خريجي الجامعات. 
 
حيث يوجد انفصام بين فرص التشغيل وعدد الخرّيجين، هذا ما يوحي بغياب التنسيق بين 
 
القطاع الاقتصادي وقطاعات التعليم العالي والتكوين المهني. 
(21) في سنة 2006، خصصت الجزائر حوالي 20% من ميزانية الدولة لقطاع التربية، 
 
و4,43% من الناتج الداخلي الخام. غير أنّ هذا القطاع لازال يعاني من مشكلة النوعية 
 
والتسرّب المدرسي، والتفاوت بين الكلفة والمردودية. وبحسب إحصائيات «الديوان الوطني 
 
لمحو الأمية وتعليم الكبار تراجعت نسبة الأمية إلى 21.1%، بعد ثلاث سنوات من بدء تنفيذ 
 
الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية التي انطلقت في عام 2007، وتنتهي في سنة 2016.
(22) «الجيل الثالث»: مصطلح استعمله الأستاذ «ناصر جابي»، خلال المحاضرة التي ألقاها 
 
«بنزل السفير» بالجزائر، تحت عنوان: «رهانات الإصلاحات السياسية في الجزائر» في 
 
أغسطس 2011، أمّا «الجيل الأول» فهو حسب اعتقاده، يتكوّن من جيل الثورة المنحدر من 
 
الريف، والذي يقرّر ويقود البلاد، أمّا «الجيل الثاني» فهو جيل ما بعد الثورة المتمدّن، والذي 
 
يسيّر ولا يقرّر. 
 
عن الكاتب : أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية - جامعة الجزائر
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
العدد رقم 52
اكتوبر 2013