التوظيف السياسي والاجتماعي لقضايا حقوق الإنسان
د.خالد مصطفى فهمي
مقدمة ساعد التطور التكنولوجي لوسائل الإعلام في ظهور شبكة الانترنت ، والتي أحدثت بسرعة وسهولة تواصل بين الأشخاص في كافة أنحاء المعمورة ، مما جعل الفقهاء يطلقون على عالمنا المعاصر أنه قرية كونية صغيرة ، حيث تصل المعلومة من وإلى الكثير من مناطق العالم بسرعة ويسر وذلك ؛ على الرغم من البعد الجغرافي الذي يفصل بينهم ، فقد أدى التغيير والتطور الهائل في عالم الاتصالات إلى نقل كم هائل من المعلومات في وقت بسيط ، و

ولاشك أن المشرع المصري قد شعر بأهمية استغلال هذا التطور الحديث في تكنولوجيا المعلومات فقام بمسايرة الدول الكبرى ، والتي تقوم باستغلال هذا التطور في تحديث التجارة العالمية ، فأصدر المشرع المصري قانون للتوقيع الالكتروني رقم 15 لسنة 2004 والذي يعد من أهم المستحدثات في عصر المعلوماتية ، وقد جاء نتيجة طبيعية للبحث المتواصل بين فقهاء القانون ورجال التقنية العلمية الحديثة لحل مشكلة الإثبات في مجال التعاقد عبر شبكة الانترنت ، كما أدت الاختراعات الحديثة إلى السعى نحو إنشاء مجتمع جديد - مجتمع بلا أوراق "Une societe sans papier paperless      society cashless society" ، ومن ثم أصبح في الإمكان تحرير العقود وتدوينها من خلال الوسائط الالكترونية ، وبدون اتصال فعلى ومباشر بين أطراف التعاقد ، وقد نتج عن ذلك التوسع في مجالات العمل بالتوقيع الالكتروني وخاصة الحكومة الالكترونية والتجارة الالكترونية ، وتنظيم إثبات التصرفات التي يتم إبرامها عن طريق الانترنت أو غيره من وسائل الاتصال لمواجهة مقتضيات هذا العصر والقدرة على الربط بين أطراف العقد .
ولما كانت حقوق الإنسان في عصرنا الحالي هي الشغل الشاغل للكثير من المنظمات والدول في محاولة لضمان حقوق متساوية لكل الأشخاص وتنمية ثقافة حقوق الإنسان بين الشعوب ، فقد تلاقت مبادئ حقوق الإنسان مع وسيلة الاتصال الحديثة المتمثلة في الانترنت من أجل تعزيز حقوق الإنسان من خلال شبكة الانترنت.

العلاقة بين حقوق الإنسان والإنترنت

أولا : ماهية حقوق الإنسان
خلق المولي عز وجل الإنسان ، وجعل منه سيداً على الكائنات في هذا الكون الهائل الممتد الواسع بين كافة الخلائق ، ولا جرم أن يكون الإنسان سيد تلك المخلوقات التي سخرها له العزيز الجبار ليحقق له الحياة الكريمة في هذا المجتمع المترامي الأطراف بانسجام واستقرار ، ويتيح له سبحانه وتعالي كافة وسائل الحياة اللازمة لاستمرار حياته ، وييسر له الظروف المعيشية ، وما يتفق وطبيعة الأشياء ، وما يتفق كذلك وما يمنحه الخالق في هذه الأرض لعباده ، فيقول تعالى : « ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير».
وقد منح الخالق عز وجل هذا الإنسان حقوقاً طبيعية لصيقة بشخصه لمجرد كونه إنساناً ، أي بشراً ، وبصرف النظر عن جنسيته وديانته وأصله العرقي أو القومي ، أو وصفه الاجتماعي أو الاقتصادي . منحت إياه هذه الحقوق حتى قبل أن ينضم لعضوية مجتمع معين ، وتعد هذه الحرية أعز ما يملك الإنسان في حياته ، يدافع عنها بكل ما يملك من أجل استقرار حياته في طمأنينة ، ويطلق عليها حقوق الإنسان لا تباع ولا تشتري ولا يتنازل عنها الإنسان لأحد فهي خاصة بشخصه تولد معه ، وتنتهي بوفاته .
وشجرة حقوق الإنسان وحرياته كبيرة ومتشعبة سواء كانت حقوقاً مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية . وتحتل الحقوق والحريات العامة على مر العصور منزلة رفيعة في أفئدة البشر ، لكونها ضرورية وحيوية لا يتحقق للإنسان بدونها حياة إنسانية تتضمنها كرامة وعزة نفس .
وقد اعتبر القضاء الحرية الشخصية هي ملك الحياة الإنسانية كلها لا تخلقها الشرائع بل تنظمها ، ولا توجدها القوانين بل توفق بين شتي مناحيها ومختلف توجهاتها تحقيقاً للخير المشترك للجماعة ولرعاية الصالح العام فهي لا تتقبل من القيود إلا ما كان هدفاً إلى هذه الغاية مستوحيا تلك الأغراض.
وقد أصبحت حماية حقوق الإنسان ركيزة أساسية في النظم السياسية ، وأصبحت الدول تضع من ضمن أولوياتها أثناء كتابة الدساتير أن تنظم حقوق الإنسان من خلالها ، وقد أوضحت المحكمة الدستورية حين عرفت دولة القانون فقالت أنها : الدولة التي يتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته ولتنظيم السلطة وممارستها في إطار من المشروعية وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم وحداً لكل سلطة ورادعاً ضد العدوان .

ويترتب على كفالة الحقوق والحريات تدعيم قدرة النظام السياسي على التعبير عن الكيان الاجتماعي بشكل عادل وضمان تطور المجتمع نحو غايته القومية من خلال تطور سلمي ينظمه القانون ، وتؤكده الممارسات العلمية السليمة ، وتوقي الحماية الوطنية للحقوق والحريات العامة للإنسان.

وتعتبر حقوق وحريات الإنسان وليدة اجتماع العديد من العوامل والعناصر والقيم الحضارية والدينية والبيئية المعبرة عن فلسفة العصر والروح السائدة فيه ، حيث بدأت هذه الحقوق والحريات أول عهدها بصورة فردية مطلقة فى المجالين السياسى والمدنى مؤسسة على دعامتى الحرية والمساواة ، وما لبثت بعد حقبة زمنية أن ظهر عدم كفايتها لتلبية احتياجات الإنسان وحمايته من الاعتداء على حقوقه الطبيعية بواسطة السلطات الحاكمة أو أقرانه ، الأمر الذى أدى إلى ظهور طائفة من الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمنتها مواثيق الدول وإعلانات الحقوق المبرمة بينها لتتجه بذلك نحو الطابع الاجتماعي المميز لها،  فانتهى بها الأمر إلى تبنى صيغة جماعية أو طائفية لتلك الحقوق والحريات تستند إلى فكرة التضامن والمحافظة على البقاء والسلامة بين البشر.

ويتمتع الإنسان بطائفة طبيعية ومتساوية من الحقوق والحريات اللصيقة بآدميته والنابعة من كونه إنسانا ، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولكن لحياته حقوق ملتصقة بشخصيته وملازمة لها ، والتسليم بتلك الحقيقة التى لا نزاع عليها يدفعنا إلى التسليم منطقياً بما للشرائع الإلهية عامة والشريعة الإسلامية بصفة خاصة من فضل السبق فى إقرار تلك الحقوق والحريات ووضع الضمانات الأساسية الكفيلة بحمايتها ووقايتها ضد أخطار الاعتداء عليها وانتهاكها ، وذلك قبل تصدى الشرائع الوضعية لتلك المهمة من عدة قرون .

وتنفرد النظرية الإسلامية للحقوق والحريات عما يقابلها من نظريات وضعية بتوفير الحلول المحققة لكافة المصالح والمنافع المتقابلة والمتداخلة للأطراف المعنيين فى ثوب من المثالية الكاملة التى لا يرقى إليها أو يصل إلى مداركها أى إبداع إنساني من صنع البشر والقابلة فى الوقت ذاته للتطبيق الواقعي العملي فى المجتمع الإنساني العالمي .

ويعتبر الفرد هو محور القانون والتشريعات تسعى فى تنظيماتها إلى حمايته ، وتحقيق مصالحه التى تمثل مجموعة مصالح المجتمع ككل،  وبحيث يكون من السهل إقامة نوع من التوازن العادل بين هاتين المصلحتين ، وارتبطت حقوق الإنسان بكافة القوانين الوضعية ، وكذلك بالقانون الدولي وأصبحت أحد فروع ومباحث هذا القانون .

وقد ظهرت الحاجة إلى انتقال حقوق الإنسان من مجال القانون الداخلى بعد تغيير المفاهيم التقليدية وتحولها إلى مجال القانون الدولى الذى لم يعد تقتصر حقوق الإنسان فيه على مصطلح العلاقات بين الدول فقط  Relations interetatiques ، وإنما أصبح يمثل قانوناً دولياً لحقوق الإنسان ليس قائماً على العلاقات والتنسيق بين الدول ، وإنما أساسه الحماية والضمان وليس الإخضاع ، وأظهر ذلك وجود قصور فى القوانين الداخلية فى حمايته ، وقد أظهرت التجربة أنه بالرغم من تنظيم الدساتير والقوانين الداخلية لحقوق الإنسان إلا أنها أهدرتها إما بأفعال مادية مخالفة أو من خلال إصدار قوانين تنتهكها.

وكما يقول البعض  فإن كرامة الإنسان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياته الخاصة حيث إنها قطعة غالية وعزيزة من كيان الإنسان ، ولا يمكن انتزاعها منه وإلا تحول إلى أداة حماية عاجزة وصماء خالية من القدرة على الإبداع الإنساني ، ومن ثم فإن حماية الحق فى الحياة الخاصة تشكل أهمية كبيرة داخل المجتمع ، وبالتالي فالعدوان وانتهاك هذا الحق يشكل وبشكل مباشر تعدى على كرامة الإنسان ، ومن هنا ظهرت أهمية كفالة كرامته وآدميته والتى تسعى الأنظمة القانونية والاتفاقيات الدولية إلى حمايتها ، وهكذا ظهرت أهمية احترام وحماية الحياة الخاصة وارتباطها الدقيق بكرامة الإنسان ومدى تأثيرها على قدرته على الإبداع والابتكار .

ثانيا : دور وسائل الإعلام في تعزيز حرية الرأي والتعبير في إطار المعاهدات الدولية

ولأن حرية الرأي والتعبير من أهم حقوق الإنسان لأنها تعبر عن حقيقة الإنسان ، فهو المتحدث عن شخصه والمعبر عن ذاته وعن مجتمعه ، فقد أقرتها منظومة حقوق الإنسان وصدقت عليها المعاهدات والمواثيق الدولية . وينصرف مفهوم الإعلام الذي يعبر عن الإنسان من خلال المنابر الحقيقية المتحدثة عن الإنسان والناقلة له كل ما يدور حوله إلى أنها عبارة عن نقل الأخبار والمعلومات التي تهم الجمهور في معين يهدف إلى مساعدتهم على تكوين رأي سليم عن واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات أو قضية من القضايا بحيث يعتبر هذا الرأي تعبيراً موضوعياً عن عقل الجماهير وميولها واتجاهاتها ، ويري البعض أنه التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها.

وقد أكدت الأمم المتحدة على التفاعل الدائم بين وسائل الإعلام والمنظمة ذاتها لمنح البشر حقوقهم الأساسية ، حيث ورد في قرارها رقم 45/76 في 11/12/1990 أن الإعلام يجب أن يعمل على خدمة البشرية ، وأن يتعاون أعضاء المنظمة لتمكين وسائل الإعلام في تحقيق رسالتها ، والاتصال الدائم بالشعوب في حرية واستقلال من أجل تدفق المعلومات في سهولة ويسر ، وتعزيز قدرات الدول النامية في مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وتحسين الهياكل الأساسية لوسائط الإعلام.

ولما كانت المعاهدات الدولية قد أكدت على تعظيم حرية الرأي والتعبير وخاصة عبر وسائل الإعلام ومنها الانترنت بداية من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن في 26/8/1789 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10/12/1948 وكافة العهود والاتفاقيات التالية لهما ، وانتهاءاً بما أشار إليه البرلمان الأوربي فقد صدر عن البرلمان الأوربي في الثلاثاء 6 يوليو 2006 قرار حول حرية الرأي والتعبير على الانترنت ، وتحدث عن أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم واضعاً في الاعتبار المبادرة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان ،  European Initiative for Democracy and Human Rights   ، يشار إلى أنه قد سبق وأن أصدر البرلمان الأوربي قراراً بعدم جواز الحصول على إخطار سابق لإنشاء خدمات ومواقع على الانترنت .

وحقيقة الأمر أن طبيعة الإعلام الالكتروني قد ساعدت الفرد على التمتع بحرية كبيرة تفوق حريته في التعبير بواسطة الإعلام المقروء أو الإعلام المرئي أو المسموع ، ولما كان الإعلام الالكتروني لا يخضع لهيمنة سلطة حكومية أو إدارة تهيمن على شئونه ، وتراقب المعلومات المتدفقة فيه فتنتقي الصالح وتلفظ غير ذلك فإن مجال العمل والتعبير وتفعيل القدرات كبير في هذه الوسيلة الإعلامية الخطيرة ، وفي إطار الحفاظ على حرية الرأي والتعبير وحرية الانترنت والتي اعتبرتها الكثير من التشريعات الدولية أنها أساس نجاحه، وقد صدرت العديد من الإعلانات الدولية لحمايتها.

فقد أصدرت منظمة اليونسكو بتاريخ 28/11/1978 الإعلان الدولي بشأن المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام فى دعم السلام والتفاهم الدولي ، وتعزيز حقوق الإنسان حيث يؤكد هذا الإعلان على ما يلى :
1ـ تنص المادة الأولى على تداول المعلومات بحرية ونشرها على نحو أوسع.
2ـ تنص المادة الثانية على ضمان حصول الجمهور على المعلومات عن طريق تنوع مصادر ووسائل الإعلام ، كما نص على ضرورة أن يتمتع الصحفيون، وغيرهم من العاملين فى وسائل الإعلام ممن يمارسون أنشطتهم فى بلادهم، أو فى خارجها بحماية تكفــل لهـم أفضل الظروف لممارسة مهنتهم.
3ـ تنص المادة العاشرة على تشجيع التداول الحر للمعلومات ونشرها فى نطاق أوسع وأكثر توازناً .

وكذلك ينص الإعلان على ضرورة الحصول على المعلومات فهي حق أساسي للصحفي ، ومن حق كل مواطن أيضاً استقاء تلك المعلومات سواء بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة ، فهنا ينشأ التوازن بين حق الصحفي في الحصول على المعلومات ومن ثم نشرها للكافة ، وحق الجمهور فى الإعلام وفي الحصول على المعلومات من مصادرها.

وباستعراض المبادئ التي تضمنها الإعلان بشأن المبادئ الأساسية مثل إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الإنسان ، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري والتحريض على الحرب ، نجد أنه وضع ضمانات لحرية وسائل الإعلام ، حيث نص الإعلان بشكل صريح على حرية الرأي والتعبير ، وحرية وسائل الإعلام كإحدى حقوق الإنسان الأساسية ، وعلى دورها الأساسي والجوهري في دعم السلام والتفاهم الدولي.

 وكذلك على حق الجمهور في الحصول على المعلومات عن طريق وسائل الإعلام المتوفرة والمهيأة له ، وهذا التنوع في وسائل الإعلام هام حتى يتأكد الأفراد من صحة المعلومات التي يحصلون عليها من وسائل الإعلام المختلفة والمتعددة ، وحتى يكون هذا الأمر متاح للأفراد ، فلابد من عدم وضع قيود مجحفة على حرية الرأي والتعبير وحرية الحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية .

وتضمن الإعلان أمر في غاية الأهمية هو : توفير الحصانة والحماية لوسائل الإعلام حتى يكون هناك إعلام حر يمارس نشاطه في ظل حماية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي ، ونص الإعلان على أمر جوهري يجب أن يتمتع به الإعلام وهو الموضوعية الإعلامية ، واحترام حرية الرأي والتعبير، وضرورة أخذ آراء الآخرين بكل الوسائل الإعلامية للمساهمة في دعم السلام والأمن الدولي وحماية حقوق الإنسان ، وهذا النص هام وضروري ويشكل حد أدنى من الضمانات لحماية حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومات وتدفقها لوسائل الإعلام.

ويقع على وسائل الإعلام العبء الأكبر في نشر ثقافة حقوق الإنسان على الانترنت داخل المجتمع من خلال تعريف المواطن بحقوقه وواجباته ، إذ أن وسائل الإعلام مرتبطة بوسائل الاتصال وعليها تعريف الجمهور بالحقائق والمعلومات وتوضيح المفاهيم من خلال نشر الرسائل عبر كافة الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق هدف الانتشار والتوسع في نشر ثقافة حقوق الإنسان انطلاقاً من حظر وقوع أية انتهاكات على المواطن وعدم حدوث أي تقليص لدور الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه .

وفي هذا الإطار تشير الدراسات الحديثة التي تناولت دور الإعلام في نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى ضرورة التوظيف السياسي للإعلام لخدمة قضايا حقوق الإنسان وبشكل يحقق مصلحة الفئات المهمشة مثل النساء والمعاقين وذوى الاحتياجات الخاصة لأنه في ظل ثقافة الديمقراطية ومفهوم النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان وعدم وجود سياسة واضحة لنشر هذه الثقافة تظل ثقافة النوع الاجتماعي مجهلة لدى عموم الناس .

ثالثا : الإنترنت كأحدث آليات العمل الإعلامي
أدى التلاقي الخصب لتقنيات المعلومات مع الإعلام والاتصال إلى إحداث ثورة حقيقية عرفت بالثورة المعلوماتية (information revolution) ، وبفضل ثورة الاتصالات والمعلومات أصبحنا نسبح في عالم الكتروني معلوماتي داخل قرية كونية صغيرة وأصبح بإمكان كل إنسان الانتقال من مكان لآخر دون انتقال بالجسد ، ولكن من خلال هذه الشبكة الكونية المعلوماتية فقد أطلقت إعصار من المعلومات ينتشر في كل مكان .
ماهية الانترنت : تعتبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) ثورة علمية فريدة من نوعها وإنتاج إنساني لا مثيل له وأحد مظاهر التطور التكنولوجي للحضارة الحديثة الذي يساهم الآن ، ومستقبلاً في كتابة تاريخ جديد للبحث العلمي ، والاتصال البشري فهو شبكة عالمية تتعدى الحدود الجغرافية وتتجاوز الخلافات العقائدية والفلسفية والعنصرية وتؤدى إلى اختصار المسافات وتوفير الوقت والجهد.

وقد بزغ نجم الانترنت فجأة باعتباره شبكة الشبكات ويبدو أنه ليس من المنتظر أفول هذا النجم بل أصبح يتطور وتنتشر خدماته كل يوم ، ويعد الانترنت من الآليات المستحدثة للمشاركة السياسية ، حيث ساهم الإنترنت بصورة كبيرة ومؤثرة في الكثير من النظم بما فيها مصر في توسيع نطاق حرية التعبير لدى الأفراد ، وكسر احتكار المؤسسات الرسمية لقنوات الاتصال . كما أدى إلي زيادة درجة الشفافية في العملية السياسية ، فجانب كبير من أقوال وتصرفات وأعمال المسئولين والقائمين علي العملية السياسية يجد طريقة للنشر علي الانترنت ، كما أصبح الانترنت أحد الأدوات الرقابية التي تكشف المخالفات والتصرفات الخاطئة ، ليست فقط من خلال المادة المكتوبة ولكن أيضا من خلال المادة المصورة ، والتي تستخدم أدوات بسيطة في التقاطها مثل كاميرات التليفون المحمول.

ووفقا لتصريحات المفوضة فيفيان ريدنج – عضو اللجنة الأوروبية المسئولة عن مجتمع المعلومات ووسائل الإعلام في فاعليات جائزة القمة العالمية للشباب 2009 ، والتي أوضحت فيها أهمية الانترنت للشباب فقد أكدت أن : "شباب اليوم ولد في العصر الرقمي، وهم مواطنون للعالم الإلكتروني. هم تأقلموا علي التكنولوجيا بسرعة كبيرة ، هم يعبرون عن أنفسهم ويظهرون قدراتهم الإبداعية من خلال شبكة الإنترنت ، مواقع الشبكات الاجتماعية والتكنولوجيا المتنقلة . وأعتقد أنه من خلال شبكة الإنترنت ، المواطنين الشباب يمكنهم أن يقدموا مساهمات ملموسة ومبتكرة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية."

فالشباب هم أكبر شريحة تستخدم الإنترنت كمصدر للمعلومات لأنها أرخص وأسرع أداة في متناول أيديهم ، والتطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلق فرص كثيرة للشباب اليوم ليتشارك في العديد من الأنشطة المدنية وغيرها ، وأصبح أكثر تعرفاً وبشكل أوسع على القضايا الوطنية الحالية الإقليمية والعالمية.
وقد صدر عن الأمم المتحدة إعلان المبادئ الصادر عن القمة العالمية لمجتمع المعلومات في 12/12/2003 والذي نص على أنه : اعترافاً بأن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تغير طريقة عملنا تغييراً مضطرداً ، فمن الأمور الأساسية توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة وصحية وملائمة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وتحترم المعايير الدولية ذات الصلة. وقد ذكر الإعلان أيضا أنه : قد تطورت شبكة الإنترنت لتصبح مرفقاً عالمياً متاحاً للعامة ، وينبغي أن تشكل إدارتها قضية مركزية في جدول أعمال مجتمع المعلومات . وينبغي أن تكون الإدارة الدولية للإنترنت متعددة الأطراف وشفافة وديمقراطية ، وبمشاركة كاملة من الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية . ويجب أن تكفل توزيعاً منصفاً للموارد وأن تيسر النفاذ أمام الجميع وأن تكفل تشغيلاً مستقراً وآمناً للإنترنت مع مراعاة اعتبار تعدد اللغات.

نوافذ الانترنت : يقف حاليًا النشطاء الإلكترونيون والمدونون ، إلى جانب المشتركين في  المواقع الاجتماعية  الإخبارية  وراء العمل السياسي في كثير من أنحاء العالم ، حيث تعتبر المدونات ، موقع تويتر ، موقع الفيس بوك ، موقع اليوتيوب ، من المواقع التي لها دور كبير في التحول السياسي والاجتماعي من حيث التوعية أو الدعوة  وكسب التأييد  ، ويعد ذلك من أهم آليات تجميع الشباب ومشاركتهم وتفاعلهم حالياً.

[1] موقع الفيس بوك (Face book) : هو شبكة اجتماعية ضخمة على الإنترنت. ومن الجدير بالذكر هنا أن ظاهرة الفيس بوك انتشرت غالبًا بين الشباب بشكل كبير. ويعُد حاليًا واحدً من أكثر 10 مواقع على الإنترنت تشهد إقبالاً من المستخدمين ، أما في مصر فيأتي موقع الفيس بوك في المركز الثالث بعد موقعي جوجل وياهو.

وقد أطلق هذا الموقع شخص يدعي مارك زوكربيرغ وزملاؤه في فبراير من عام 2004، كمجرد موقع إلكتروني للتواصل والتعارف بفضاء الإنترنت الافتراضي ، إلا أنه قد تحول لموقع اتصال وتنظيم وآلة إعلامية . وتنامي استخدام الموقع في الوطن العربي بدرجة مذهلة ، وخلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 برز دور موقع «فيس بوك» على سطح الأحداث في عدة محاور، إذ أنه كان إحدى أدوات الاتصال الرئيسية بين المتظاهرين ، مع موقع «تويتر» حيث استخدموه لبث دعواتهم للتظاهر، إضافة إلى التنسيق بين المجموعات وتحديد أماكن بداية الفعاليات.

وقد ظهرت من خلال الفيس بوك ما تسمي بحركة شباب 6 ابريل 2008 ، وحركة شباب 6 أبريل هي حركة سياسية مصرية معارضة ظهرت فى 2008 أنشأها الشباب المصري ، وظهرت في الساحة السياسية عقب الإضراب العام الذي شهدته مصر في 6 أبريل 2008 بدعوة من عمال غزل المحلة ، وتضامنت القوى السياسية فتبناه الشباب وبدؤوا في الدعوة إليه كإضراب عام لشعب مصر. وباستخدام الانترنت استطاع منظمو الحركة نشر فكرتهم على نطاق واسع وتجميع أكبر عدد من الأعضاء والتواصل المستمر بينهم.

كما ظهر أيضا من خلال الفيس بوك جروب حركة العدالة والتنمية في مصر2008 ، وأهم ما دعت إليه هذه الحركة هو الإقلاع عن كل الأساليب القديمة التي فشلت ، وأن يتم الاعتماد على أساليب جديدة مرتكزة علي معطيات وجود مصر عبر التاريخ رافضين ضغوط القوي الحاكمة والدول الغنية . وتقوم هذه الدعوة علي التقاليد المصرية السائدة من وحدة مقدسة بين المصريين ورفض التفرقة بينهم .

كما ظهر أيضا من خلال الفيس بوك جروب حركة البديل الشعبية 2009 ، وهي حركة مصرية قرر منظموها أنها تهتم بكل هموم ومشاكل المصريين . ويعلنون فيه أهدافها ومنها تعزيز المواطنة وحرية العقيدة الدينية واحترام الكرامة الإنسانية وتعزيز الشفافية والمحاسبة وضمان انتخابات صحيحة نزيهة , حماية البيئة والمحافظة على الرقعة الزراعية ومحاربة الفقر ومنع الاحتكار.
 
كما ظهرت أيضا من خلال الفيس بوك حركة تسمي كلنا مصريين 2009 ، وهي حركة سياسية مصرية تهدف لتشكيل تنسيق بين قوى المعارضة المصرية ضد الفساد والظلم في مصر. وقد أظهرت الحركة أن من بين أهدافها:  الحرية والديمقراطية من أجل مواطني مصر ، وتوفير فرص عمل للشباب ، وإلغاء قانون الطوارئ والأحكام الاستثنائية والأحكام العسكرية على المدنيين ، وجعل القضاء سلطة مستقلة.
كما ظهر أيضا من خلال الفيس بوك حملة خلى عندك صوت2010 ، ﻭﺘﻬﺩﻑ ﺍﻟﺤﻤﻠﺔ ﺇﻟﻰ ﺤﺙ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﺼﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭكة ﻓﻲ الاﻨﺘﺨﺎﺒﺎﺕ .

 كما ظهر أيضا على الفيس بوك جروب حملة تنظيم العرب ، وهذا الجروب ليس له أي نشاط سياسي بل له اتجاه اجتماعي وثقافي عربي . يقوم بتجميع كل العرب على الفيس بوك ليكون لهم كيان واحد ومنظم للتواصل والمشاركة ولمعرفة الأحداث في كل دولة وتبادل الاحتفالات والندوات والكتب والإصدارات الجديدة.

[2] المدونات : تعتبر المدونات حالة خاصة على شبكة الانترنت ، فقد أثارت العلماء والباحثين في مجال علوم الإعلام لرصدها وتحليلها ؛ خاصة وقد استفادت المدونات مما أتاحته تطبيقات وسائل الإعلام الجديدة من توظيف ، وتداخل الوسائط الإعلامية من خلال تقديم نصوص مدعمة بلقطات فيديو تتضمن مشاهد لحدث ما أو حوارات وتحقيقات تليفزيونية ، وكذلك ملفات صوتية وروابط لوسائل إعلام أخرى ومواقع متنوعة ، إضافة إلى تعليقات الجمهور وما يقدمونه من مشاركات ، وهو ما يثرى حالة تقديم وطرح القضايا والموضوعات المختلفة داخل المدونات لتكون وسيلة إعلامية جديدة أكثر فعالية وثراء.

وقد أدركت بعض وسائل الإعلام أهمية المدونات فقامت بتأسيس مدونات متخصصة فى قضايا وموضوعات محددة وضمنتها على مواقعها الإليكترونية مثل صحيفة النيويورك تايمز والواشنطن بوست ، وكذلك فعلت قنوات مثل (CNN) و(MSNBC) وغيرهما.
وتمثل ظاهرة التدوين نمطاً صحفياً جديداً من صحافة المواطنين من خلال تركيزها الواضح على قضايا سياسية واجتماعية تمس المواطنين.
ويتأكد للباحثين والمتابعين لظاهرة كيفية استخدام وسائل الإعلام الجديدة فى التعبير السياسي والإجتماعى كثافة المنخرطين فى عملية إنشاء المدونات والإقبال على التفاعل معها.

[3] موقع يوتيوب : ويعتبر أكبر موقع على شبكة الانترنت يسمح للمستخدمين برفع ومشاهدة مقاطع الفيديو بشكل مجاني ، حيث يمكن لأي شخص حصل على مقطع فيديو يبين مظاهر الفساد أو التعذيب أو غيرها من المقاطع أن يقوم ببثها ويمكن لأي شخص الدخول عليها وتحميلها ، وقد استخدم الشباب هذا الموقع لشحن نفوس المصريين والشباب قبل ثورة 25 يناير لتحفيزهم على مقاومة النظام البائن وإظهار أوجه فساده وطغيانه .

[4] موقع تويتر : يقوم موقع تويتر بالتواصل بين الأشخاص والرسائل وتبادل الرسائل مما أدى لإشعال الثورة حيث رسمت صورة متوهجة وواقعية للثورة لحظة بلحظة ، وقد أتاح الموقع الثوار نظام فوري لجمع ونقل وتبادل المعلومات والإشارات ومعالجتها واستخدامها في اتخاذ القرارات وخلال الفترة من 10 يناير 2011 حتى 10 فبراير 2011 ، وقد جري إنتاج وتدوير أكثر من 93 ألف نسخة من رسائل تويتر العربية بين الجماهير في مصر والعالمين العربي والغربي.

التوظيف السياسي والاجتماعي لقضايا حقوق الإنسان

أولا : التفاعل بين الانترنت وقضايا حقوق الإنسان
تأخذ قضايا حقوق الإنسان منهج أكبر وأوسع وأشمل خاصة في حالة ارتباطها بالانترنت ، حيث يتميز الفضاء الإلكتروني المحيط بنا بخاصية التفاعلية (Interactivity) لأن الشخص ليس مجرد مستقبل للرسائل ولكن مرسل لها أيضا . الأمر الذى يحقق مستوى مرتفع من التفاعل ، هذا التفاعل الحادث يؤدى إلى إمكانية توظيف قضايا حقوق الإنسان سواء في الجانب السياسي أو الجانب الاجتماعي  .

وتهيئ شبكة الانترنت الظروف المناسبة لتفعيل النشاط السياسى بشكل مختلف عن كل وسائل الاتصال الأخرى ، فشبكة الإنترنت تتميز باحتوائها على ملامح وسائل الإعلام التقليدية بالإضافة إلى أنها تتيح التفاعل ومشاركة المستخدمين وبث مشاركتهم فى كل أرجاء العالم ، كما أنها تيسر عملية المزج بين النص والمعلومات المسموعة والمرئية ، ونتيجة لذلك توفر طريقة سهلة لصياغة الرسائل السياسية ، وتحقق المزيد من المشاركة بالإضافة لإمكانية التشاور والتنسيق على مستوى المجموعات من خلال تشكيل (جماعات الضغط الإلكتروني) مما يؤثر على قرارات الحكومات التي تشعر بنبض الشارع والمجتمع ويعبر عنه المشاركين على الانترنت.

فالإنترنت وبتفاعله مع قضايا المجتمع وقضايا حقوق الإنسان هو ساحة ومنتدى ديمقراطي مفتوح 24 ساعة أمام الجميع للمشاركة والحصول على المعلومات ، والفضاء الإلكتروني يخلو من الاستبداد وأى تمييز وإجحاف بين العرق أو الدين أو الاعتقاد بما يعزز حقوق الإنسان.

ويقوم الفضاء الإلكتروني بدور هام فى عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية من أجل نشر ثقافة حقوق الإنسان من خلال تدريب المواطنين على المشاركة والتفاعل ، وتجميع المصالح ، والتعبير عنها، وإعداد الكوادر السياسية ، ومعرفة جماعات كبيرة منهم بتجارب وخبرات دول أخرى فى مجالات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومحاربة الفساد بما يتيح لهم المقارنة بين وضعهم وغيره مما يعزز مقترحاتهم وسعيهم للمشاركة والاهتمام بالقضايا المجتمعية.

ويستخدم الفضاء الإلكتروني لزيادة الضغوط على النظم السياسية ، حيث يلجأ بعض النشطاء إلى تدوين قضاياهم بهدف الحصول على الدعم الدولى أو دعم الجاليات الوطنية فى الخارج ، وكذلك المنظمات غير الحكومية دولية النشاط ، ومثال ذلك المواقع التى تثير قضية التهميش السياسى أو الاضطهاد الدينى فى مصر ضد الأقباط وافتعال مناخ يؤجج الاحتقان الطائفى.

وتتلخص أهداف الخطاب والتفاعل لحقوق الإنسان على الانترنت من جانب القائمين عليه إلى التوظيف السياسي لحقوق الإنسان لخدمة أهدافهم سواء في القضايا الداخلية أو الخارجية ، أي نشر أو بث الأحداث والقضايا الخاصة بحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يخدم سياساته ، حيث يخضع الموضوعات والقضايا باعتبارها رأي عام أمام الجمهور ، ويستهدف من ذلك تعميق الوعي بقضايا حقوق الإنسان ، وقد برز هذا التوظيف السياسي في كثير من المناسبات وتجاه أحداث داخلية محلية أو عربية أو دولية ، وقد يتخذ هذا التوظيف السياسي نمط سلبي مضاد للدولة مؤثرا عليها مثل التفاعل مع بعض الجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية والدولية التي لها أهداف خبيثة ضد المنظمات الحكومية أو السلطة الحاكمة بهدف زعزعة ونشر التصريحات الضارة أو البيانات الهدامة.

وقد عقد المجلس القومى لحقوق الإنسان ندوة تحت عنوان " نحو إستراتيجية إعلامية لنشر ثقافة حقوق الإنسان"، خرج منها بالتوصية بأنه كلما تحرر الإعلام وتعززت حرية الرأي والتعبير ، كلما استطاع الإعلام أن يؤكد دوره الإيجابي تجاه قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك نشر ثقافة حقوق الإنسان ، باعتباره من أهم مصادر التأثير في الرأي العام وتحديد توجهات المواطنين وتشكيل سلوكياتهم . وإن نشر ثقافة حقوق الإنسان يعني تعريف الناس بحقوقهم وفي نفس الوقت التزامهم باحترام حقوق الآخرين بما في ذلك حقهم في الحياة وحقهم في حرية العقيدة وحقهم في أن يكونوا مختلفين وهي ثقافة تناقض ثقافة الإرهاب.

كما أضافت التوصية بأن نشر ثقافة حقوق الإنسان يستهدف في الأساس توفير حياة كريمة لكل مواطن من أجل تحقيق مجتمع حر قوي تطبيقاً لما جاءت به الشرائع السماوية من مبادئ رفيعة وحقوق إنسانية قررتها نصا وتلقينا لكل البشرية. من خلال البرامج الجماهيرية والتحقيقات المصورة وإنتاج الأفلام المصورة من الواقع وإنتاج الأفلام الكرتونية الملائمة للصغار والاهتمام بالدراما لما لها من تأثير والإبداع الثقافي أو الفني أو ألأدبي والتراث الشعبي لتيسير نشر المفاهيم الثقافية لحقوق الإنسان بين كافة شرائح المجتمع . وأيضا تجديد الخطاب الديني في الإذاعة والتلفزيون بما يحقق مقاصد الشريعة ومبادئ حقوق الإنسان مع مراعاة متغيرات العصر.  

وتجدر الإشارة إلى أن لجنة الحقوق الثقافية بالمجلس عقدت لجنة استماع حول حرية الفكر والإبداع الأدبي والفني وتوصلت إلى أهمية الترابط الوثيق بين هذه الحريات والحريات العامة والسياسية.

ثانيا : تأثير المدونات على قضايا حقوق الإنسان

كما سبق وأوضحنا فإن شبكة الانترنت هي مسرح كبير لكل من يهدف للصالح العام وأيضا لكل من يبغي الإضرار بالمجتمع ، والمدونات لها أكبر الأثر في ذلك ، فقد صدر كتاب هو نتاج لمناقشات واجتماعات يتحدث عن تأثير المدونات على نشر ثقافة حقوق الإنسان وصدر في عام 2008 عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في القاهرة ، عن الدعم المتبادل بين الإنترنت وحقوق الإنسان (خطوات على الطريق) ، أعدته مينا زكري، وتضمن الكتاب الأهمية المتزايدة للإنترنت في خدمة القضايا الحقوقية وكيفية استخدامها للدفاع عن حقوق الإنسان ودور الصحافة التقليدي والإعلام الالكتروني بوصفه عنصر تنافس وتكامل ودور النشطاء الإلكترونيين والعراقيل والإمكانيات المتاحة أمام استخدام الإنترنت في هذا المجال كأداة لنشر الأفكار والآراء  ورفع المستوى الحقوقي ونشر ثقافة حقوق الإنسان وكسب الرأي والحماية القانونية لقضايا النشر الإلكتروني وماهيات وأشكال الدعم المتبادل بين الإعلام والمنظمات الحقوقية.

ويسجّل الكتاب بعض الأعمال التي قام بها المدونون من خلال الانترنت في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ومنها ما يخص ملف التعذيب "كليبات" التعذيب في سجون مصر ، وذكر الكتاب أن المدونين على الانترنت تمكنوا من نشر قضايا التعذيب بشكل أثار المتلقين في أيام قليلة ما لم تستطع أن تفعله منظمات حقوق الإنسان في عشر سنوات ، وكذلك النشاط المكثف ضد المحاكمات العسكرية من أجل محاكمات عادلة وفضح حوادث التحرش الجنسي بالنساء . فضلاً عن العديد من المواضيع منها ضد الاستبداد باسم الدين وضد التعصب الديني والطائفي والعديد من حملات التضامن مع المعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي والصحفيين.

كما حلل الكتاب كيف ساهم التقدم التكنولوجي وسهولة الحصول على موقع في الانترنت واقتران ذلك بالحاجة الجدية لظهور المدونات بالنظر لعدم قدرة الأشخاص في الحصول بسهولة على عضوية نقابة الصحفيين ، وأن الإعلام المقروء أصبح خاضع لمقص الرقيب وممحاة المحرر وسياسة الجريدة أو مصدر تمويلها أو أيديولوجيتها السياسية إضافة إلى الضغوطات على القنوات الفضائية وإتلاف شرائط كاميراتها وتعرض الأجهزة الأمنية للصحفيين.

واعتبر الكتاب أن المجتمع في أمس الحاجة لإعلام بديل يدافع عن المجتمع المدني بدون رقابة يوصل الحقائق إلى الجماهير وترافقت مع انتشار الحديث عن التعددية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطات وحقوق الإنسان ، إضافة إلى توفيرها الحماية للناشر بإخفاء شخصيته ، وتمثل المدونات الإعلام الاليكتروني المستقل المتحرر من قيود الصحافة ، ويعالج الأحداث بطريقة مبتكرة وبعيدة عن الحياد البارد مما يساهم في رفع سقف الحريات في الإعلام .  كما إن المدونات مجانية ومن الممكن الحصول عليها عبر العديد من المواقع العالمية على الشبكة.

وأضاف الكتاب أنه قد تنامى دور المدونات وتكاثر عددها في كافة المجالات ، وخاصة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، بوصفها واحدة من الوسائل الناجعة والعملية والمؤثرة والمتوفرة والتي بواسطتها يمكن الوصول على نتائج أفضل وأكثر تأثيراً ، دون إلغاء أو التقليل من شأن الوسائل الأخرى على الإطلاق وإنما تأتي مكملة لها ومؤكدة تعدد الوسائل وتجددها.  

وأشار الكتاب إلى أن المدونات قد وسّعت الصلة بالجماهير، إذ أصبح بإمكان الفرد إن يشترك بالعمل العام والدفاع عن الحقوق من دون أي التزامات بأي حزب أو إيديولوجيا أو منظمة وبطريقة سهلة من مكانه ، خاصة من فئة الشباب الذين لديهم المهارات في مجال الإنترنت ، رغم صعوبات توفر التكنولوجيا في البلدان العربية.

وأوضح الكتاب أن بعض الحكومات العربية أدركت خطورة الإعلام الاليكتروني أو ما يسمى بالصحافة الشعبية فعمدت إلى اعتقال المدونين المعروفين ، وأشار الكتاب إلى أن منظمة العفو الدولية قد ذكرت في تقرير لها : "إن فترة السماح الأولية التي أتاحها الانترنت للنشطاء والحقوقيين العرب قد انتهت إذ انتبهت الحكومات العربية لمدى خطورة الانترنت في الدفاع عن حقوق الإنسان في الداخل العربي ... لكن الانترنت ما زال خصما عنيدا".


ثالثا : حوكمة الانترنت والقيود الواجب مراعاتها لعدم إثارة الفتن

كان التعريف الكلاسيكي للإعلام هو تزويد الأشخاص بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب في واقعة أو مشكلة من المشاكل بحيث يعبر هذا الرأي تعبيراً موضوعياَ عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم ، ولكن الإعلام الإلكتروني قد خرج بنا من مرحلة إلى أخري ، فالوسائط الالكترونية تساعد على تزويد الجمهور بالأخبار والمعلومات على نطاق أوسع وأشمل فالمسألة تجاوزت الوسائل القديمة إلى وسائل أخري حديثة ويتغير معها أطراف العملية الاتصالية لتشمل الوسيلة والرسالة والمرسل والمستقبل والتغذية والتسويق ، وقد خلق هذا الجو مناخ اتصال مختلف وثقافة إعلامية مختلفة وتنوع ومرونة.

وقد صاحبت الطفرة التكنولوجية والتي تتمثل في ثورة المعلومات والاتصالات ، وظهور الانترنت أن ظهر معه آثار جانبية سلبية لا تحصي ، فحتى يقوم بجذب الأشخاص نحوه فقد انتشرت الكثير من المواقع الإباحية المفتوحة ، والتي يمكن فتحها والدخول عليها بسهولة ويسر ، كما ظهرت العديد من المواقع الهابطة وزحام كبير من الادعاءات والأكاذيب والمعلومات الخاطئة والمتاجرة بالجنس والإساءة للأديان ، والحط من القيم النبيلة والطعن في المقدسات وتشويه صور الحكومات أمام شعوبها ، وإثارة الفتن والضغائن مستغلة بذلك ضعاف الأنفس المستعدين لدفع حياتهم مقابل مبالغ زهيدة

إن تحليل تلك الظاهرة يدفعنا إلى ضرورة وضع أطر معينة وقيود على الممارسات الإعلامية الضارة من خلال الانترنت ، وتنظيم اتفاقية دولية يتم فيها وضع المعايير والمؤشرات الخاصة بقياس الأعمال الضارة من غير الضارة من خلال شكوى المتضرر من العمل ، سواء كانت دولة أم شخص أم جماعة واعتماد ثوابت أخلاقية ومهنية وثقافية ، فالتعبير من خلال الانترنت يجب أن يكون أداة للنهوض بالمجتمع ودعم وتوسيع المشاركة الجماعية للفظ المخالف ومراقبة ونقد الممارسات الضارة ورصدها وتحليلها وضبط وعقاب مرتكبها ، وحظر استخدام العناوين المضللة التي لا تتفق مع الواقع ، وعدم إلقاء الاتهامات والأوصاف للأشخاص العامة دون إثبات ، أو نشر مواقع العري والفضائح ، أو الترويج للدجل والشعوذة والقوى الخارقة والأخبار المجهلة ، أو توظيف آلية العناوين المضللة لإثارة الفضول.

حوكمة الانترنت : وقد ظهرت فكرة جديدة هي حوكمة الإنترنت، نظراً لأن الإنترنت أصبح واحداً من أهم بواعث التغيير بل والتطوير، فهو وسيلة مذهلة تمكن المرء من التنقل بحرية بين مختلف المواقع وتتيح له في نفس الوقت الحصول على كافة المعلومات التي يريدها، كما أنه أصبح عنصراً محورياً في تكوين البنية التحتية لمجتمع المعلومات الناشئ ، فقد ذهب البعض إلى البحث عما يسمي حوكمة الانترنت ، وعُرِف مصطلح حوكمة الإنترنت بأنه تضافر الجهود المبذولة من جانب الحكومات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ، كلٌ حسب الدور الذي يقوم به، لتطوير مجموعة من المبادئ المشتركة ، والمعايير والقواعد المنظمة للعمل ، والإجراءات الخاصة بصنع القرار، والبرامج التي تساهم في صياغة البنية الأساسية لشبكة الإنترنت وتطويرها وتيسير استخدامها، والعمل على تطبيقها بالصورة المثلى.

ولاشك أن وسائل الإعلام وبصفة خاصة الانترنت أثارت خلال الفترة السابقة العديد من المشكلات ، وبصفة خاصة تلك المتعلقة بالتعصب والتحريض من جانب البعض ، والتي أصبحت مجال حرب داخل شبكة المعلومات ، وهذا يستلزم وضع الكثير من القيود على تلك الشبكة ، فقد نص الإعلان العالمي الخاص بالقضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين والمعتقد في المادة 1/1 ، 1/3 على أن الحق في حرية التفكير يرد عليه قيود يفرضها القانون لحماية النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية ، كما أكدت المادة 19/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أن ممارسة الحقوق والواجبات تخضع لقيود معينة منها احترام حقوق الآخرين وسمعتهم ، وحماية الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة .

المراجع
مراجع عامة:
•    د/ أحمد فتحى سرور : الحماية الجنائية للحق فى الحياة الخاصة  - بحث مقدم لكلية الحقوق جامعة الإسكندرية - 1987 ومنشور فى مجلة القانون والاقتصاد  - العدد 54  .
•    د/ أحمد السيد علي عفيفي : الأحكام العامة للعلانية في قانون العقوبات – رسالة دكتوراه – جامعة عين شمس – 2001 .
•    د/ أسامة عبد الله قايد : الحماية الجنائية للحياة الخاصة وبنوك المعلومات - ط3- 1994- دار النهضة العربية - القاهرة .
•    د/ الشافعى محمد بشير: قانون حقوق الإنسان - مكتبة الجلاء الجديدة بالمنصورة .
•    د/ أمير عبد العزيز : حقوق الإنسان في الإسلام ـ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ـ 1997.
•    د/ بكري يوسف بكري : الجرائم الإعلامية ضد الأحداث – دار الفكر الجامعي – الإسكندرية – 2011. د/ حمدى عطيه عامر : حماية حقوق الإنسان وحرياته العامة الأساسية في القانون الوضعي والفقه الإسلامي – رسالة دكتوراه – جامعة طنطا – 2008 .
•    د/ خالد مصطفي فهمي : الإطار القانوني للتوقيع الالكتروني في ضوء القانون 15 لسنة 2004 التشريعات المقارنة - دار الجامعة الجديدة – الإسكندرية- 2005.
•    د/ خالد مصطفي فهمي : بحث عن احترام الحياة الخاصة – مقدم لمركز البحوث بأكاديمية الشرطة – 2005 .
•    د/ خالد مصطفي فهمي : حرية الرأي والتعبير وجرائم النشر - دار الفكر الجامعي – الإسكندرية- 2012 .
•    د/ رامي محمد علوان : التعبير عن الإرادة عن طريق الانترنت وإثبات التعاقد الالكتروني – مجلة الحقوق الكويتية 2002 – ع4 س26.
•    د/ رضا عبد الواجد أمين : الصحافة الإلكترونية – دار الفجر للنشر والتوزيع – 2007 .
•    سوكر أنباك ، جوها براكين : ما هي الانترنت – مكتبة جرير – بيروت -1998 .
•    د/ طارق سرور : جرائم النشر والإعلام – الكتاب الأول الحكام الموضوعية – الطبعة الثانية – 2008
•    د/ عبد الفتاح مراد : الأصول العلمية والقانونية للمدونات على شبكة الانترنت – 2011.
•    د/ عبد الكريم عبد الله الحربي: الانترنت والقنوات الفضائية ودورها في الانحراف والجنوح – الرياض – 2003.
•    د/ محمد السعيد الدقاق : القانون الدولى العام- الدار الجامعية للنشر- الإسكندرية- 1992.
•    د/ محمد السعيد رشدي : حجية وسائل الاتصال الحديثة في الإثبات - مطبعة النسر الجامعي - بدون تاريخ .
•    د/محمد السعيد رشدى : الانترنت والجوانب القانونية لنظم المعلومات – بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الثاني للإعلام والقانون – كلية الحقوق – جامعة حلوان في الفترة من 14- 15 مارس 1999 .
•    د/ محمد حافظ غانم : دراسة لأحكام القانون الدولي وتطبيقاتها التي تهم الدول العربية ـ معهد الدراسات العربية ـ 1962 .
•    د/ محمد حسام محمود لطفي : استخدام وسائل الاتصال الحديثة في التفاوض على العقود وإبرامها – القاهرة – 1993 .
•    د/ محمد حسام محمود لطفي : الإطار القانوني للمعاملات الالكترونية - 2002- القاهرة - دار النهضة العربية .
•    د/ محمد سيد أحمد : ثورة المعلوماتية موقعها ودلالتها – مجلة العلوم الاجتماعية – الكويت – المجلد 26 ع3- 1998 .
•    د/ محيي الدين عبد الحليم : الإعلام الايلامي وتطبيقاته العلمية – مكتبة الخازنجي - القاهرة – 1984. د/مصطفى عفيفى : الحقوق المعنوية للإنسان بين النظرية والتطبيق - دار الفكر العربى - القاهرة 1990.
•    د/ ممدوح خليل بحر : حماية الحياة الخاصة فى القانون الجنائي - دار النهضة العربية - القاهرة 1983.
•    د/ منتصر سعيد حموده: قانون الإعلام الدولي – دار الفكر الجامعي – 2012.
•    أ / مينا ذكري : خطوات على الطريق - الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان – بيروت – 2008.
مواقع على الانترنت :
•     موقع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .
•     موقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
•    جريدة البديل الجديد يوم 11/4/2012.
•    جريدة اليوم السابع في 11/4/2012.
•    موقع منتدى حوكمة الإنترنت 2009 .
•    جريدة الشرق الأوسط في 13/2/2011.
•    موقع كلنا خالد سعيد .
•    موقع هيومان رايتس في 19/2/2003 .
•    مؤسسة الأهرام مدونة (الإعلاميون والانتخابات) – ط2 – 2011.
    http://www.europarl.europa.eu/news/expert/infopress
    http://masrstars.com/vb/showthread.php?t=375754
    www,kefay.org. .

- مدرس القانون المدني والتشريعات الإعلامية
.