انتخابات الرئاسة في الجزائر‏:‏ دراسة في السلوك التصويتي
عصام بن الشيخ*
فاز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الاستحقاقات الرئاسية الرابعة في تاريخ التعددية الديمقراطية في الجزائر والتاسعة منذ نيل الاستقلال والتي شهدتها البلاد يوم الخميس التاسع من أبريل‏2009‏ ليضمن عهدة رئاسية ثالثة في استحقاق بلغت نسبة المشاركة الانتخابية فيه‏74%‏ وفاز فيها المترشح المستقل عبد العزيز بوتفليقة بنسبة‏90%‏ من الأصوات مكتسحا الساحة في ظل ضعف منافسيه الخمسة الآخرين والذين تقدمتهم الس


وبفوزه حصل الرئيس بوتفليقة علي عهدة رئاسية جديدة كان قد سعي جاهدا لفتح طريق شرعية لها عبر التعديل الدستوري الأخير الذي جري في 12 نوفمبر 2008 والذي قيل عنه أنه كان بمثابة ' تعديل دستوري شرعي قانونا لكن عبر أغلبية برلمانية واسعة تمثل أقلية شعبية ساحقة ' ذلك أن نواب البرلمان بغرفتيه الذين صوتوا لصالح تعديل ' دستور 1996' هم أنفسهم حصيلة للانتخابات التشريعية لـ :17 ماي 2007 التي شهدت نسبة مشاركة مفاجئة تقدر بـ :35.65% حيث قام 6.6 مليون ناخب فقط من أصل 20 مليونا بالإدلاء بأصواتهم في تلك الانتخابات التشريعية الخامسة في تاريخ الدولة الجزائرية وهي أدني نسبة مشاركة عرفتها الجزائر منذ نيل الاستقلال جعلت رئيسة حزب العمال السيدة لويزة حنون تصف البرلمان بـ :' الخطر علي الأمة ' فبدل أن تتجه رئاسة الدولة نحو معالجة أسباب هذه النتائج ' الكارثية ' استمر الرئيس بوتفليقة في مسعاه لتعديل الدستور متجها نحو تكرير نفسه علي رأس البفلاد فكان فوزه في هذه الانتخابات متوقعا حيث لم تكن هنالك أية رهانات أو مفاجآت كان بإمكانها أن تقف حائلا دون وصوله إلي هذا الهدف وكانت المفاجأة الوحيدة في هذا الاستحقاق هي نسبة المشاركة الانتخابية المرتفعة حيث لم تتوقع العديد من القوي السياسية أن تتجاوز نسبة المشاركة 20% ورفضوا قبول نسبة 74% المعلنة من طرف وزير الداخلية ومن بين المعترضين علي النتائج عبد الله جاب الله ولويزة حنون ومحمد جهيد يونسي وفوزي رباعين وموسي تواتي .

وبناء علي ما تقدم بالإمكان طرح جملة من التساؤلات حتي نتمكن من فهم ما شهدته الجزائر من أحداث جعلت النظام السياسي يبقي علي نفس النمط السابق السائد من الحكم والذي كانت نتيجته ازدياد الفجوة بين الحاكم والمحكوم في الجزائر بشكل كبير :

هل يدل ارتفاع نسبة المشاركة السياسية للناخب الجزائري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عن ' وعي سياسي ' يعكس تراكم نتائج تجارب الاستحقاقات السابقة علي اعتبار أن الانتخاب هو ' أهم وسيلة للتغيير ' وهل كان توقع عزوف الناخب الجزائري عن التصويت خطأ من قبل المعارضة وهل تخدم نسبة المشاركة الانتخابية المرتفعة للناخب الجزائري موقع الرئيس بوتفليقة نفسه داخل النظام السياسي الجزائري .

وحتي نجيب عن هذه الإشكالية سنورد قراءة لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة وانعكاساتها علي القوي السياسية الجزائرية في الموالاة والمعارضة وما تختلف فيه هذه الانتخابات مقارنة مع سابقاتها خصوصا وأنها رابع تجربة انتخابية حول منصب رئاسة الدولة في ظل التعددية الحزبية في الجزائر منذ سنة 1989 وسنحاول دراسة أسباب توقع المقاطعة الانتخابية من طرف الناخب الجزائري وانعكاسات هذه الظاهرة التي تعبر عن الرغبة الشعبية الملحة في البحث عن التغيير الذي يحلم به المواطن ليصل إلي ما يصبو إليه من سياسات تحل مشكلاته اليومية الصعبة بعيدا عن تلبية طموحاته وآماله وعلي رأسها العيش في ازدهار ورفاه وسلام وأمن واستقرار .

المنافسة علي منصب ' الرئاسة '... بين الحدود الدستورية و المنع المقصود

اعتبرت الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة في الجزائر الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة كأنها ' استفتاء شعبي بأغلبية برلمانية هشة ' موضوعه :' هل تقبل أم ترفض استمرار الرئيس بوتفليقة في الحكم ' والسبب هو العراقيل الكبيرة التي وضعتها وزارة الداخلية في وجه أكبر المنافسين لمرشح النظام باسم ' الشروط الدستورية ' في الاستحقاق الحالي كما الاستحقاقات السابقة حيث حدث ذلك في انتخابات الرئاسة سنة 1999 لمرشح حركة حمس الشيخ الراحل ' محفوظ نحناح ' الذي منع من الترشح للانتخابات بحجة عدم مشاركته في ثورة التحرير وتكرر الموقف مع ' أحمد طالب الإبراهيمي ' في انتخابات سنة 2004 بحجة عدم اكتمال عدد التوقيعات المطلوبة لقبول ترشحه ثم تكرر الموقف مع ' عبد الله جاب الله ' الذي لم يتمكن من المشاركة في انتخابات أبريل 2009 بسبب إقصائه من قيادة حركة الإصلاح الوطني بتواطؤ من وزارة الداخلية إضافة إلي أسباب أخري جعلت حسين آيت أحمد وعلي بن فليس ومولود حمروش وسيد أحمد غزالي ... وغيرهم غير قادرين علي إعادة تجربة الدخول في انتخابات مغلقة ومحسومة النتائج وهو ما يبرر عزوف هذه الشخصيات ذات الأوزان السياسية الثقيلة عن ترشيح نفسها خصوصا الرئيس الأسبق ' ليامين زروال ' الذي رفض لعب دور ' المنافس الكبير ' واستغلاله ' كأرنب سباق ' لمعالجة مشكلة المقاطعة الانتخابية معتبرا في بيانه للشعب الجزائري في 14 من يناير 2009 أنه بالفعل رافض للأوضاع التي تشهدها البلاد خصوصا منها عدم تمكين فئة الشباب من الحصول علي فرص العمل السياسي وهذا يعني أن العزوف السياسي لم يمس فئة الناخبين فقط بل حتي المترشحين للانتخابات الرئاسية أيضا من الشخصيات المهمة والتي كان باستطاعتها منافسة الرئيس بوتفليقة . ومع ذلك فقد صرح الرئيس المترشح أنه لن يقبل انتخابه بنسبة تصويت منخفضة قائلا أن فترة حكمه السابقة للبلاد طوال عشر سنوات كانت كافية بالنسبة له وأنه لن يقبل ' كرسيا مهزوزا ' وقال مخاطبا الشعب الجزائري في خطاب إعلان ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة :' صوتوا حتي لو صوتم ضدي لكن صوتوا '

انتخابات أبريل 2009... خطوة إلي الأمام أم ارتداد إلي الوراء؟

عرفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة مشاركة ستة مترشحين هم : عبد العزيز بوتفليقة ' مترشح حر ' السيدة لويزة حنون ' مرشحة حزب العمال ' علي فوزي رباعين ' مرشح حزب عهد 54' موسي تواتي ' مرشح الجبهة الوطنية الجزائرية ' محمد السعيد ' مترشح حر ' محمد جهيد يونسي مرشح حركة الإصلاح ( الحزب الذي لطالما رشح عبد الله جاب الله سابقا ).

وعكس الانتخابات الرئاسية السابقة لم يكن أمام الناخب الجزائري مترشحون كبار باستطاعتهم منافسة الرئيس بوتفليقة خصوصا وأن ثلاثة من المترشحين يدخلون المنافسة لأول مرة ويتعلق الأمر بالسيد محمد السعيد زعيم حزب ' الحرية والعدالة ' غير المعتمد حتي الآن والمدير السابق للحملة الانتخابية للمترشح أحمد طالب الإبراهيمي في الاستحقاقات الرئاسية لسنة 1999- ومحمد جهيد يونسي مرشح حركة الإصلاح الإسلامية الذي خطف الترشيح لرئيسه السابق عبد الله جاب الله والساعي إلي تزعم التيار الإسلامي المعارض في البلاد و ' موسي تواتي ' مرشح حزب الجبهة الوطنية الجزائرية .

ويمكن أن نلاحظ مسألتين رئيسيتين بخصوص المترشحين المنافسين للرئيس بوتفليقة الأولي هي أن معظم هؤلاء المترشحين غائبون باستمرار عن المشهد السياسي والمواطنون لا يعرفونهم ولا يشاهدونهم سوي مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي كل خمس سنوات هذا الاستحقاق الذي يعد مناسبة مهمة توفر لهم الشهرة والمكاسب المادية كما أن قيام السيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال بأداء دور المعارضة يعتبر موقفا محيرا بالفعل حيث أنها كانت لوقت قريب موافقة علي سياسات الرئيس بوتفليقة قبل أن تنقلب فجأة لتنتقده بشدة في حملتها الانتخابية ودليل انقلاب السيدة حنون هو تصويتها رفقة نواب حزبها في البرلمان بالموافقة علي تعديل الدستور لتسهيل حصول الرئيس علي عهدة رئاسية جديدة وبإمكاننا أن نقدم سؤال مشروعا بهذا الخصوص : كيف ساهمت زعيمة حزب العمال في تسهيل الطريق الدستورية أمام رئيس ستنافسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة وهل كانت النقائص التي تقصدها السيدة حنون في الدستور متعلقة فقط بعدد العهدات الرئاسية المحدودة بعهدتين في دستور .1996

تركزت احتجاجات منافسي بوتفليقة له في هذه الانتخابات حول استغلال أموال الخزينة العمومية في حملة انتخابية مبكرة وتوزيع الريع النفطي علي الولايات لكسب المزيد من الشعبية علي حساب المترشحين الآخرين خصوصا عندما قام الرئيس بإعلان مسح ديون الفلاحين ودفع أجور العمال ورفع منحة طلبة الجامعات قبل الحملة الانتخابية بأيام قليلة واتهم المترشحون الحكومة والرئيس بوتفليقة بعدم العدالة معهم فيما يري بعض المراقبين أن دور هؤلاء المترشحين كان بالأساس لإضفاء طابع المنافسة الحرة علي استحقاق فقد نكهته وسط الجماهير .

وتجدر الإشارة إلي أن المرشحين محمد جهيد يونسي وموسي تواتي قد صرحا أن نتائج الانتخابات ستؤدي إلي دورتين دورة أولي غير حاسمة تليها دورة ثانية ترجح كفة أحد الفائزين بسبب ضعف المشاركة الشعبية في التصويت وهو ما لم يحدث كما كان يتمني الرجلان اللذان لم يحققا الكثير حتي أمام السيدة التروتسكية لويزة حنون .

وكانت نتائج الانتخابات الرئاسية للتاسع من أبريل 2009 والتي راقبتها لجنة من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والإتحاد الأفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي كما هو موضح في الجدول التالي :

ونلاحظ في نتائج هذا الاستحقاق أن الرئيس بوتفليقة قد حصل علي ما يقارب 13 مليون صوت من بين 20 مليون صوتا الإجمالية و 13 مليون صوت أمام ما يقارب 15 مليون من جملة المصوتين وهي تعبر عن أكبر وعاء انتخابي يملكه المترشح بوتفليقة من بين المترشحين الستة ما يطرح التساؤل حول أصوات الوعاء الانتخابي للسيدة لويزة حنون والتي لم تمكنها حتي من تحصيل مليون صوت كما أن نتائج هذه الانتخابات عبرت عن استمرار منطقة القبائل في المقاطعة حيث لم تتجاوز نسبة التصويت في أكبر ولايتين بمنطقة القبائل نسبة 26 تيزي وزو وبجاية رغم كل ما قيل عن الاستقبال الجماهيري غير المسبوق لبوتفليقة في تيزي وزو وغير الوعود بزيادة نسب المشاركة الشعبية في هذا الاستحقاق في القبائل بقيت المنطقة علي ما عرفت عليه من الخصوصية في الانتخابات وكانت نتائج التصويت جد منخفضة .

وقد أكد المراقبون الدوليون المفوضون لمراقبة الانتخابات الرئاسية الجزائرية من طرف الإتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بقيادة جواكيم شيسانو ' رئيس الوفد الأفريقي / رئيس موزمبيق الأسبق ' الشاذلي النفاتي ' رئيس وفد الجامعة العربية ' وسيكير توفان ' رئيس وفد منظمة المؤتمر الإسلامي ' أن الانتخابات كانت شفافة ونزيهة في حين كان الوفد المفوض من طرف أمين عام الأمم المتحدة قد أعد تقريرا سريا عن الانتخابات لصالح الأمين العام بان كي مون دون إبداء موقف معلن عن نتائج الانتخابات وبادر إلي تهنئة الرئيس بوتفليقة كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والملك المغربي محمد السادس وهما أهم موقفين لدولتين تتركز علي رصدهما الخارجية الجزائرية إضافة إلي الموقف الأمريكي المقلق حيث عبرت الخارجية الأمريكية عن قلقها حيال الاتهامات بالتزوير الصادرة عن المترشحين للانتخابات الرئاسية وشرعت في دراسة شكاواهم وهو ما رفضته أحزاب التحالف الرئاسي حيث اعتبرت اتهام منافسي بوتفليقة له بالتزوير تشويشا علي النصر الواضح للرئيس بوتفليقة .

وحتي نجيب علي الإشكالية المحددة في عنوان هذا المبحث حول تطور المسار الديمقراطي في الجزائر أو تراجعه لا بد من قراءة نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة وفيما إذا كانت تضيف مكاسب جديدة للمسار الديمقراطي في الجزائر خصوصا من ناحية المقاطعة الشعبية لها مقارنة مع الاستحقاقات الانتخابية السابقة ويمكن القول أن هذه الانتخابات لا تختلف عن سابقاتها في وجود دور محوري لقيادة المؤسسة العسكرية رغم زعم حيادها في رئاسيات 2004 و 2009 حيث يختار النظام الرئيس المقبل مسبقا من خلال دعمه وتسهيل طريق مروره نحو ضمان الحكم ثم يبحث له عن منافسين غير أن الاستحقاقات الرئاسية السابقة تختلف عن الانتخابات الحالية في ' الروح الانتخابية ' الشعبية ' المفقودة ' ودرجة العزوف الانتخابي المرتفعة بسبب غياب مترشحين أقوياء بإمكانهم منافسة الرئيس بوتفليقة كما حدث في السابق وسنورد ما حدث في الاستحقاقات السابقة لنقارن التغيير الذي تشهده الساحة السياسية الجزائرية اليوم بعد أربع تجارب للانتخابات التعددية في البلاد .

أخطاء الانتخابات التي أفادت الرئيس بوتفليقة :

شارك في الاستحقاق الرئاسي للتاسع من أبريل 2004 ستة مترشحين وكان أشدهم منافسة للرئيس بوتفليقة آنذاك بعد الإقصاء الدستوري لأحمد طالب الإبراهيمي - رئيس الحكومة السابق ' علي بن فليس ' المدير السابق لديوان الرئيس بوتفليقة - ويأتي بعده زعيم حركة الإصلاح الإسلامية ' عبد الله جاب الله ' فكلا الرجلين بن فليس وجاب الله - طمع في مساندة الجيش له ضد الرئيس بوتفليقة الذي لم يحضي بتزكية المؤسسة العسكرية كما حدث في الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 فبن فليس رئيس الحكومة والأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني ظن أن مساندة قائد الأركان السابق الفريق محمد العماري له كافية لفوزه بمنصب الرئاسة وإزاحة صديقه السابق عبد العزيز بوتفليقة خصوصا بعد زيارته المريبة إلي باريس التي سعي فيها إلي الحصول علي المزيد من التأييد له وهو نفس الشعور الذي راود عبد الله جاب الله الذي ذكره الفريق محمد العماري في المؤتمر الصحفي الشهير الذي قال فيه ' أن المؤسسة العسكرية ستنسحب من الساحة السياسية ولن تقف ضد أي من المترشحين وأنها ستمنح الحكم لمن هو قادر علي الحصول علي التأييد الشعبي ولو كان إسلاميا ولو كان عبد الله جاب الله ' كما أعلن حينها عن منع التصويت داخل الثكنات وعودة المؤسسة العسكرية لأداء مهامها الدستورية ما أعطي صورة ملتبسة قدمت أرضية مفخخة قضت علي المستقبل السياسي للرجلين .

كانت نتائج تلك الانتخابات التي شارك فيها 18 مليون ناخب مشاركة 10 ملايين ناخب ومقاطعة 8 ملايين للانتخابات وفاز الرئيس بوتفليقة بنسبة عالية تجاوزت 84 بالمائة وكانت النتائج التي أعلنت عن شفافيتها كل من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وجامعة الدول العربية كما هو موضح في الجدول التالي :

وتجدر الإشارة إلي أن بن فليس وجاب الله وسعيد سعدي قد اتهموا النظام بتضخيم القوائم الانتخابية والتزوير رغم الشهادة الدولية بشفافية تلك الانتخابات وكان للرئيس بوتفليقة موقف واضح تجاه أكبر منافسيه حين قال أنه ' لاعب محترف ' في إشارة إلي عدم تمكن بن فليس من التفوق عليه في الانتخابات وداخل حزب جبهة التحرير الوطني كما راسل الرئيس السيدة لويزة حنون في رسالة شكر قائلا أنها قادت ' أنظف حملة انتخابية ضده '.

كما تجدر الإشارة أيضا إلي تعرض جناح بن فليس إلي الإقصاء والتهميش في حزب جبهة التحرير وفي الساحة السياسية عموما ولم يعترض بن فليس علي السياسة المنتهجة ضد محازبيه الذين ساندوه في صراعه مع جناح عبد العزيز بلخادم المساند للرئيس بوتفليقة داخل الجبهة حيث تم إقصاء جناح بن فليس بوصفهم ' جبهويين مرتدين ' ولم يدافع عنهم علي بن فليس الذي فضل الخروج من المشهد السياسي واستغل بعض السياسيين إقصاء بن فليس من الساحة السياسية للحديث عن الطابع الجهوي الذي كرسه الرئيس بوتفليقة في الحكم حيث أصبحت القطاعات السيادية الهامة كوزارة ( الخارجية الداخلية النفط العدل ) بيد وزراء موالين له ينحدرون من منطقة الغرب وأن منطقة الشرق قد أقصيت بإقصاء بن فليس رغم ما فعله أهل الشرق لإنقاذ الرئيس من محاولة الاغتيال الوحيدة التي تعرض لها في مدينة باتنة . غير أن هذا التحليل الشوفيني لا يجد إطاره الشرعي في ظل اعتماد سياسة الرئيس بوتفليقة علي البعد الوطني المتسق والمتزامن خصوصا سياسة المصالحة الوطنية التي أثبتت نجاحها إذ استطاع الرئيس بوتفليقة أن يجمع العديد من أوراق القوة التي مكنته من أن يصبح لاعبا أساسيا محترفا في النظام السياسي الجزائري ومتسلحا بعد انتخابات أبريل 2004 بدعم شعبي واسع .

مساعي النظام السياسي للتخفيف من حدة الأزمة الدستورية :

شارك في الاستحقاق الرئاسي للتاسع من أبريل 1999 سبعة مترشحين وتعتبر تلك الانتخابات حدثا استثنائيا حيث قرر الرئيس الأسبق ليامين زروال اختصار فترة حكمه والإعلان عن انتخابات رئاسية مسبقة بعد إعلان دستور 1996 وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد حضي بتزكية مؤسسة الجيش وكانت تلك الانتخابات بمثابة صفقة تاريخية مع مرشح المؤسسة العسكرية المكلف بوقف الفتنة واسترجاع السلم المفقود ونتيجة لتلك التزكية قام المترشحون الستة الآخرون بإعلان انسحاب جماعي عشية الانتخابات ردا علي تلك التزكية متهمين النظام السياسي بتزوير الانتخابات وتجدر الإشارة إلي أن تلك الانتخابات قد شهدت إقصاء محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم ' حمس ' وعدم السماح له بخوض غمار المنافسة الانتخابية بحجة عدم مشاركه في ثورة التحرير وكانت نتائج الانتخابات التي شارك فيها 60 بالمائة من الناخبين الذي وصلوا إلي 16 مليون ناخب آنذاك كما هو موضح في الجدول التالي :

المقاطعة الانتخابية ... مأزق للنظام السياسي :

لم تكن المقاطعة الشعبية للانتخابات بالأمر الهين علي الحكومة الجزائرية التي شاهدت الناخبين وهم يختارون البقاء في بيوتهم بدل الذهاب إلي التصويت في الانتخابات التشريعية لسنة 2007 دون قدرة علي التحكم في الوضع ذلك أن حرية الانتخاب مكفولة في الدستور ما يمكن الناخب من ممارسة حق العزوف عن المشاركة السياسية فظاهرة المقاطعة كانت تخص منطقة القبائل دونا عن بقية ولايات ومناطق الجزائر تطورت مع مرور الوقت في الجزائر كلها إلي حالة ' عدم اكتراث الناخب بالعملية السياسية الراهنة وتطوراتها 'Thevoterapathy/L'apathiedeslecteurs ففي الاستحقاقات السابقة تحدث وزير الداخلية يزيد زرهوني عن ثغرة تتراوح بين مليوني إلي ثلاثة ملايين ناخب لم يستطيعوا الإدلاء بأصواتهم بسبب تغيير أماكن اقاماتهم دون شطبها في الإقامات السابقة في إشارة ذكية إلي نجاح الرئيس في مشروع ' مليون سكن ' الذي بدأت ملامحه بالظهور بالفعل علي أرض الواقع وعدم تحميل المسؤولية لوزارة الداخلية التي بذلت كافة الجهود الأمنية والتحسيسية لدفع المواطنين إلي التصويت رغم أن هذه المسألة تحولت إلي أحد أهم الرهانات السلطوية بالنسبة للنظام السياسي .

وكانت بداية المقاطعة الانتخابية في الاستحقاقات التشريعية الرابعة لسنة 2002 والتي بلغت نسبة التصويت فيها 46.17 ثم حدثت مقاطعة للانتخابات المحلية لسنة 2007 وكانت نسبة المشاركة فيها تقدر بـ :44 في المجالس البلدية و 43.47 في المجالس الولائية رغم أن المواطن كان أكثر اهتماما بالمشاركة في الانتخابات المحلية القريبة من واقعه ومشكلاته اليومية منه في الاستحقاقات الوطنية التشريعية والرئاسية وهو ما حدث في الانتخابات التشريعية الخامسة سنة 2007 والتي شهدت مشاركة 24 حزبا و 100 قائمة مستقلة وبلغت نسبة المشاركة الانتخابية فيها 35.5 أي أن 6.6 مليون ناخب فقط قد أدلوا بأصواتهم من بين 20 مليون ناخب وهي أدني نسبة مشاركة للناخبين في الجزائر منذ نيل الاستقلال أي أنها تمثل ثلث نسبة الناخبين ( وأن واحدا فقط من بين ثلاثة جزائريين صوتوا في الانتخابات التشريعية السابقة .

وشيئا فشيئا تحولت المقاطعة إلي مزاج عام سائد في جميع الولايات الجزائرية بعد أن كانت منطقة القبائل وحدها معروفة بالمقاطعة المستمرة للعملية السياسية استجابة لأوامر أكبر حزبين في منطقة القبائلجبهة القوي الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وتجدر الإشارة إلي أن منطقة القبائل قد استقبلت المترشح عبد العزيز بوتفليقة استقبالا حارا وغير مسبوق جعل الرئيس بوتفليقة يعد بحل جميع المشكلات الثقافية التي تؤرق أهل المنطقة كما خاطب رئيس الوزراء أحمد أويحي وهو أمازيغي ينحدر من القبائل الكبري بتيزي وزو - الجمهور القبائلي قائلا :' إلي متي ستظلون في المعارضة لقد آن الأوان لكي تنالوا نصيبكم من التنمية '.

ظاهرة ' مقاطعة الانتخابات 'Boycottdeslections/Electionboycott أضحت تزداد باضطراد لتكبر مثل كرة الثلج من استحقاق إلي آخر لتؤكد برودة وعدم اهتمام الناخبين بما تشهده الساحة السياسية من أحداث أفقدتهم الثقة في العملية الانتخابية ' كوسيلة للتغيير بعدما تردد حول نية الرئيس تكرار التجربة التونسية في البلاد خصوصا وأن الدولة تسير نحو تعزيز الجانب الأمني لضمان نجاح العملية السياسية حيث ازدادت أعداد أعوان الأمن من 12 ألف عون أمن سنة 1999 إلي أكثر من 220 ألفا مع نهاية سنة 2008 وهي نفس القراءة التي وصل إليها الباحث عبد الناصر جابي بخصوص تعزيز الجانب الأمني بالتوازي مع التحضير لبيئة سياسية جزائرية مختلفة تحت إشراف وزارة الداخلية .

ويري الزعيم السابق لحركتي النهضة والإصلاح الشيخ عبد الله جاب الله أن الشعب في حالة ' استقالة جماعية ' و ' يأس شبه تام ' من جدوي التغيير الديمقراطي عبر الانتخاب والسبب حسبه يعود إلي انتشار الفساد الذي لا تعالجه هذه الانتخابات الرئاسية أصلا وبدل ذلك فهي تأخذ الطابع الفلكلوري أكثر من مناقشة المشكلات الحقيقية التي ترهق المجتمع قائلا أن ما زاد من يأس المواطنين هو ' الخطاب العدواني للوزير الأول أحمد أويحي تجاه الجماهير ' متهما إياه بتوفير الأرضية للفاسدين وضرب الخيار الشعبي الراغب في الإصلاح .

أما زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ' سعيد سعدي ' فقد بادر برفع العلم الأسود في مقر حزبه مكان العلم الوطني ' حدادا علي الديمقراطية في البلاد ' وهي الخطوة التي انتقدها بشدة عبد العزيز بلخادم أمين عام حزب جبهة التحرير وأحمد أويحي أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي واللذان اعتبرا أن استبدال العلم الوطني بالعلم الأسود ' جريمة ' في حق أهم رموز الدولة وهي كفيلة بمنع سعدي من العمل السياسي وحل حزبه إلي الأبد كونه أكبر الداعين إلي ' المقاطعة .

كما صرح رئيس الحكومة السابق ' سيد أحمد غزالي ' أنه نفسه - يشعر بعدم اكتراث ولا مبالاة بالاستحقاق الرئاسي مستغربا قيام الرئيس بوتفليقة بتعديل الدستور في نهاية عهدته الرئاسية الثانية وهو ما لا يمكن أن نشهده في أية دولة متقدمة مطلقا قائلا أن ' البلاد تسير نحو الفوضي ' بسبب ما حدث في هذه الاستحقاقات ' معروفة النتائج .

وإذا كانت ظاهرة العزوف السياسي عن الانتخاب تعتبر ظاهرة سلبية بالنسبة للنظم السياسية العربية فهي تعد ' ظاهرة صحية ' في المجتمعات المتطورة كما يري بذلك المفكر السياسي جابريال ألموند لأنها تعبر عن موقف شعبي سياسي رافض للجمود وعدم التغيير وتشكل بداية لتحول مهم قد يؤدي إلي :' عصيان مدني ' شرعي يطالب عبره المواطنون بتقديم بديل سياسي ' وطني ' يدفع باتجاه التغير المطلوب ويعالج مشكلة الانسداد السياسي القائم ويمكن أن نقول أن هناك علاقة واضحة بين الحاكم والمحكوم بإمكانها أن تفضي إلي هذه الحالة المتأزمة من المقاطعة الشعبية ( فكلما زاد مستوي توقع التغيير لدي المحكومين ونقص مستوي الإنجاز من طرف الحاكم كان المحكومون أميل إلي المعارضة والثورة بسبب الفجوة المتشكلة بين الحاكم والمحكوم ) وكما قال الرئيس السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشوف :' عندما تخاطب الجماهير فإنها ستستمع إليك في اليوم الأول والثاني والثالث لكنها في اليوم الرابع ستقول لك : فلتذهب إلي الجحيم '.

ويمكن أن نلخص أسباب العزوف الانتخابي في الجزائر في الأسباب التالية :

1- التعديل الدستوري الأخير الذي قبله نواب البرلمان بغرفتيه بالأغلبية وهو التعديل الذي سبقه رفع أجور النواب شهورا قليلة قبل تعديل الدستور وهو ما اعتبره المراقبون شراء مفضوحا لذمم ممثلي الشعب والغريب أن التعديل جاء في نهاية العهدة الرئاسية وليس في بدايتها كما أن الشعب الجزائري أصبحت لديه مؤاخذات كثيرة علي الرئيس بوتفليقة الذي أقصي العديد من الوجوه السياسية محتكرا الساحة السياسية لنفسه ساعيا إلي الاستمرار والبقاء في الحكم رغم مرضه الذي يقلق الجماهير بالفعل .

2- غياب المنتخبين المحليين في المجالس النيابية حيث تحول من يفترض بهم الدفاع عن الشعب إلي موظفين يمارسون النضال الكلاسيكي داخل أحزابهم الذي يمنع كل نائب ممثل للشعب في المجالس المنتخبة من مخالفة سياسة حزبه وعقيدة جماعته .

3- سوء الأحوال المعيشية لدي الجزائريين كأزمة السكن وغلاء المعيشة الذي يقابله انخفاض القدرة الشرائية للمواطن وزيادة أسعار المواد الاستهلاكية خاصة الحبوب وانعكاسات هذه الحاجات والمسائل اليومية الملحة علي اهتمامات المواطنين .

4- ارتفاع نسبة البطالة والتي تمس فئة كبيرة من الشباب خصوصا الإطارات وخريجو الجامعات الذين تتسابق علي استغلالهم الدول الأوروبية وازدياد تفاقم مشكلة الهجرة غير الشرعية نحو الدول الأوروبية وتفاقم مشكلة الرشوة والفساد والمحسوبية .

5- تشابه برامج المترشحين لمنصب الرئاسة حيث لا توجد فروقات جوهرية مميزة لمترشح ما دون آخر عكس الانتخابات السابقة لسنة 2004 و 1999 والتي شهدت تنوعا في الشخصيات والبرامج الانتخابية .

6- احتكار أحزاب الموالاة ( جبهة التحرير الوطني ' الأفلان ' والتجمع الوطني الديمقراطي ' الأرندي ' وحركة المجتمع الإسلامي ' حمس ') للمشهد السياسي منذ سنوات دون تغيير هذا الواقع حيث تحول الائتلاف الحكومي من وضع استثنائي إلي حقيقة مفروضة في الواقع علي الشعب الجزائري بسبب استمرار العمل بقانون الطوارئ الذي يمنع العديد من الأحزاب السياسية في المعارضة من النشاط السياسي الحر .

7- قصر الحملة الانتخابية وعدم تمكن المواطنين من التواصل مع جميع المترشحين لعدة أسباب أهمها عدم مساواتهم في الإمكانات والقدرات المادية حيث استطاع الرئيس بوتفليقة أن يحصل علي دعم العديد من رجال الأعمال له وهي ظاهرة جديدة لم تعرفها البلاد من قبل - مكنته من إنجاح حملته الانتخابية علي حساب منافسيه .

ومع ازدياد نسبة القاعدة الشعبية المقاطعة للعملية السياسية في الجزائر لا يمكن - بأي حال من الأحوال - لأي حزب سياسي الادعاء بأنه يملك تلك ' القاعدة الجماهيرية ' المقاطعة وإن كانت أبرز الأحزاب التي تطالب بالمقاطعة هي :' جبهة القوي الاشتراكية ' أقوي الأحزاب في منطقة القبائل التي يقطن بها ستة ملايين مواطن لأنها تشكل أقلية شعبية في كافة الأحوال أو ' الجبهة الإسلامية للإنقاذ ' المحلة والتي حضر عليها العمل السياسي ما يمنعها في النهاية من استثمار هذه المقاطعة لصالحها أو حركة النهضة أو حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لذلك لا يمكن القول أن قوة سياسية معينة تمتلك هذه القاعدة الشعبية العريضة المقاطعة للانتخابات لأنها ببساطة منقسمة بين جميع القوي السياسية ولا يجمعها سوي قاسم مشترك هو ' مقاطعة العملية السياسية ' لإيصال موقف شعبي للنظام السياسي وليس الرئيس بوتفليقة .

مشروع المصالحة الوطنية والناخب الجزائري :

لا يزال مشروع المصالحة الوطنية - الذي يشكل امتداد لسياسة الوئام المدني التي جاء بها الرئيس بوتفليقة سنة 1999- مشروعا وطنيا قويا يحضي بتأييد شعبي واسع حيث يعود الفضل لهذه المبادرة في وقف ' الفتنة ' و ' الحرب الأهلية ' والصراع الدموي الذي دار لسنوات فيما أصطلح علي تسميتها في الجزائر بـ :' العشرية السوداء ' غير أن المصالحة الوطنية التي كانت مادة دسمة لكل المترشحين في الانتخابات الأخيرة ( أبريل 2009) لم تعد حدثا رئيسيا يستدعي المزيد من التنازلات والتضحيات من طرف الشعب والأحزاب السياسية لأن ظاهرة الإرهاب أخذت تنحصر بشكل كبير بعد صدور ميثاق المصالحة الوطنية سنة 2007 كما أن الوزير الأول أحمد أويحي ووزير الداخلية يزيد زرهوني أكدا أن الدولة تخوض حربا ضد ' بقايا الإرهاب وأن الإرهاب لم يعد ' الفزاعة ' التي بإمكانها أن تخيف الحكومة وهو أيضا موقف الرئيس بوتفليقة الذي يؤكد مرارا وتكرارا أن الدولة الجزائرية ' هزمت الإرهاب ' وبعيدا عن أكبر العمليات الإرهابية أصبحت قضية المصالحة الوطنية بيد وزارة التضامن التي تتولي تعويض المتضررين عن تلك الحقبة السوداء والمجلس الأعلي لحقوق الإنسان الذي يتولي تسوية الملفات العالقة وتصفيتها بنحو يصحح الصورة ' الخاطئة ' لدي الخارج عن حالة حقوق الإنسان في الجزائر .

وقد أعلن الرئيس بوتفليقة في آخر يوم في الحملة الانتخابية بأنه يفكر في ' تطوير ' مشروع المصالحة الوطنية إلي ' عفو شامل ' يقدم في ' استفتاء شعبي ' يقرر فيه الشعب الجزائري غلق ملف ' المأساة الوطنية ' الذي طال أمده والانطلاق نحو مستقبل البناء في الجزائر يأتي هذا الإعلان ردا علي الدعوة التي قدمها عبد المالك درودكال المكني بلقب ( أبو مصعب عبد الودود ) زعيم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الذي دعي الجزائريين إلي مقاطعة الانتخابات الرئاسية قائلا أن التغيير لن يأتي عبر صناديق الاقتراع )23( ويأتي هذا التصريح عقب الضربات الموجعة التي تلقاها تنظيم درودكال الآيل إلي الانهيار مع مرور الوقت حيث أعلن الرئيس بوتفليقة أن قوات الأمن لن تتوقف عن محاربة ظاهرة الإرهاب إلي أن تنتهي الفتنة في الجزائر .

الخريطة الحزبية في الجزائر بعد الانتخابات :

تنقسم الأحزاب السياسية بشكل واضح بين خياري الموالاة والمعارضة لسياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كرس بشكل أو بآخر ' لواحدية ' جديدة في عصر التعددية الحزبية والسبب هو ظاهرة ' التحالف الرئاسي التي تحولت من طارئ سياسي لضمان الوحدة الوطنية إلي واقع يفرض نفسه مع مرور الوقت ووسيلة لإقصاء العديد من القوي السياسية الوطنية وإضعافها وخير دليل علي ذلك تصريح ' عبد الرحمان بلعياط ' أحد أبرز قياديي حزب جبهة التحرير الوطني بأن ' الأفلان ' لن يكرر تجربة العودة إلي المعارضة كما حصل في عهد الأمين العام السابق للحزب السيد عبد الحميد مهري في حين صور بعض المناضلين في جبهة التحرير أن مستقبل ' الأفلان ' مرهون بفوز الرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية وأن الجبهة ستنتهي إذا لم يفز الرئيس بوتفليقة بالحكم .

أما حزب التجمع الوطني الديمقراطي ' الأرندي ' برئاسة الوزير الأول ' أحمد أويحي ' فهو الحزب الذي لا يختلف اثنان في الجزائر علي أنه الحزب الأكثر جهوزية لخدمة النظام والبقاء في السلطة مهما كانت أجواء الحياة السياسية . أما ' حركة مجتمع السلم '' حمس ' فهي تعتبر أكثر الأحزاب الإسلامية قدرة علي التكيف مع النظام السياسي حيث صرح أمين عام الحزب ' أبو جرة سلطاني ' أن استمرار وجود حركة حمس في السلطة مكنها من النفوذ إلي الملفات الكبري في الدولة الجزائرية والتي لم يكن بالإمكان الوصول إليها قبل دخولها الموالاة قائلا ' أنه يجدر بالحزب الذي لا يسعي للوصول إلي الحكم أن يحل نفسه ' واعتبر أن حزبه يمتلك إستراتيجية واضحة للوصول إلي الحكم رغم أنه الآن جزء من الائتلاف الوطني الحكومي ' التحالف الرئاسي ' المساند للرئيس عبد العزيز بوتفليقة .

وهكذا تحولت أحزاب التحالف ( جبهة التحرير الوطني ' الأفلان ' والتجمع الوطني الديمقراطي ' الأرندي ' وحركة المجتمع الإسلامي ' حمس ') إلي شركاء دائمين للنظام السياسي بعد تجربة تجاوزت العشر سنوات وغدت أحزابا ترفض الخروج من الموالاة وترك الحكم نحو المعارضة كما أصبح التحالف الرئاسي قوة الموالاة المانعة لدخول المزيد من الأحزاب في الحكومة وتحول التحالف الرئاسي مع مرور الزمن إلي وسيلة أساسية لإقصاء كافة الأحزاب المنافسة سواء كانت أحزابا وطنية أو ديمقراطية أو إسلامية كحزب ' جبهة القوي الاشتراكية ' بقيادة حسين آيت أحمد و ' التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ' بقيادة سعيد سعدي أو حزب ' الجبهة الإسلامية للإنقاذ ' المحضور ومعه حركتي ' الإصلاح ' و ' النهضة ' اللتان رأسهما سابقا الزعيم المقصي ' سعد عبد الله جاب الله ' أو حزب العمال بقيادة السيدة ' لويزة حنون ' بعيدا عما يقال عن تجربة حزب العمال الدائر في فلك النظام السياسي - رغم التأكيد الدائم من السيدة حنون رفضها الدخول في الحكومة كما أن الراغبين في المشاركة في الحكم كجناح ' جهيد يونسي ' مرشح حركة الإصلاح أو ' سعيد سعدي ' زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد وجدوا رفضا صريحا من النظام لدمجهما في الحكم حيث لا تتوفر بيئة قبولها كبدائل سياسية لتتكيف مع النظام السياسي نظرا لما توفره أحزاب ' التحالف الرئاسي ' ذات الأوزان الشعبية الكبري للنظام السياسي .

لقد حصل الرئيس بوتفليقة علي الدعم الشعبي الكافي لكي يحكم البلاد باسم الشعب الجزائري علي كرسي ' ثابت ' كما طلب من الشعب - عبرت عنه نسبة 90 بالمائة من الناخبين الذين وصلوا إلي 15 مليون ناخب الذين وضعوا ثقتهم فيه وتمكن الرئيس من التفوق علي منافسه الأكبر ' المقاطعة الشعبية للانتخابات ' والملاحظ أن الصعوبات الداخلية كانت أكبر في استحقاق أبريل 2009 منها في استحقاق 2004 الذي كان فيه لفرنسا والولايات المتحدة أمريكية دور كبير في عرقلة الرئيس بوتفليقة عبر دعم المعارضة ومنافسي بوتفليقة وبالتحديد علي بن فليس الغائب من المشهد السياسي اليوم ففي الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة تأكدت قوة الرئيس بوتفليقة أمام منافسيه رغم كل ما قد يقال عن تضخيم نسبة التصويت حيث ثبت أن نسب العزوف التي كانت متوقعة قبل الانتخابات لم تكن واقعية وأن الشعب الجزائري لا زال يضع المشاركة في اختيار صاحب كرسي الرئاسة من أهم المواعيد المصيرية بالنسبة له رغم عزوفه المفاجئ عن المشاركة في الانتخابات التشريعية الخامسة سنة 2007.

تنتظر الرئيس بوتفليقة بعد فوزه بالرئاسة العديد من الملفات الكبري أهمها الملف الاجتماعي الشائك الذي يملك الرئيس لحله احتياطي صرف تجاوز 140 مليار دولار فالناخب الجزائري قرر المشاركة في الاستحقاق الأخير والقفز علي ما يقلقه من هموم وانشغالات يومية ليمكن الرئيس بوتفليقة من الحصول علي ورقة ضغط قوية وهي ' الدعم الشعبي ' لتمنحه القوة التي تمكنه من التموقع الجيد في النظام الجزائري حيث لا يزال قادة المؤسسة العسكرية يراقبون العملية السياسية بحذر تجنبا لأية انزلاقات قد تضر الدولة في ظل توقع المزيد من الضغط من قبل المعارضة وهذا الدور يجعل الرئيس مضطرا إلي الحفاظ علي المكاسب السياسية التي حققها من خلال مبادرة المصالحة الوطنية التي وعد بتطويرها إلي عفو شامل قد يجعله يتعاطي مع الإسلاميين والعسكر لتحديد قواعد جديدة للعبة السياسية المرتقبة مستقبلا .

باحــــث جـــــزائــري