<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?>
<rss version="2.0" xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom">
<channel>
<language>ar-eg</language>
<title>مجلة الديمقراطية</title>
<atom:link href="http://democracy.ahram.org.eg/UI/Front/RSSContent.aspx" rel="self" type="application/rss+xml" />
<description>كل الموضوعات</description>
<image>
<title>مجلة الديمقراطية </title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/</link>
</image>
<item>
<title> هاجس الهجرة المغاربية إلى أوروبا: هل تشكل العمالة الشرقية بديلا ؟</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/477/-هاجس-الهجرة-المغاربية-إلى-أوروبا-هل-تشكل-العمالة-.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/5/17/2013-635044310912627083-262_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
إن استيعاب موضوع الهجرة المغاربية إلى أوروبا، لاسيما فرنسا، وإسبانيا وإيطاليا  ومحاولة تشخيص الحقائق و المعطيات الموضوعية المكرسة لظاهرة الهجرة عموما و السرية تحديدا، كمعطى واقعي فرض نفسه على الجميع واحتل الواجهة مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة، بعيدا عن المغالاة و المزايدات الإعلامية، يتطلب تقليب الظاهرة على مختلف جوانبها و إدراجها ضمن إطارها الزمكاني. بمعنى العودة إلى سياقها التاريخي، من خلال التطرق إلى مراحل تطور الهجرة المغاربية إلى أوروبا تحليلا و تفسيرا</description>
<fulldescription>

	

	مقدمـــــة: 

	إن استيعاب موضوع الهجرة المغاربية إلى أوروبا، لاسيما فرنسا، وإسبانيا وإيطالياومحاولة تشخيص الحقائق و المعطيات الموضوعية المكرسة لظاهرة الهجرة عموما و السرية تحديدا، كمعطى واقعي فرض نفسه على الجميع واحتل الواجهة مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة، بعيدا عن المغالاة و المزايدات الإعلامية، يتطلب تقليب الظاهرة على مختلف جوانبها و إدراجها ضمن إطارها الزمكاني. بمعنى العودة إلى سياقها التاريخي، من خلال التطرق إلى مراحل تطور الهجرة المغاربية إلى أوروبا تحليلا و تفسيرا، و إلى العناصر القابعة وراء استفحال الشق السري (غير القانوني) للهجرة على حساب شقها الشرعي (القانوني)، و كذا إلى المقاربة الأوروبية في التعاطي مع أسراب المهاجرين الوافدين من الضفة الجنوبية للمتوسط (الجزائر، المغرب، تونس...) الذين يفضلون المغامرة بحياتهم على متن قوارب الموت في اتجاه ديار الغربة، بحثا عن لقمة العيش، بعد أن سدت أمامهم كل أبواب الأمل في بلدانهم الأصلية. يحدث هذا في الوقت الذي اشتد فيه عود اليمين الأوروبي المتطرف، لاسيما عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 التي زادت من حدة كراهية و عنصرية الغرب للعرب و المسلمين ،وعلى رأسهم المغاربة.

	مما لا ريب فيه أن الحملة الغربية-الأوروبية التي تستهدف المهاجرين من أصول مغاربية تندرج ضمن معادلة الصراع العمودي (شمال/جنوب) الذي حل بعد الحرب الباردة محل معادلة الصراع الأفقي (شرق/غرب). وإذا سلمنا بأن المهاجرين المغاربة أضحوا يشكلون خطرا على الهوية الثقافية و الحضارية للغرب، ومن ثم لا مفر من التخلص منهم تدريجيا، فأين يكمن البديل، لاسيما في ظل حاجة الاقتصاد الأوروبي الماسة للأيدي العاملة الرخيصة، خصوصا في القطاعات أو المجالات &quot;القذرة&quot; التي يأبى الأوربيون بفعل نزعتهم الفوقية العمل فيها؟ هل يمكن لعمالة شرق أوروبا - في إطار أوروبا الموسعة- حلول محل العمالة المغاربية؟ أم أن خيار الهجرة &quot;صفر&quot; الذي دعت إليه بعض الدوائر السياسية الأوروبية خلال ثمانينيات القرن الماضي هو الخيار الأمثل؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال هذه المقالة المتواضعة.

	أولا- السياق التاريخي: 

	تعود الأفواج الأولى للمهاجرين المغاربة نحو أوروبا إلى الحرب العالمية الأولى، عندما دعت فرنسا القوة الاستعمارية المواطنين المغاربة إلى الانضمام إلى جيشها، وإعادة تشغيل مصانعها المشلولة؛ بفعل التعبئة العسكرية الفرنسية. فمتطلبات الدفاع الوطني والاقتصاد الحربي لفرنسا كقوة دولية آنذاك هي التي دفعت بسلطاتها إلى توظيف أكثر من 500 ألف شخص من دول المغرب العربي الثلاث (الجزائر، والمغرب وتونس) وتحويلهم إلى فرنسا خلال سنوات الحرب(1). نفس السيناريو تكرر مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لكن بشكل أكثر كثافة وتطورا.فقد أتاح الاستعمار الزخم الأولي للهجرة الحديثة، وشجع حركة تنقل الأفراد من و إلى أوروبا وأدى الطلب المتزايد على العمالة في البداية إلى الهجرة الداخلية (من الريف إلى المدينة) قبل أن تتحول إلى هجرة دولية (عابرة للحدود)جماعية، حيث إن ازدهار الاقتصاد الأوروبي ساعد على جذب الأيدي العاملة من الضفة الجنوبية للمتوسط(2). فالهجرة المغاربية -كما يقول الأستاذ الدكتور عمار جفال- ليست إلا انعكاسا للعلاقة الاستعمارية المباشرة التي فرضتها فرنسا - باعتبارها القوة الاستعمارية- على الدول المغاربية الثلاث بكونها مستعمرات فرنسية، لاسيما في ظل مصادرة الأراضي الفلاحية، وإحالة أصحابها على البطالة الإجبارية، ليجدوا أنفسهم مرغمين، إما على الانخراط الحتمي في صفوف الجيش الفرنسي وتحويلهم تاليا إلى جبهات القتال أو الانضمام إلى العمالة الفرنسية للمساهمة في التنمية الاقتصادية الفرنسية(3). و يمكن لنا تصنيف تطور الهجرة المغاربية إلى أوروبا خلال الفترة التي أعقبت الحرب الكونية الثانية إلى مرحلتين رئيسيتين(4):

	1- مرحلة الحرب الباردة:

	قبل اندلاع الثورة الجزائرية (1954) بسنوات قليلة، شرعت فرنسا في التخطيط و التطبيق الفعلي لسياسة الهجرة باتساع رقعة المهاجرين الجزائريين؛ بفعل الآليات المطبقة من طرف الديوان الوطني للهجرة (ONI)، بمقتضى القانون الصادر في 20/09/1947، القاضي بمنح حق المواطنة الفرنسية للجزائريين، ورفع العراقيل التي تحول دون حرية تنقلهم إلى فرنسا، مما أدى إلى ارتفاع عددهم إلى ما يقارب 214 ألفاً، و بالتالي زيادة نسبتهم من السكان الأجانب من 1,3%عام 1946 إلى 12 %عام 1954، أي احتلالهم المرتبة الرابعة بعد كل من الإيطاليين، والإسبان و البرتغاليين، في حين ظلت نسبة نظرائهم المغربيين )0,6و(% 0,9و التونسيين )0,1و(% 0,3جد متواضعة. بيد أن اندلاع ثورة نوفمبر أدى إلى تراجع وتيرة الهجرة الجزائرية إلى فرنسا، خصوصا بعد القيود التي كانت تفرضها فرنسا على الجزائريين الراغبين في الهجرة نحوها، الأمر الذي فسح المجال أمام انتعاش حركة الهجرة المغربية (% 15,2سنويا) و التونسية(% 23,9سنويا). و مع بواكير الستينيات، بدأت تتضح معالم شكل جديد ينظم الهجرة بين فرنسا التي شهد اقتصادها نموا ملحوظا وحاجتها تاليا إلى الأيدي العاملة و دول المغرب العربي الثلاث التي حصلت على استقلالها، حيث أبرم الطرفان سلسلة من الاتفاقيات حول الأيدي العاملة، من بينها اتفاقية إيفيان (10/04/1964) بين فرنسا و الجزائر، و الاتفاق الفرنسي-المغربي (27/09/1963)، و الاتفاق الفرنسي- التونسي (15/10/1963).

	أدركت الحكومة الفرنسية عقب أحداث مايو 1968 التي شجب منظموها عراقيل إدماج الجالية المهاجرة و التعسف الإداري في التعاطي مع الوافدين الأجانب، الأبعاد الخطيرة التي تنطوي عليها ظاهرة الهجرة، فعمدت إلى سياسة التشدد في تحديد الحصص، عن طريق إبرام اتفاقيات مع دولة المصدر، على غرار الاتفاق المبرم مع الجزائر (17/12/1968) الذي نص على أن عدد الجزائريين الراغبين في الهجرة إلى فرنسا، من أجل العمل لا ينبغي أن يتجاوز 35 ألف فرد على امتداد ثلاث سنوات، مما سمح بارتفاع عدد الجزائريين بفرنسا خلال عام 1974 إلى نحو871 ألف، مقابل 300 ألف مغربي و 162 ألف تونسي.

	مع مطلع السبعينيات،وتزامنا مع الأزمة الاقتصادية العالمية المترتبة على الصدمة النفطية، شرعت الدول الأوروبية في مراجعة سياساتها المتعلقة بالهجرة في اتجاه فرض المزيد من القيود، من خلال صد الأبواب أمام الوافدين الجدد، بيد أنها لم تؤثر على حركة الهجرة المغاربية إلى فرنسا، لاسيما تلك التي تندرج ضمن لم شمل العائلات. صحيح أن عدد الجزائريين تقلص إلى 08 %خلال الفترة ما بين 1974 و 1982، لكن في المقابل ارتفع عدد المغربيين و التونسيين على التوالي إلى 31 %و 63 %، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد المغاربة في فرنسا بلغ إلى غاية الفاتح يناير/كانون الثاني 1986 حوالي مليون و 539 ألف مهاجر، أي أن حصة المغاربة من المهاجرين الأجانب في فرنسا المقدر عددهم آنذاك بـثلاثة ملايين و 752 ألف قد ارتفعت إلى 41 %. و إذا كانت فرنسا هي القبلة المفضلة للمهاجرين الوافدين من مستعمراتها السابقة لأسباب موضوعية معروفة (تاريخية، اجتماعية، ثقافية...)، فإن ذلك لا يعني أن الدول الأوربية الأخرى لم تحظ وإن بدرجة أقل باهتمام مهاجري دول المغرب العربي، فالأرقام تفيد بأن عدد الجالية المغاربية المنظمة في كل من بلجيكا، هولندا وألمانيا قد بلغ 325 ألف مهاجر.

	2- مرحلة ما بعد الحرب الباردة:

	مع لجوء الحكومات الأوروبية إلى غلق حدودها في وجه الوافدين الجدد (1974)، والإجراءات المتخذة من أجل التكفل الأفضل بالمهاجرين المقيمين بصفة قانونية، عرفت ظاهرة الهجرة تحولات عميقة على المستويين الكمي و النوعي؛ بفعل سياستي لم شمل العائلات، و مكافحة الهجرة غير الشرعية، تمثلت على الخصوص في أن الدول الأوروبية المستهدفة من طرف الهجرة المغاربية، لاسيما فرنسا، وإسبانيا و إيطاليا وجدت نفسها في مواجهة ظاهرة &quot;الهجرة غير الشرعية&quot;، من خلال إصرار الآلاف من الشباب المغاربة على المرور إلى الضفة الشمالية للمتوسط بطرق ملتوية، الأمر الذي أثار تخوف الدول الأوروبية المعنية ودفع تاليا حكوماتها إلى تعبئة طاقاتها واتخاذ حزمة من الإجراءات التي من شأنها الحد أو على الأقل التخفيف من حدة هذه الظاهرة، بيد أنها لم تفلح في تحقيق النتائج المطلوبة.

	ثمة مفارقة تكمن في أن إيطاليا التي ظلت تاريخيا كمصدر أول للأيدي العاملة (قدر عدد الإيطاليين المهاجرين إلى فرنسا -على سبيل المثال- بـ 60 ألف عام 1939، و بـ 50 ألف عام 1947)(5)، أضحت رغم أنفها مع نهاية الألفية الثانية و بداية الألفية الثالثة من البلدان الأوروبية الأكثر استقطابا للهجرة، حيث ارتفع عدد المهاجرين الوافدين إليها من شمال إفريقيا من 11 ألفاً و 322 عام 1981 إلى 150 ألفاً و 400 مهاجر عام 1992 قبل أن أضحى يناهز المليون عام 2007. نفس الشيء ينطبق على اسبانيا التي شكلت على امتداد حقبة طويلة من الزمن مصدرا للأيدي العاملة إلى الخارج، إذ بلغ عدد الإسبان المقيمين في فرنسا عام 1936 نحو 253 ألفاً و 599 مهاجرا(6)، لتتحول منذ عقدين من الزمن من دولة مصدرة إلى دولة مستقبلة للأيدي العاملة، لا سيما من شمال إفريقيا وفي مقدمتها الحاملة للجنسية المغربية التي تضاعف عددها - بشكل ملفت للانتباه- مقارنة بنظيرتيها الجزائرية و التونسية؛ بفعل الجوار الجغرافي، الروابط التاريخية، وصعوبة التحكم في الحدود البحرية، و حاجة بعض القطاعات الاقتصادية الإسبانية للأيدي العاملة الرخيصة، إذ تشير الأرقام إلى أن عدد الجالية المغاربية المقيمة بإسبانيا بصفة قانونية بلغ 70 ألفاً عام 1993 من بينهم 65 ألفاً و 847 مغربياً و أكثر من ألفين جزائري، دون احتساب المقيمين بطرق ملتوية (سرية). كما أدى تدهور الوضع الأمني بالجزائر في التسعينيات إلى إقدام ما لا يقل عن 300 ألف شخص من الجامعيين، والأطباء، والمحامين و الفنانين على مغادرة البلاد نحو الخارج استقر معظمهم في فرنسا(7).

	إن أهم ما يميز الهجرة المغاربية إلى أوروبا مع نهاية القرن العشرين و بداية القرن الحادي و العشرين، فضلا عن طابعها الكمي و السري، يكمن في الانتقال من الهجرة من أجل العمل (مؤقتة) إلى الهجرة من أجل الإقامة الدائمة: جرت العادة اعتبار وجود المهاجرين المغاربة في الخارج مؤقتا، فهم يبرحون عائلاتهم وذويهم متجهين نحو أوروبا أملا في العودة مستقبلا إلى الديار بعد تحسين أوضاعهم الاجتماعية (الهجرة الاقتصادية)، بيد أن هذه المعادلة تغيرت. فالمهاجرون الذين ألفوا العيش في أوروبا يفضلون - رغم معاناتهم من العنصرية - البقاء في ديار الغربة على العودة إلى مواطنهم الأصلية التي ينعدم فيها الأمن و الاستقرار، منتهزين فرصة التشريعات المتعلقة بلم شمل العائلات الصادرة في بعض الدول الأوروبية. فعلى سبيل المثال ثمة 80 %من الجزائريين الذين تم إحصاؤهم بفرنسا عام 1974 كانوا يعيشون في هذا البلد منذ أكثر من 10 سنوات، وأن 23 %ولدوا فيها و لا يعرفوا شيئا عن بلدهم الأصلي.

	التحول النوعي المتمثل في الانتقال من الهجرة الاقتصادية المؤقتة إلى الهجرة من أجل الإقامة الدائمة تعكسه بعض الأرقام التي مفادها أن عدد العاملين الجزائريين في فرنسا مع نهاية 1990 لم يتجاوز 30,4%من مجموع الجزائريين المقيمين بفرنسا مقابل 34 %بالنسبة للعاملين من جنسية مغربية. يقول &quot;كريستوف بارتوسي&quot; بشأن تطور الهجرة الدولية (( تتميز الهجرة التي يزداد حجمها باستمرار بالشمولية في كونها تمس مختلف الفئات الاجتماعية، فهي لم تعد مرتبطة بصورة &quot;المهاجر العامل&quot; السائدة في سنوات السبعينيات وأوجدت على الساحة الدولية إلى جانب الدولة فواعل جدد...))(8)، حيث أصبحت خلال العقود الأخيرة أكثر بروزا على الأجندة الدولية؛ بحكم اتساع نطاقها وتنامي آثارها على الساحة الدولية(9).

	ثانيا- طغيان الهاجس الأمني:

	ساهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم مع نهاية الألفية الثانية و بداية الألفية الثالثة في تغير مضمون العديد من المفاهيم السائدة في العلاقات الدولية، من بينها مفهوم الأمن الذي لم يعد يقتصر على المدلول التقليدي العسكري و النووي بل تعداه إلى المدلول الاجتماعي (الأمن الاجتماعي)، بفعل التغير في طبيعة وبنية التهديدات، من خلال ظهور ما يعرف بالأخطار الجديدة التي أضحت تشكل تحديا لأمن المجتمعات السياسية الحديثة. فالمؤشر الديمجرافي أصبح يمثل أهم الانشغالات الكبرى للأمن بمدلوله الحديث و الموسع؛ بحكم الهواجس التي أضحت تنتاب دول الشمال جراء أمواج الهجرة الوافدة من الجنوب.

	

	1- نظرية الأمن الاجتماعي:

	أولى &quot;باري بوزان&quot; أستاذ الدراسات الدورية بجامعة وورويك البريطانية في مقالة تحت عنوان &quot;السياسة الواقعية في العالم الجديد..أنماطاً جديدة للأمن العالمي في القرن الحادي و العشرين&quot; نشرت على صفحات مجلة &quot;شؤون دولية&quot; الأمريكية، الصادرة في 03/07/1991، أهمية بالغة لما سمَّاه بالأمن الاجتماعي في مجال علاقة المركز بالأطراف: (( الأرجح أن يصبح الأمن الاجتماعي مسألة أكثر أهمية عما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة...ويتعلق الأمر بالأخطار ونقاط الضعف التي تؤثر في أنماط هوية المجتمعات وثقافتها))(10)، معتبرا مسألة الهجرة أو ما يعرف لديه بالتصادم بين الهويات الحضارية المتنافسة من أهم هواجس الألفية الثالثة. لذلك، فإن الهجرة من الجنوب إلى الشمال عموما، ومن الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط تحديدا، تشكل خطرا على أمن دول المركز، فهي تهدد هويتها الحضارية و الثقافية وتخلق بداخلها طابورا خامسا، و تأتي -حسبه- ضمن سياق الانتقال من معادلة الصراع (شرق/غرب) إلى معادلة الصراع (شمال/جنوب) أو بالأحرى ضمن التعارض بين القيم العلمانية السائدة في الغرب و القيم الإسلامية، ناهيك عن التنافس التاريخي بين المسيحية و الإسلام (الحروب الصليبية)، وكذا الجوار الجغرافي. في هذا السياق يقول &quot;باري بوزان&quot; (( فإذا اجتمع خطر الهجرة، وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بين المركز [أوروبا] و جزء من الأطراف [دول المغرب العربي] على الأقل، و لاسيما بين الغرب و الإسلام))(11). أما &quot;فرانسيس فوكاياما&quot; فقد أشار في كتابه &quot;نهاية التاريخ&quot; إلى أن الأوضاع غير المستقرة في العالم الثالث ستتسبب في هجرات ضخمة من سكان العالم التاريخي إلى عالم ما بعد التاريخ الذي سيعاني -جراء ذلك- من متاعب جمة(12).

	يعتقد الباحث الأمريكي &quot;صامويل هانتينجتون&quot; بأن الصدام الحضاري في شكله الحاد و العنيف سيكون نتاجا للحيوية السكانية في الجنوب مقابل الركود الديمجرافي في الغرب، مركزا على الخطر الداهم الذي تشكله الديمجرافيا الزاحفة للعالم الإسلامي - باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للنزاعات الدولية في العالم الحديث- على القيم الغربية ((...ثمة شئ في الإسلام يبعث على...العنف، و هذا الشيء هو النمو السكاني الضخم للشعوب الإسلامية في السنوات الأخيرة. إن النمو السكاني عرف تزايدا مثيرا خصوصا...في إفريقيا الشمالية...حيث تتعدى عشر مرات نسبة التزايد السكاني في أوروبا الغربية، المسلمون الذين كانوا يشكلون 18 %من مجموع سكان العالم سيصبحون...31 %عام 2025))(13)، موضحا بأن التنامي السكاني الكبير للمسلمين خصوصا شريحة الشباب (16 إلى 30 سنة) سيشكل ضغوطا ديمجرافية على الغرب الهش سكانيا وذلك عبر ظاهرة الهجرة التي ستشهد تزايدا كبيرا مع بداية القرن الحادي و العشرين، مما سيخلق أزمة هجرة عالمية، مشيرا إلى أن الغربيين أصبحوا يخشون أكثر من أي وقت مضى من أن يتم (( اكتساحهم ليس من طرف الجيوش و الدبابات ولكن من طرف المهاجرين الذين لديهم لغات وآلهة وثقافات خاصة بهم))(14)، الأمر الذي يمثل تهديدا لنمط الحياة الغربية و الهوية الثقافية و الحضارية للشعوب الغربية، مطالبا الغرب بوضع حد للهجرة و العمل على الإدماج الثقافي للأجانب في الثقافة الغربية(15).

	

	

	في هذا الشأن، عبر &quot;كريستوف دوفان&quot; في كتابه &quot;الإمبراطورية و البرابرة الجدد&quot; عن نفس الهاجس عندما قال ((...في الحقيقة أننا ندافع عن مستوى عيشنا...لا يمكن لنا أن نستقبل كل بؤس العالم. التحرك ضد تهديد احتياجاتنا من طرف البرابرة [المهاجرين] ليس عملا أخلاقيا كما تريد أن تقنعنا بعض الضمائر التي تدافع عن التعددية الثقافية. في الواقع نحن نتحرك مثل الرومان أمام تهديد هجمات البرابرة))(16)، وقال &quot;هنري كيسنجر&quot; ((قد نصبح عرضة لهجرات جماعية كالتي حصلت في أواخر الإمبراطورية الرومانية))، أما &quot;جون كلود جييبو&quot; (J.C.Guillebaud)((الشبح الذي يقض مضاجع الحداثة الغربية...[يكمن في] اجتياح المهاجرين الذي سيفجر مجتمعاتنا...ويمحي هويتنا...))(17).

	2- بين الحاجة الاقتصادية والتوجس الأمني:

	يعكس السجال الدائر في الأوساط الأوروبية بشأن موضوع الهجرة موقفين متعارضين: الأول مؤيد، يقر بحاجة أوروبا إلى المهاجرين لتغطية عجزها الديمجرافي و تلبية متطلبات اقتصادياتها، مشيرا إلى أن ممارسة العنصرية ضد الجاليات الأجنبية من شأنها أن تؤدي إلى ردود أفعال متطرفة، و الثاني معارض، يتزعمه التيار اليميني ويرى بأن المهاجرين من أصول إسلامية يمثلون تهديدا للقيم الغربية، مؤكدا على استحالة إدماجهم في المجتمعات الأوروبية، معتبرا بأن عددهم المتزايد يشكل قنبلة ديمجرافية مؤقتة ستنفجر يوما ما على المجتمع الأوروبي وستكون لها عواقب وخيمة.

	ثمة حقيقة غير قابلة للدحض تتمثل في التزايد المطرد لعدد المهاجرين المغاربة إلى أوروبا، رغم السياسات التقييدية الصارمة المنتهجة من طرف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لتثبت خطأ المزاعم و الفرضيات الأوروبية التقليدية القائلة بأن الاقتصاد الأوربي ليس في حاجة إلى يد عاملة أجنبية غير مؤهلة. فالاقتصاد الأوربي كان و لا يزال في حاجة ماسة إلى العمالة الأجنبية رغم أنف السلطات التي تحاول عبثا إخفاء الأمر. فقد جرى في إسبانيا توظيف 90 %من المهاجرين، معظمهم من المغاربة في قطاعات البناء، الفلاحة، الصناعات التحويلية، الخدمات و البيوت، مع الإقرار بخصوصيات كل بلد، وبالتالي التباين في الطلب كما و نوعا: يقدر حجم الهجرة المرتبط غالبا بسوق العمل بـ 45 %في لوكسمبورج و 40 %في المملكة المتحدة، بيد أنه لا يتجاوز 11 %في فرنسا و02.7 %في فنلندا، بينما تضاعف خمس مرات في كل من إسبانيا و إيطاليا خلال السنوات الأخيرة(18)، حيث أصبحت الهجرة (( مصدرا للتنمية و الرخاء ))(19) الأوروبي.

	إن لجوء الدول الأوروبية، لاسيما تلك التي تعرف هجرة مكثفة من حين لآخر إلى تسوية أوضاع الآلاف من المهاجرين في إطار سياسة لم شمل العائلات، كإقدام إيطاليا عام 1990 طبقا لقانون 39/1990 على تسوية 82 ألفاً و 588 مهاجر من أصول مغاربية، وسير إيطاليا على نفس المنوال، إذ وإلى غاية 1992 استفاد 52 ألفاً و 501 مغربياً و أكثر من 03 آلاف جزائري و 222 تونسياً من نفس الإجراء(20)، وكذا استيعاب أعداد مماثلة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يتزايد عددهم باستمرار، يؤكد بجلاء حاجة الاقتصاد الأوروبي الماسة للعمالة الأجنبية تتقدمها الأيدي العاملة الوافدة من الضفة الجنوبية للمتوسط، مع الإشارة إلى أنه يجري حاليا إعادة توزيع/تكييف الطلب على العمالة الأجنبية تماشيا مع متطلبات أسواق العمل الأوروبية.

	

	مقابل حقيقة حاجة الاقتصاد الأوروبي إلى العمالة الأجنبية، ثمة حقيقة مرة مناقضة للأولى تتمثل في العداء المبطن و التمييز المكشوف الذي تعاني منه الجالية المغاربية، لاسيما عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أضحى الوجود الإسلامي في أوروبا محل قلق جماعياً أوروبياً. ففي استطلاع للرأي أجري عام 2002 قال 63 %من الفرنسيين بأن الإسلام الذي أضحى يمثل الديانة الثانية في فرنسا يشكل العدو الأساسي للأخيرة بعد الإرهاب(21). وفي استطلاع مماثل يتعلق بنظرة الأوروبيين إلى الإسلام و المسلمين شمل خمس دول أوربية نشرته &quot;الفايننشال تايمز&quot; في عددها الصادر في 19 أغسطس 2007، أي بعد مرور شهرين على هجمات لندن و جلاسكو اعتبر ما يربو عن 40 %من البريطانيين و 20 %من الفرنسيين بأن الإسلام يشكل تهديدا للأمن الوطني وأعترض 40 %من البريطانيين و الألمان و 18 %من الفرنسيين على زواج أبنائهم وبناتهم بالمهاجرين من أصول عربية و إسلامية(22). وفي معرض إجابته على سؤال يتعلق بالسياسات الأوروبية المتشددة إزاء المهاجرين، قال الرئيس الفرنسي السابق &quot;نيكولا ساركوزي&quot; بأن الأوروبيين هم من يستقبلون ملايين المسلمين وهم وحدهم الذين يتحملون التبعات الخطيرة(23).

	فضلا عن هاجس الإسلام و المسلمين، يجري في بعض الدوائر السياسية، والإعلامية و حتى الأكاديمية الأوروبية الترويج لفكرة مؤداها أن المنطقة العربية و الإسلامية ولودة (سريعة التكاثر) وعصية على التحكم في الولادات، إلى درجة دفعت البعض إلى الحديث عن نموذج زواجي إسلامي يقوم على مبدأ &quot;إنجاب أكبر عدد من الأطفال&quot;.إن ما يشغل بال الدول الأوروبية، لاسيما الجنوبية منها بشأن السياسة الأمنية تجاه دول الضفة الجنوبية للمتوسط هو مشكل مراقبة و تسيير ظاهرة الهجرة غير الشرعية، باعتبار أن الرهان الأوروبي الحالي يكمن في الحيلولة دون تخطي الفارق الديمجرافي رقما إضافيا للهجرة نحو الشمال الذي بدأ يتملكه الخوف من إمكانية تحوله إلى أقلية في عالم يشهد انفجارا ديمجرافيا هائلا، و بالتالي تعرضه لغزو بشري مصدره المناطق الجنوبية المحاذية، الأمر الذي دفع بـ&quot;هيرفي لوبرا&quot; (Herv&eacute; le bras)إلى دق ناقوس الخطر (( يمكن لنا الآن الحديث و دون تحفظ عن &quot;القنبلة الديمجرافية&quot; أو بالأحرى عن عودة البرابرة)). كما ورد في الصفحة الأولى لمجلة &quot;الفيجارو&quot; الفرنسية (Figaro Magazine)وبالبنط العريض تساؤل استفزازي (( هل يمكن أن نكون فرنسيين عام 2025؟))(24).

	لذالك، فلا غرابة إذن من انبعاث وتنامي العنصرية خلال العقدين الأخيرين ضد المهاجرين من أصول مغاربية، إذ أن معظم الفرنسيين (ما بين 65 و 75 %) الذين تأوي بلادهم حوالي ثلاثة أرباع من المهاجرين المغاربة يعتقدون بإن وجود العرب في فرنسا مبالغ فيه (trop d&rsquo;arabes)، وأن مستقبل العلاقة بين المجتمع الفرنسي و الأجانب سيزداد حدة. وتكشف الممارسات العنصرية اليومية التي تتعرض لها الجالية المغاربية في أوروبا جملة من الحقائق المخيفة، من بينها أن كراهية الأجانب أضحت واقعا اجتماعيا وليس مجرد ظاهرة عرضية(25)، و أصبحت الهجرة موضوعا دسما لخطاب سياسي جاهز يجري توظيفه من طرف الأحزاب و التيارات اليمينية المتطرفة من أجل توسيع قاعدتها الانتخابية من خلال اللعب على وتر خطر الأجانب على الكيان الأوروبي.

	يمكن القول إن الدول الأوروبية التي وقعت في تناقضات وجدت نفسها حائرة بين السياسات التقييدية إزاء الهجرة لكونها مهددة لسيادتها و أمنها القومي من جهة وسياسات التسوية التي تتجاوز إطار الدولة القومية من جهة أخرى باعتبار أن الهجرة ظاهرة عالمية، حيث يقدر عدد المهاجرين في العالم نحو 200 مليون مهاجر، أي بنسبة 03 %من سكان المعمورة(26). لذلك فإن أي تعاط مع ظاهرة الهجرة الدولية بمعزل عن سياقها الزمكاني مآله الفشل.

	من جهته، خصص إعلان برشلونة الموقع من طرف 27 دولة في قسمه الثالث المعنون بـ &quot;الشراكة في المجالات الاجتماعية، والثقافية و الإنسانية حيزا معتبرا لظاهرة الهجرة غير الشرعية. بيد أن ما يلاحظ على هذا الإعلان هو إضفائه للبعد الأمني في معالجته لتحدي الهجرة غير الشرعية التي اعتبرها جريمة، مصنفا إياها ضمن الأخطار العابرة للحدود، مما يجعل من عملية برشلونة ((أميل إلى أن تكون &quot;بناء أمن&quot; (order -building)من كونها &quot;بناء ثقة&quot; أو بالأحرى &quot;بناء شراكة&quot; (Partenership-building)))(27).

	تمثل دول المغرب العربي وعلى رأسها الجزائر، والمغرب و تونس النموذج الأكثر جلاء للديناميكية الديمجرافية النشطة التي أضحت تثير مخاوف الدول الأوروبية، لاسيما فرنسا، وإيطاليا و إسبانيا؛ لعوامل موضوعية يتقدمها الجوار الجغرافي. فالأوربيون يدركون تمام الإدراك الاختلال الديمجرافي المتواصل بين الجنوب والشمال الذي يقف - رغم ما يتوافر عليه من تكنولوجيا- عاجزا عن إيجاد الحلول للنزيف السكاني، وتخوفهم نابع من عدم قدرة دول المغرب العربي على التحكم في السيول البشرية الزاحفة نحو الضفة الشمالية للمتوسط؛ لأسباب كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، الأمر الذي يشكل تهديدا على المديين المتوسط و المنظور لكيان و أمن القارة العجوز التي تسير بخطى ثابتة نحو الشيخوخة.

	تتجلى مخاوف الدول الأوروبية من الهجرة المغاربية على الخصوص فيما يلي(28):

	- التزامن بين ظاهرتي الهجرة و الإرهاب اللتين تعرفان انتشارا مكثفا وتصنفان ضمن المخاطر الرئيسية الجديدة المؤرقة للمجتمع الدولي المعاصر وتحظيا - باعتبارهما ظاهرتين عالميتين- باهتمام منقطع النظير من طرف السياسة الدولية. فالمهاجرون المغاربة قد يتحولون - من وجهة نظر الأوروبيين- في أية لحظة إلى معاول إرهابية تزرع الرعب و الفزع في المجتمعات الغربية التي تتمتع بالأمن والاستقرار (الربط بين الهجرة و الإرهاب).

	- تركز الأقليات المهاجرة في ضواحي المدن الأوروبية وتشكيلها ما يعرف بمدن الأكواخ (Bidonvilles)التي تمثل مصدرا للفوضى، واللاأمن والأوبئة (السيدا، المخدرات، تبييض الأموال...). لذلك فلا غرابة أن يصل الأمر إلى حد تجريم الهجرة التي أضحت منذ العقد الأخير من القرن المنصرم مصنفة ضمن الجرائم العابرة للحدود شأنها في ذلك شأن ما يعرف بالإرهاب الدولي. و يعتبر المهاجرون السريون الفئة الأكثر استهدافا من طرف الأجهزة الأمنية الأوربية التي تسهر على رصد تحركاتهم، وتعمل على وضعهم رهن الاعتقال في المحاجر الصحية المنتشرة على الحدود الأوروبية في انتظار إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

	- تمسك أغلب الجاليات المغاربية بهويتها الثقافية و الدينية وما تمثله من خطر على القيم الغربية، لاسيما في ظل انتشار ظاهرة الزواج المختلط، مما دفع بالتيار اليميني المتمسك بمبدأ استحالة اندماج المغاربة في الثقافة الأوروبية إلى المطالبة بإعادتهم إلى أوطانهم الأصلية باعتبارهم يشكلون نقطة التماس بين منظومتين ثقافيتين متباينتين(29).

	- التأثير السلبي على سوق العمل من خلال المنافسة الشديدة بين العمالة المغاربية الرخيصة و العمالة الأوربية المترفعة - من باب الاستعلاء- عن ممارسة ما يعرف بالوظائف &quot;القذرة&quot;، مما يؤدي إلى اتساع حجم البطالة في صفوف المجتمع الأوروبي. ولعل هذا ما دفع السلطات الفرنسية في يوليو 2011 إلى اتخاذ قرار يقضي بتقليص قائمة المهن المسموح شغلها من طرف المهاجرين الشرعيين من غير الأوربيين بنسبة 50 %، حيث تراجعت من 30 مهنة إلى 15 فقط، و هذا بهدف تقليص عدد العمالة الأجنبية وعلى رأسها المغاربية، والمقدرة بـ 20 ألف سنويا إلى النصف(30).

	لذلك فإن لجوء أوروبا منذ السبعينيات من القرن الماضي إلى إعادة النظر في سياساتها ذات الصلة بموضوع تنقل الأشخاص عبر الحدود تزامنا مع استفحال ظاهرة الهجرة السرية و المتمثلة على الخصوص في غلق الحدود و تقديم المساعدة من أجل العودة و التي أثبتت محدوديتها، تنطوي على عنصر مهم لا يمكن إغفاله يتمثل في الهاجس الأمني الذي أضحى يخيم على أوروبا خلال العقود الأخيرة. يقول الباحث بشارة خضر في هذا الشأن (( إن وراء إجراءات المراقبة و الحراسة المقترحة و المتبناة من قبل السلطات الأوروبية و السياسات التقييدية المتخذة من قبل الدول الأعضاء، شاغل أمني مضمر في كامل المقاربة الأوروبية لمسألة الانتقال الحر، خاصة بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001))(31).

	ثالثا: تأثير أوربا الموسعة على تدفق المهاجرين المغاربة إلى أوروبا:

	أعادت الأحداث المشهدية التي عرفها العالم مع نهاية القرن العشرين (سقوط جدار برلين، انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، تهاوي المنظومة الاشتراكية...) النظام الدولي السائد ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى نقطة الصفر و فسحت المجال واسعا أمام إمكانية عودة أوروبا للأوربيين. و بالفعل منحت قمة &quot;كوبنهاجن&quot; (12 و 13 ديسمبر/كانون الأول 2002) الضوء الأخضر لثماني دول من وسط و شرق أوروبا للانضمام إتباعا إلى الاتحاد الأوروبي(32)، واضعة بذلك حدا لانقسام أوروبا الذي أقره مؤتمر يالتا وزكته الحرب الباردة.

	مما لا ريب فيه أن تجسيد الحلم الأوروبي (أوروبا الموسعة و الموحدة) من خلال رغبة الأوربيين في الانضواء تحت سقف واحد له ما يبرره، لكنه في المقابل وضع الأعضاء سواء القدماء أو الجدد أمام تحديات كبيرة على المستويين الداخلي و الخارجي، لاسيما فيما يتصل بالتداعيات المحتملة للتوسع الأوروبي على حركة تفاعله مع البيئة الخارجية، وخصوصا دول المغرب العربي التي تربطها ببعض أعضائه علاقات تاريخية من الصعب القفز عنها.

	إن ما يهمنا في هذا المقام هو مدى تأثير أوروبا الموسعة في حركة تدفق المهاجرين المغاربة إلى أوروبا في ظل الحديث الجاري بشأن إمكانية أن تشكل عمالة وسط و شرق أوروبا وبالأحرى الأعضاء الجدد للاتحاد الأوروبي بديلا عن العمالة المغاربية غير المرغوب فيها، و هو ما أضحى يثير مخاوف بعض الدول المتوسطية و على رأسها الجزائر، وتونس و المغرب. بيد أن إثبات أو نفي الفرضية التي مؤداها أن مهاجري وسط و شرق أوروبا يشكلون بديلا للمهاجرين المغاربة إلى أوروبا مرتبط برصد التطور الديمجرافي في أوروبا الموسعة عموما وفي وسط و شرق أوروبا تحديدا مقارنة بنظيره الحاصل في دول المغرب العربي.

	1- التطور الديمجرافي في أوروبا الموسعة:

	تشير مختلف المعطيات الإحصائية ذات الصلة بمسار التطور الديمغرافي في أوروبا بشكل عام إلى أن الأخيرة تعرف منذ خمسينيات القرن المنصرم تراجعا سكانيا رهيبا و تسير تدريجيا و بشكل مخيف نحو الشيخوخة التي أضحت تكتسي بعدا عالميا، حيث تفيد التوقعات الإحصائية بأن كل الدول و في جميع مناطق المعمورة - باستثناء إفريقيا بما في ذلك دول المغرب العربي- ستتعرض لظاهرة الشيخوخة الجماعية التي لم يتعود عليها الإنسان عبر مختلف مراحل التطور البشري(33). وتتجلى شيخوخة أوروبا الموسعة في تقلص عدد سكان القارة العجوز بما في ذلك روسيا، وأوكرانيا، وبيلاروسيا، و مولدافيا من 25 %من عدد سكان العالم عام 1914 إلى 12 %و لم يعد يمثل سكان الاتحاد الأوروبي -حسب إحصائيات 2004- سوى 6.2 %من مجموع سكان المعمورة(34).

	كما اختل الميزان لصالح الوفيات (8.1 مليون) على حساب الولادات (7.3 مليون) التي لم تعد قادرة على سد الفجوة التي تزداد اتساعا. ففي إسبانيا -على سبيل المثال- بلغ عدد الوفيات عام 1998 نحو 357 ألفاً و 150 حالة وفاة مقابل 346 ألفاً و427 حالة ولادة. فضلا عن أن مؤشر الخصوبة في أوروبا عموما أضحى دون مستوى تعويض الوفيات: إذا كانت السويد تمثل أعلى نسبة (1.8 طفل للمرأة الواحدة) فإن اسبانيا تحتل ذيل الترتيب (1.1 طفل للمرأة الواحدة)، الأمر الذي يثير قلق و مخاوف الأوروبيين في ظل غياب معطيات حصول استعادة متسارعة لعدد الولادات لتجاوز الأزمة، حيث تفيد معظم الدراسات الاستشرافية بأن الأشخاص البالغين 60 سنة سيشكلون 34 %من مجموع سكان أوروبا في حدود عام 2050 وأن عدد سكان إسبانيا -على سبيل المثال- المقدر بـ 44 مليون نسمة عام 2008 سيتقلص إلى 39 مليون نسمة خلال نفس الفترة (عام 2050)(35). فنسبة النمو الديمجرافي التي ظلت إيجابية إلى غاية نهاية القرن العشرين بدأت مع مطلع القرن الحادي و العشرين تسير في الاتجاه السلبي (لمزيد من التفاصيل انظر الجدول رقم1).

	

	جدول رقم 1: توقعات نسبة النمو الديمجرافي في الضفة الشمالية للمتوسط (1990-2030)

	

	
		
			
				
					الدولة
			
			
				
					1990-1995
			
			
				
					1995-2000
			
			
				
					2005-2010
			
			
				
					2025-2030
			
		
		
			
				
					فرنســا
			
			
				
					0,48
			
			
				
					0,48
			
			
				
					0,23
			
			
				
					0.03
			
		
		
			
				
					إيطاليــا
			
			
				
					0.07
			
			
				
					0.02
			
			
				
					-0,18
			
			
				
					-0,39
			
		
		
			
				
					إسبانيــا
			
			
				
					0,09
			
			
				
					0,05
			
			
				
					-0,05
			
			
				
					-0,22
			
		
		
			
				
					اليونــان
			
			
				
					0,71
			
			
				
					0,45
			
			
				
					-0,01
			
			
				
					-0,18
			
		
		
			
				
					البرتغـال
			
			
				
					0
			
			
				
					0,01
			
			
				
					0
			
			
				
					-0,06
			
		
	


	

	

	المصدر:(بالتصرف) G&eacute;rard claude, op cit, p 20

	إذا كان البعض يعتقد بأن الخلل الديمجرافي في أوروبا لن يؤثر كثيرا على المدى القريب على النشاط الاقتصادي إلا أنه ستكون له على المديين المتوسط و المنظور عواقب وخيمة، لاسيما في ظل التقلص المستمر و المنتظم لشريحة الشباب (أقل من 18 سنة)، فهي لا تتجاوز 20 %في إسبانيا، و18 %في إيطاليا و 23 %في فرنسا(36)، فهذا يدل على أن أوروبا تمر بظاهرتين متلازمتين لكنهما متناقضتين تتمثلان في تنامي عدد كبار السن مقابل تناقص عدد الشباب، الأمر الذي يعني أن ثمة تداعيات خطيرة قد تترتب عن الخلل المسجل على مستوى هرم الأعمار في أوروبا.

	أما بالنسبة للتطور الديمجرافي في دول وسط و شرق أوروبا التي يفترض أن تلعب دور المنقذ وتحول دون شيخوخة أوروبا، فإن علماء المسح السكاني يشيرون إلى أن وضعها لا يختلف كثيرا عن باقي الدول الأوروبية: ارتفع عدد الدول المسجلة لنمو سكاني سلبي من دولتين (بلغاريا وهنجاريا) من أصل عشر دول خلال الفترة ما بين 1985 و 1990 إلى ثماني دول إبان الحقبة ما بين 1995 و 1999 (أنظر الجدول رقم2).

	

	جدول رقم 2: تطور النمو السكاني السنوي لدول وسط وشرق أوروبا (1985-2010)

	

	
		
			
				
					
				
					الرقم
			
			
				
					
				
					الدولــــة
			
			
				
					الفترة
			
			
				
					الفترة
			
			
				
					المتوقع
			
		
		
			
				
					1985-1990
			
			
				
					1995-1999
			
			
				
					2005-2010
			
		
		
			
				
					01
			
			
				
					بلغاريا
			
			
				
					-0.51 %
			
			
				
					-0.58 %
			
			
				
					-0.7 %
			
		
		
			
				
					02
			
			
				
					تشيكا
			
			
				
					0.50 %
			
			
				
					-0.13 %
			
			
				
					-0.3 %
			
		
		
			
				
					03
			
			
				
					استونيا
			
			
				
					0.40 %
			
			
				
					-0.17 %
			
			
				
					-0.5 %
			
		
		
			
				
					04
			
			
				
					هنجاريا
			
			
				
					-0.41 %
			
			
				
					-0.40 %
			
			
				
					-0.4 %
			
		
		
			
				
					05
			
			
				
					لاتفيا
			
			
				
					0.38 %
			
			
				
					-0.84 %
			
			
				
					-0.7 %
			
		
		
			
				
					06
			
			
				
					ليتوانيا
			
			
				
					0.97 %
			
			
				
					-0.11 %
			
			
				
					-0.1 %
			
		
		
			
				
					07
			
			
				
					بولندا
			
			
				
					0.49 %
			
			
				
					0.04 %
			
			
				
					0.0 %
			
		
		
			
				
					08
			
			
				
					رومانيا
			
			
				
					0.42 %
			
			
				
					-0.25 %
			
			
				
					-0.3 %
			
		
		
			
				
					09
			
			
				
					سلوفاكيا
			
			
				
					0.34 %
			
			
				
					0.30 %
			
			
				
					0.0 %
			
		
		
			
				
					10
			
			
				
					سلوفينيا
			
			
				
					0.25 %
			
			
				
					-0.06 %
			
			
				
					-0.2 %
			
		
		
			
				
					المجمـــــوع
			
			
				
					0.29 %
			
			
				
					-0.15 %
			
			
				
					
			
		
	


	

	المصدر: بشارة خضر، مرجع سابق، ص 122. (بالتصرف)

	

	إذا كان الخلل الديمجرافي في دول وسط و شرق أوروبا أقل وطأة مقارنة بنظيره في الاتحاد الأوروبي فإن الطرفين يشتركان في هاجسين: الأول، يكمن في انحسار الفئة العمرية لشريحة الأطفال (0-14 سنة) التي تقلصت بالنسبة للطرف الأول من 23.24 %عام 1985 إلى 18.06 %عام 1999 مقابل ارتفاع فئة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة التي انتقلت من 10.69 %إلى 13.34 %خلال نفس الفترة، و الثاني، يتمثل في الهبوط الحاد لمستوى الخصوبة المحسوب على أساس عدد الأطفال للمرأة الواحدة، إذ تقلص مستوى الإنجاب في دول وسط وشرق أوروبا من 2.5 %عام 1985 إلى 1.26 %عام 1999(37.

	ويمكن القول أن الخريطة الديمجرافية لدول وسط و شرق أوروبا لا تختلف كثيرا عن خريطة الاتحاد الأوروبي، لاسيما من حيث التراجع الرهيب للنمو السكاني، والتزايد المتسارع للشيخوخة وانحسار شريحة الأطفال و الشباب.

	2- التطور الديمجرافي في المغرب العربي:

	إلى غاية سبعينيات القرن الماضي ظل سكان المغرب العربي تحديدا و الوطن العربي عموما مصنفين ضمن الشعوب الأكثر إنجابا والأكثر رفضا لتحديد النسل المعتمدة في معظم دول العالم؛ وهذا بفعل تداخل عوامل مختلفة (الدين الإسلامي، الزواج المبكر، تدني المستوى الثقافي، ضعف النشاط الاقتصادي...). بيد أن الأمر لم يعد كذلك خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي عرفت تباطؤا ملحوظا في النمو الديمجرافي، لاسيما على مستوى المناطق الحضرية، حيث أضحى متوسط العائلة المغاربية يتقلص تدريجيا (الانتقال من العائلة الكبيرة الحجم إلى العائلة الصغيرة الحجم)(38). و تفيد بعض الدراسات بأن معدل الخصوبة الذي قدر خلال الفترة (1990-1995) بـ 4.3 %في الجزائر، 3.83 %في المغرب، 3.8 %في تونس و 6.39 %في ليبيا سيتقلص خلال الفترة (2025-2030) على التوالي إلى 2.11 %، 2.13 %، 2.11 %و 2.98 %، ويعوز البعض ذلك إلى عدة أسباب (تحديث الأسرة، تأجيل سن الزواج...)(39).

	إذا كانت دول المغرب العربي و الدول الأوروبية تشترك في سمة تراجع النمو السكاني الأقل حدة مع تسجيل تفاوت ملحوظ بين المدن و الأرياف بالنسبة للأولى والأكثر وطأة دون وجود تمييز بين المناطق الحضرية و الريفية بالنسبة للثانية، فإن المسألة ليست كذلك فيما يتعلق بمستوى النمو و حجم الشرائح العمرية، حيث يلاحظ انقلاب في المسارات، في الوقت الذي يتميز فيه الوضع الديمجرافي في الدول الأوروبية بتلازم بين انحدار العدد الإجمالي، وتقلص في شريحة الشباب و اتجاه نحو الشيخوخة، تعرف دول المغرب العربي تزايدا في العدد الإجمالي وإن بدرجة أقل عما كان عليه الحال. فالمفارقة التي تبدو جلية في الجدولين رقمي 2 و 3 تكمن في أن منحنى النمو السكاني لدول الضفة الجنوبية للمتوسط تسير وإن بصورة بطيئة في اتجاه تصاعدي، بينما يأخذ مسارا هبوطيا بالنسبة لدول الضفة الشمالية.

	

	

	جدول رقم 3: توقعات نسبة النمو الديمجرافي في دول المغرب العربي (1990-2030)

	

	
		
			
				
					الدولة
			
			
				
					1990-1995
			
			
				
					1995-2000
			
			
				
					2005-2010
			
			
				
					2025-2030
			
		
		
			
				
					المغـرب
			
			
				
					02
			
			
				
					1,81
			
			
				
					1,59
			
			
				
					01
			
		
		
			
				
					الجزائـر
			
			
				
					2,36
			
			
				
					2,19
			
			
				
					1,87
			
			
				
					1,17
			
		
		
			
				
					تونــس
			
			
				
					2,24
			
			
				
					2,05
			
			
				
					1,56
			
			
				
					1,05
			
		
		
			
				
					ليبيــا
			
			
				
					3,49
			
			
				
					3,36
			
			
				
					3,11
			
			
				
					2,03
			
		
		
			
				
					موريتانيا
			
			
				
					/
			
			
				
					/
			
			
				
					/
			
			
				
					/
			
		
	


	

	المصدر:(بالتصرف) G&eacute;rard claude, op cit, p 20

	

	في الوقت الذي سيرتفع فيه عدد سكان كل من الجزائر و المغرب -على سبيل المثال- البالغ على التوالي 31 و 29.2 مليون نسمة عام 2001 إلى نحو 49.9 بالنسبة للأولي و 45.24 مليون نسمة بالنسبة للثانية في حدود عام 2030، فإن عدد سكان إيطاليا وإسبانيا المقدر على التوالي بـ 57.8 و 39.8 مليون نسمة سنة 2001، سيتقلص في حدود نفس الحقبة (2030) إلى 53.66 مليون نسمة بالنسبة للأولى و 37.75 مليون نسمة بالنسبة للثانية (انظر الجدول رقم 4)، فضلا عن حضور ملحوظ لعنصر الشباب بالنسبة لدول المغرب العربي، فهم يشكلون نسبة معتبرة من التعداد السكاني العام للمنطقة (42 %بالمغرب و45 %بالجزائر)(40)، مما انعكس إيجابيا على حجم الفئة السكانية المغاربية النشطة.

	 جدول رقم 04: توقعات تطور عدد سكان(*) الضفتين الشمالية و الجنوبية للمتوسط

	

	
		
			
				
					الدولة
			
			
				
					2001
			
			
				
					2010
			
			
				
					2030
			
		
		
			
				
					شمال المتوسط
			
		
		
			
				
					فرنســا
			
			
				
					60
			
			
				
					60.69
			
			
				
					62.66
			
		
		
			
				
					إيطاليــا
			
			
				
					57.8
			
			
				
					58.82
			
			
				
					53.66
			
		
		
			
				
					إسبانيــا
			
			
				
					39.8
			
			
				
					39.06
			
			
				
					37.75
			
		
		
			
				
					اليونــان
			
			
				
					10.9
			
			
				
					10.75
			
			
				
					10.44
			
		
		
			
				
					البرتغـال
			
			
				
					10
			
			
				
					9.86
			
			
				
					9.79
			
		
		
			
				
					جنوب المتوسط
			
		
		
			
				
					المغـرب
			
			
				
					29.2
			
			
				
					35.95
			
			
				
					45.24
			
		
		
			
				
					الجزائـر
			
			
				
					31
			
			
				
					38.39
			
			
				
					49.9
			
		
		
			
				
					تونــس
			
			
				
					9.7
			
			
				
					11.86
			
			
				
					14.99
			
		
		
			
				
					ليبيــا
			
			
				
					5.2
			
			
				
					8.8
			
			
				
					14.39
			
		
	


	

	 (*)- بالملايين.

	 المصدر:(بالتصرف) G&eacute;rard claude, op cit, p 19

	

	يلاحظ مما سبق، أن ثمة تفاوتاً إن لم نقل تناقضاً ملحوظاً فيما يتعلق بالوضع الديمجرافي بين كل من الدول المغاربية و الدول الأوروبية، و يظهر ذلك على مستويين: الأول، عددي، ويبرز بشكل لافت للانتباه من خلال المقارنة بين إيطاليا التي يقدر فيها معدل الخصوبة بـ 1.3 ومستعمرتها السابقة (ليبيا) التي يصل فيها إلى 4 ولادات، مما يعني - في حالة ثبات نفس العوامل- أن عدد سكان الثانية سيتضاعف خلال ألـ 25 سنة المقبلة، فيما سيتقلص عدد سكان الأولى بنسبة 06 %خلال نفس الحقبة، و الثاني، بنيوي، حيث إن متوسط العمر في بلدان المغرب العربي لا يتجاوز 22 سنة، فيما يتراوح في الدول الأوروبية ما بين 33 و 35 سنة(41).

	إن الخلل الديمغرافي الواضح بين الضفتين الشمالية و الجنوبية اللتينلا تفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات سيعزز من حدة التناقضات بين طرفين: الأول، متقدم منغلق على نفسه ويسير نحو الشيخوخة و الثاني، متخلف لكنه أكثر حيوية (طغيان عنصر الشباب) ويبحث عن آفاق جديدة من خلال رغبته و إصراره على الهجرة إلى الشمال بحثا عن لقمة العيش، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن أن تساهم الهجرة المغاربية في حل مشكل التعايش السلمي بين شعوب ضفتي المتوسط من خلال تصدير الفائض السكاني للجنوب إلى الشمال؟ وهل تشكل الهجرة من وسط و شرق أوروبا في إطار أوروبا الموسعة بديلا عن الهجرة المغاربية في ظل تزايد الكراهية و العنصرية للعرب و المسلمين عموما و المغاربة تحديدا، لاسيما عقب أحداث 11 سبتمبر 2001؟

	3- تقدير تأثير أوروبا الموسعة على الهجرة المغاربية إلى أوروبا:

	في ظل الجدل الذي تثيره الهجرة المغاربية في أوروبا طفت إلى السطح أطروحتان مختلفتان لكنهما متكاملتان، تستند الأولى على خيار &quot;الهجرة صفر&quot; القاضي بصد كل الأبواب في وجه الوافدين الجدد من شمال إفريقيا، و الثانية على افتراض مؤداه أن الهجرة الشرقية (المهاجرون الوافدون من وسط و شرق أوروبا في إطار أوروبا الموسعة) تشكل البديل الأمثل للهجرة المغاربية.

	يفيد التقرير الخاص بالتقسيم الديمغرافي الصادر عن الأمم المتحدة الذي نزل كالصاعقة على مختلف الأوساط الأوروبية المناوئة للهجرة بأن أوروبا في حاجة إلى 47.5 مليون مهاجر إلى غاية عام 2050 للحفاظ على التوازن (04 إلى 05 حالات نشطة مقابل حالة تقاعد واحدة). فألمانيا - على سبيل المثال- وكما ورد على لسان &quot;يورجان فايزه&quot; رئيس الفيدرالية الاتحادية للعمل تعاني حاليا من عجز في سوق العمل يقدر بمليون منصب شغل، موضحا بأن اقتصاد بلاده في حاجة ماسة إلى ما لا يقل عن 07 ملايين منصب شغل مع حلول سنة 2025، و أن عدم تلبية الشركات الألمانية لحاجياتها في هذا المجال سيدفع بها إلى الانتقال إلى حيث تتوافر الأيدي العاملة(42) أسوة بما فعلته بعض الشركات الأمريكية بتحويل ورشات نشاطها إلى الصين أين تتوفر العمالة بشكل كاف و رخيص. ويشير التقرير - بعيدا عن الهجرات البديلة- إلى تطورين محتملين ستشهدهما أوروبا: الأول، يكمن في أنها ستفقد نحو 30 مليون مع حلول سنة 2025 في حالة استمرار تدهور معدل الولادات مع الزيادة في حجم شريحة المسنين، و الثاني، تقلص فئة السكان النشطة لأسباب مختلفة، الأمر الذي يعني أن أوروبا ستجد نفسها -أكثر من أي وقت مضى- ملزمة باللجوء إلى الأيدي العاملة الأجنبية لسد العجز المسجل.

	أ- خيار &quot;الهجرة صفر&quot;: فيما يتعلق بخيار &quot;الهجرة صفر&quot; الرامي إلى منع دخول المهاجرين الأجانب، و على رأسهم المغاربة إلى الأراضي الأوروبية من خلال اتخاذ إجراءات تقييدية صارمة، والذي دعت إليه بعض الدوائر السياسية و الإعلامية المحسوبة على التيارات المتطرفة و المعروفة بعدائها للعرب و المسلمين، فقد أثبت بمرور السنين فشل تجسيده على أرض الواقع؛ لكونه يتنافى مع عدة معطيات موضوعية، لعل أهمها:

	- ديناميكة الفضاء المتوسطي بحكم خصوصيات الحدود الطبيعية المفتوحة (صعوبة التحكم في الحدود).

	- استحالة القفز عن الحقائق التاريخية، الاجتماعية و الاقتصادية السائدة في الفضاء المتوسطي.

	- إجراءات التسوية التي أقرتها العديد من الدول الأوروبية (إيطاليا، إسبانيا، فرنسا...) لفائدة المهاجرين.

	- إعطاء الضوء الأخضر لطالبي اللجوء السياسي، من أجل الدخول و الإقامة في الأراضي الأوروبية.

	- تشجيع النخب الثقافية (باحثون، أطباء، مهندسون...) و المالية (رجال الأعمال، أصحاب الثروات...) على الهجرة و المكوث في أوروبا (الهجرة الانتقائية).

	ب- خيار &quot;الهجرة الشرقية&quot;: غداة الإعلانعن توسيع الاتحاد الأوروبي عام 2004 كان عدد جاليات وسط و شرق أوروبا المقيمة في الاتحاد لا يتجاوز المليون شخص من بينهم 350 ألف عامل، أي بما يمثل 0.29 %من تعداد السكان العام المقدر بـ 387 مليون نسمة و 0.12 %من حجم العمالة دون الأخذ بعين الاعتبار المهاجرين المقيمين بطريقة غير شرعية. ويرى البعض بأنه و حتى لو تم احتساب تعداد المهاجرين السريين فإن ثمة تهويلاً و مبالغة فيما يخص الزحف البشري القادم من وسط و شرق أووربا، فضلا عن أن ثلاثة أرباع من هؤلاء المهاجرين قرروا الاكتفاء بالإقامة في البلدان المحاذية، لاسيما في ألمانيا و النمسا(43). و على الرغم من توافر العناصر الدافعة لمهاجري الشرق إلى التوافد على الغرب وهي شبيهة إلى حد كبير بمثيلاتها القابعة وراء الهجرة المغاربية، إلا أن حجم الهجرة الشرقية سيظل بسيطا مقارنة بنظيرتها المغاربية، وذلك يعود إلى عدة أسباب، أهمها(44):

	- القيود المؤقتة المفروضة من طرف الاتحاد الأوروبي القاضية بأن إطلاق حرية تنقل الأشخاص لن يتم إلا بعد مرور 05 إلى 07 سنوات على قرار الانضمام إلى الاتحاد.

	- الاندماج التدريجي لاقتصاديات دول وسط وشرق أوروبا المنضوية حديثا إلى الاتحاد، مما يقلص من حجم الهجرة الشرقية.

	- ضعف ديناميكية تنقل الأشخاص في وسط و شرق أوروبا لأسباب مختلفة (اجتماعية، ثقافية، لغوية...) مقارنة بالمنطقة المغاربية، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن نسبة قليلة فقط من سكان وسط وشرق أوروبا تحدوها رغبة في الهجرة داخل الاتحاد.

	- إعطاء الأولوية للنشاطات الموسمية/المؤقتة على المناطق الحدودية.

	- تنامي الأزمة الديمجرافية في دول وسط وشرق أوروبا (انحدار معدل الخصوبة، تقلص فئة الشباب على حساب اتساع شريحة كبار السن...).

	يتضح من خلال هذه الأسباب و غيرها أن الهجرة الشرقية لا يمكنها تغطية العجز الديمجرافي للاتحاد الأوروبي، لاسيما الفئة النشطة، و بالتالي وفي ظل الفشل الذريع في تطبيق خيار &quot;الهجرة صفر&quot; لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تشكل بديلا للهجرة المغاربية التي ستظل على امتداد العقود القادمة المصدر الرئيسي للأيدي العاملة للاتحاد الأوروبي؛ وذلك بحكم أن الوضع الديمجرافي في المنطقة المغاربية أفضل بكثير من نظيره في دول وسط وشرق أوروبا المنضوية حديثا إلى الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الحقائق التاريخية، الاجتماعية، والاقتصادية والجغرافية التي من الصعب القفز عليها.

	

	الخاتمـــة:

	يمكن القول في الأخير بإن الهجرة المغاربية إلى أوروبا كجزء من الهجرة العالمية ذات البعد الدولي و التي ليست في الواقع سوى انعكاس لمعطيات تاريخية، واقتصادية، وجغرافية و ثقافية من الصعب على أي عاقل القفز عليها، أضحت منذ العقود الأخيرة تشكل - من وجهة نظر الغرب عموما و أوروبا تحديدا، باعتبارها من الأخطار الجديدة العابرة للحدود، لاسيما في ظل بروز مدلول الأمن الاجتماعي- خطرا على القيم الثقافية و الهوية الغربية وتاليا على الأمن و الكيان الأوروبي.

	إن تركيز أوروبا على المقاربة الأمنية و اعتمادها على سياسات تقييدية صارمة في التعاطي مع معضلة التدفقات البشرية الوافدة بطرق غير شرعية من الضفة الجنوبية للمتوسط، وانبعاث هستيريا الكراهية و العنصرية المستهدفة للجالية المغاربية المقيمة على الأراضي الأوروبية، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تندرج ضمن سياق دولي جديد قوامه البحث عن العدو البديل، من خلال نقل معادلة الصراع من (شرق/غرب) إلى (شمال/جنوب) أو بالأحرى جعل الإسلام و المسلمين العدو الرئيسي القادم للغرب، و هذا ما عكسته العديد من الأدبيات السياسية الغربية الحديثة (صدام الحضارات، نهاية التاريخ...).

	رغم إقرار الدراسات الأكاديمية بمسألة العجز الديمجرافي لأوروبا وسيرها البطيء لكنه حتمي نحو الشيخوخة (النمو السكاني السلبي، وانحدار معدل الخصوبة، و تقلص شريحة الشباب...) في ظل غياب الحلول العملية، و بالتالي حاجة الاقتصاد الأوروبي المتنامية للأيدي العاملة الأجنبية، إلا أن الخطاب السياسي الأوربي غالبا ما يلتزم الصمت إزاء هذه الحقائق، بل إن الأمر دفع ببعض الدوائر السياسية و الإعلامية و حتى العلمية إلى القول بأن الاقتصاديات الأوروبية ليست في حاجة إلى عمالة أجنبية غير مؤهلة، و أنه يمكن وضع خيار &quot;الهجرة صفر&quot; (Immigration z&eacute;ro)حيز التنفيذ، و اللجوء عند الضرورة إلى العمالة الشرقية في إطار أوروبا الموسعة لسد العجز الديمجرافي. بيد أن الواقع أثبت فشل تطبيق الخيار الأول و محدودية الخيار الثاني، مما يعني أن الهجرة المغاربية ستظل -على الأقل خلال العقود القليلة القادمة- المصدر الرئيسي للعمالة الأجنبية في أوروبا.

	

	المراجع و الهوامـــش

	

	(1)-Bichara Khader, le monde arabe expliqu&eacute; &agrave; l&rsquo;Europe, l&rsquo;Harmattan, CERMAC, paris, 2009, p 441.

	(2)-برايان وايت، ريتشارد ليتل و مايكل سميث، قضايا في السياسة العالمية، ترجمة و نشر: مركز الخليج للأبحاث، الإمارات العربية المتحدة، 2004، ص ص 229، 231.

	(3)- عمار جفال، العلاقات بين المغتربين و دولهم الأصلية: حالة الجزائر، مداخلة ضمن الملتقى الدولي حول الجزائر و الأمن في المتوسط واقع وآفاق، المنظم يومي 29 و 30 أفريل 2008 بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة منتوري - قسنطيمة، الجزائر، 2008، ص 174.

	(4)-Bichara Khader, op cit, p 441-456

	(5), (6)-G&eacute;rard Claude, Migrations en M&eacute;diterran&eacute;e, Ellipses, paris, France, 2002, p75.

	(7)- سمير عياد، الهجرة في المجال المتوسطي: العوامل و السياسات، مداخلة ضمن الملتقى الدولي حول الجزائر و الأمن في المتوسط واقع وآفاق، مرجع سابق، ص 226.

	(8)- Christophe Bertossi, Migration: un monde de migration en &eacute;volution constante, dans rapport annuel de l&rsquo;institut fran&ccedil;ais des relations internationales, ann&eacute;e 2011, IFRI, 2011, p 61.

	(9)- برايان وايت، ريتشارد ليتل و مايكل سميث، مرجع سابق، ص 229.

	(10)، (11)- محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت 2007، ص ص 98، 90.

	(12)- فرانسيس فوكاياما، نهاية التاريخ و خاتم البشر، ترجمة: حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة و النشر، القاهرة، 1193، ص 243.

	(13)، (14)، (15)- محمد سعدي، مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2006، ص ص 119، 120.

	(16)- محمد سعدي، نفس المرجع، ص 73.

	(17)- محمد سعدي، نفس المرجع، ص 75.

	(18)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 104.

	(19)- Thierry de Montbrial et Philippe Moreau Defarges, Politiques d&rsquo;immigration: r&eacute;sultats, dilemmes, avenirs, Rames 2011, rapport annuel de l&rsquo;institut fran&ccedil;ais des relations internationales (IFRI), 2010, p 71.

	(20)-Bichara khader, op cit, p p 448, 449.

	(21)-Jean francois bureau, l&rsquo;&eacute;tranger dans le champ de vision des fran&ccedil;ais, politique &eacute;trang&egrave;re, janvier 2002, IFRI, p 904.

	(22)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 108.

	(23)-Alain lamassoure, un agenda europ&eacute;en de politique &eacute;trang&egrave;re, d&eacute;fense nationale et s&eacute;curit&eacute; collective, f&eacute;vrier 2008, comit&eacute; d&rsquo;&eacute;tudes de d&eacute;fense nationale, paris, 2008, p 30.

	(24)-Bichara khader, op cit, p 457.

	(25)-Bichara khader, ibid, p 458.

	(26)-Catherine wihtol de wenden, l&rsquo;immigration en d&eacute;bat(s), l&rsquo;&eacute;tat du monde 2010, la d&eacute;couverte, paris, 2010, p 176

	(27)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 99.

	(28)- منيرة بلعيد، الديناميكية الأمنية الجديدة في الإقليم المتوسطي: دور الجزائر الأمني كفاعل في المنطقة، مداخلة ضمن الملتقى الدولي حول الجزائر و الأمن في المتوسط واقع وآفاق، مرجع سابق، ص، ص 104، 105.

	(29)- سمير عياد، مرجع سابق، ص 228.

	(30)- يومية الخبر الجزئرية، العدد 6427، الصادر في 26 يوليو 2011، ص 05.

	(31)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 102.

	(32)- بشارة خضر، نفس المرجع، ص 120.

	(33)-Yves -Marie laulan, le grand d&eacute;fi du vieillissement mondial, d&eacute;fense nationale et s&eacute;curit&eacute; collective, janvier 2007, p 135.

	(34)، (35)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 121.

	(36)-G&eacute;rard Claude, op cit, p 19.

	(37)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص 123.

	(38)- Bichara, khader, op cit, p 465.

	(39)- G&eacute;rard Claude, op cit, p 20.

	 (40)- G&eacute;rard Claude, ibid, p 19.

	(41)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص128.

	(42)- جريدة الشرق الجزائرية، العدد الصادر في 14/05/2011.

	(43)- بشارة خضر، مرجع سابق، ص ص 134، 135.

	(44)- 
</fulldescription>
<pubDate>Fri , 17 May 2013 09:26:16 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/477/-هاجس-الهجرة-المغاربية-إلى-أوروبا-هل-تشكل-العمالة-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>باكستان: الشعب ينحاز للخيار الديمقراطي</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/474/باكستان-الشعب-ينحاز-للخيار-الديمقراطي.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/5/15/2013-635042259522704538-270_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
دُعي أكثر من 86 مليون باكستاني من مجموع السكان، البالغ عددهم 180 مليونا، إلى التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا لانتخاب أعضاء البرلمان الاتحادي، والبرلمانات المحلية لأقاليم البلاد الأربعة.
وقد أظهرت نتائج الانتخابات العامة في باكستان تقدم حزب الرابطة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نواز شريف على منافسيه بنسبة تؤهله إلى رئاسة الحكومة للمرة الثالثة في تاريخه.</description>
<fulldescription>

	

	

	

	دُعي أكثر من 86 مليون باكستاني من مجموع السكان، البالغ عددهم 180 مليونا، إلى التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخرا لانتخاب أعضاء البرلمان الاتحادي، والبرلمانات المحلية لأقاليم البلاد الأربعة.

	وقد أظهرت نتائج الانتخابات العامة في باكستان تقدم حزب الرابطة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نواز شريف على منافسيه بنسبة تؤهله إلى رئاسة الحكومة للمرة الثالثة في تاريخه. وفي تلك الأثناء قالت المفوضية العليا للانتخابات إن نسبة الاقتراع في الانتخابات بلغت 60% لتكون أعلى نسبة مشاركة تصويتية منذ أكثر من 30 عاما ، وكانت الانتخابات العامة في عام 2008 قد شهدت إقبالا بلغت نسبته 44%.

	وقد تصدر حزب الرابطة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق نواز شريف الفوز في الانتخابات التشريعية بحصوله على 130 مقعدا بحسب النتائج الجزئية.

	بينما حصل حزب حركة إنصاف بزعامة بطل الكريكيت السابق عمران خان على 21 مقعدا، ومُني حزب الشعب الباكستاني الحاكم، سابقا، بزعامة الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري الذي قاد التحالف الحاكم في السنوات الخمس الأخيرة بهزيمة كادت تخرجه من الخارطة السياسية للبلاد باستثناء معقله ولاية السند الجنوبية، وبلغ نصيبه 19 مقعدا.

	وفور تحققه من الفوز أبدى نواز شريف استعداده لتشكيل حكومة موسعة تضم كل الأحزاب السياسية من أجل التعاون لحل المشكلات التي تتعرض لها البلاد ممثلة في انقطاع التيار الكهربائي، والتضخم، والبطالة، والمديونية، والفساد المستشري في أجهزة الدولة .

	 شريف الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين 1990 و1993، ثم بين 1997 و1999، وقد أطيح به إثر الانقلاب الذي قام به الجنرال مشرف في أكتوبر/تشرين الأول 1999، أكد استفادته من دروس الماضي، وحرصه علي عدم الاستئثار بالسلطة ،وتطبيق شعار التغيير الذي اعتمده في حملته الانتخابية .

	

	ويذكر أن باكستان مقسمة إداريا إلى أربعة أقاليم هي البنجاب، والسند، وبلوشستان، وبختون خوا, والأقاليم لها برلمانات وحكومات محلية باعتبار أن نظام الحكم في البلاد فيدرالي.

	

	وقد أدلى الناخبون بأصواتهم في نحو سبعين ألف مكتب تصويت في الأقاليم الأربعة لانتخاب 272 عضوا في البرلمان الاتحادي بصورة مباشرة ،ويجري تعيين سبعين آخرين وفقا للائحة النظام النسبي.

	

	وبحسب النظام السياسي القائم في باكستان، يتم تكليف الحزب الفائز بأغلبية المقاعد بتشكيل الحكومة, وإذا لم تكن له الأغلبية المطلقة فعليه تشكيل تحالف، وإلا تم تكليف الحزب الذي يليه.

	

	الأحزاب المتنافسة:

	

	- الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز شريف)، قاد حكومتين في تسعينيات القرن الماضي, ومعقله التقليدي هو إقليم البنجاب وعاصمته لاهور. وكان حزب شريف قد حصل في الانتخابات الماضية على 92 مقعدا, وأصبح ثاني أكبر حزب في البرلمان الاتحادي بعد حزب الشعب الباكستاني.

	- حزب الشعب الباكستاني: يوصف بالتقدمي اليساري الوسطي، حيث استلهم بعض المبادئ الاشتراكية, ومؤسسه ذو الفقار علي بوتو والد رئيسة الوزراء السابقة بنظير بوتو التي اغتيلت عام 2007، ويقود الحزب حاليا بيلاوال زرداري نجل بنظير.

	

	- حزب حركة إنصاف بزعامة لاعب الكريكيت السابق عمران خان، وهو يصنف ضمن أحزاب وسط اليمين, وقاعدته مكونة من الشباب بوجه خاص.

	

	- حزب الحركة القومية المتحدة، وشكله الزعيم الحالي ألطاف حسين للنضال من أجل حقوق المتحدثين باللغة الأردية في كراتشي، وقد اتهمته الجماعة الإسلامية وحركة إنصاف بترهيب الناخبين في المدينة خلال يوم الاقتراع..

	

	- حزب عوامي الوطني, ويصنف يساريا علمانيا, وقد تأسس عام 1986 لإثارة قضايا القوميين من البشتون في شمال غرب باكستان على طول الحدود مع أفغانستان, وهي المناطق التي تعد المعقل الانتخابي الرئيسي له.

	

	- الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح قائد أعظم)، وتصنف ضمن الأحزاب الوسطية, وتشكلت كفرع من حزب &quot;الرابطة الإسلامية الباكستانية-جناح نواز&quot; لخوض انتخابات عام 2002 تحت الحكم العسكري للجنرال برويز مشرف.

	

	- حزب &quot;الجماعة الإسلامية, وهو أكبر حزب يميني ديني في باكستان, وكان قد تشكل خلال الحكم البريطاني قبل ستة أعوام من قيام باكستان، ويسعى الحزب لتنفيذ الشريعة الإسلامية, لكنه لم يفز على الإطلاق في أي انتخابات بشكل مستقل.

	

	- حزب &quot;جمعية علماء الإسلام&quot; بزعامة مولانا فضل الرحمن, وهو حزب يميني ديني يتركز مؤيدوه في المناطق الشمالية الغربية الجنوبية والغربية من البلاد.

	

	وفي السياق ذاته، أعلن حزب الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف(الرابطة الإسلامية لعموم باكستان) الذي يلاحقه القضاء منذ عودته إلى البلاد في نهاية مارس/آذار الماضي، مقاطعته الانتخابات العامة المقررة الأسبوع المقبل، وذلك عقب رفض اللجنة الانتخابية ترشيحه متذرعة بحدوث انتهاكات للدستور في الفترة التي حكم فيها البلاد.

	

	ثم أمر القضاء بوضعه قيد الإقامة الجبرية في إطار التحقيق في اغتيال بوتو ودوره في قضية إقالة القضاة في العام نفسه.

	

	

	وكان مشرف -الجنرال المتقاعد الذي تولى حكم البلاد إثر انقلاب في خريف 1999 وحتى استقالته في صيف 2008- قد عاد من منفاه بعد أربع سنوات بدعوى إنقاذ باكستان.

	

	انتخابات تحت وطأة الإرهاب:

	

	وكانت طالبان باكستان نصحت الباكستانيين &quot;بتجنب&quot; التوجه لمراكز الاقتراع &quot;إذا كانوا يريدون البقاء على قيد الحياة&quot;. وقال الناطق باسم الحركة إحسان الله إحسان إن &quot;الديمقراطية نظام غير إسلامي، نظام كفار، لذلك أطلب من السكان تجنب مراكز الاقتراع إذا أرادوا عدم المجازفة بفقدان حياتهم&quot;.

	

	وقد شهدت أجواء الانتخابات أعمال عنف وسقوط بعض الضحايا في سلسلة هجمات واشتباكات لدى وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع، ففي كراتشي قالت مصادر طبية وأمنية إن 11 شخصا قتلوا، وجرح أربعون آخرون في انفجار استهدف المرشح من حزب عوامي الوطني أمان الله محسود الذي لم يصب بأذى.

	

	وقالت الشرطة إن شخصين على الأقل أصيبا في ثلاثة انفجارات أعقبت هذا الهجوم، وأشارت وسائل الإعلام إلى وقوع إطلاق نار بالمدينة.

	

	كما لقي ستة أشخاص مصرعهم، وجرح 18 آخرون في اشتباك بإقليم بلوشستان، حيث أطلق مسلحون يستقلون دراجات نارية النار قرب أحد مراكز الاقتراع. أما بيشاور فشهدت تفجيرا أمام مكتب تصويت للنساء، مما أسفر عن إصابة ثمانية أشخاص.

	

	وكانت أعمال العنف ذات الصلة بالانتخابات قد استمرت حتى يوم الجمعة، وسقط فيها أكثر من 130 قتيلا، مما يجعلها الأكثر دموية في تاريخ البلاد.

	

	

	تحديات الوضع الاقتصادي:

	

	ويرى محللون أن من أهم التحديات الكبرى التي تواجه الحكومة الجديدة في باكستان تنفيذ إصلاحات اقتصادية صعبة من الناحية السياسية للحصول على خطة إنقاذ جديدة من صندوق النقد الدولي، وتجنب أزمة في ميزان المدفوعات.

	وتنتظر الحكومة المقبلة قائمة طويلة من المشاكل التي تواجهها باكستان البالغ عدد سكانها 180 مليون نسمة، وهو البلد المسلم الوحيد الذي يمتلك سلاحا نوويا، ويواجه أزمة طاقة غير مسبوقة تهدد الاقتصاد.

	ويعتقد شريف أنه قادر على مواجهة التحديات لإحياء الاقتصاد شبه المنهار، وقد صرح أنه سيروج لفكرة السوق الحرة كما كان يفعل خلال فترتيه في رئاسة الوزراء في التسعينيات، &quot;سوف نبدأ من حيث توقفنا عام 1999&quot;. كما يؤكد نواز شريف أنه ليس ضد صندوق النقد الدولي، لكنه يعتقد أن الحاجة ماسة من أجل الوقوف على الأقدام.

	

	

	التحديات الداخلية والخارجية:

	

	تواجه الحكومة الجديدة برئاسة شريف إشكالية التعاطي مع المؤسسة العسكرية ذات التمدد في الحياة السياسية. وينتظر المراقبون ليرصدوا كيفية تعاطي شريف مع المؤسسة العسكرية، وما إذا كان سينشأ نفور بين الجانبين علي الرغم من حرصهما علي تأكيدهما طي صفحة التوتر التي نشأت منذ الإطاحة بشريف بانقلاب عسكري نفذه برويز مشرف الذي كان قائدا للجيش عام 1999. 

	

	وبجانب الوضع الاقتصادي المتأزم للبلاد تبرز المشكلة الأمنية كأبرز القضايا التي تعني المواطن الباكستاني، وفي هذا الشأن تتصدر قضية غارات الطائرات الأمريكية دون طيار أهمية كبرى .

	وعلى الصعيد الأمني أيضا، ترث الحكومة المقبلة أزمة مع حركة طالبان باكستان، ويرتبط استقرارها إلى حد كبير بإحلال السلام في أفغانستان المجاورة بعد انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في نهاية 2014.

	

	أما الناخب الباكستاني فهو يريد في نهاية الأمر حكومة توفر له الأمن، وتحميه من الأسلحة النووية الهندية، وغارات الطائرات الأميركية دون طيار، وتحسين الوضع الاقتصادي، واحترام القانون.

	وفي الوقت ذاته يواجه نواز شريف تحديات خارجية أهمها العلاقة مع واشنطن، والتي دعا إلي إعادة النظر في التحالف معها في الحرب ضد الإرهاب، ووقف الغارات الأمريكية على المناطق القبلية الباكستانية.

	وبعيدا عن اتجاهات التصويت ، عبر الإقبال علي التصويت في حد ذاته عن إرادة شعبية للانحياز للخيار الديمقراطي والرغبة في عدم العودة للخضوع تحت وطأة حكم العسكر ، هذا بجانب تحدى (طالبان باكستان ) التي دعت إلي مقاطعة الانتخابات، وهددت المواطنين بفقدان حياتهم إذا ذهبوا إلي مراكز الاقتراع .
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 15 May 2013 02:37:00 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/474/باكستان-الشعب-ينحاز-للخيار-الديمقراطي.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>أدب الثورة وأدباؤها:  الموجة الأولى</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/466/أدب-الثورة-وأدباؤها--الموجة-الأولى.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/5/8/2013-635036333181982906-198_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
«صعب ألا تكتب عن الثورة، والأصعب أن تكتب عنها». تُعبّر هذه المقولة - وهى للشاعر حسن طلب - تعبيراً دقيقاً عن موقف الأدب من ثورة يناير المصرية.  فقد تأرجح الأدب بين موقفين: 
الأول: عدم الكتابة حتى يختمر الحدث مع موهبة الأديب، وهو ما يحتاج ربما لسنوات, وهو الموقف الصعب، لما ينطوى عليه من تجاهل لحدث استثنائى فى تاريخ مصر الحديث. 
والثاني: هو الكتابة عنها فى ظل هذه المحاذير «الفنية», وهو الموقف الأصعب لما ينطوى عليه من تجاهل متوقع لقيمة ما يُكتب, ولا ننسى أن مهمة الأدب أولاً هى الإمتاع الفنى لا التوثيق التاريخي. 
ولعل هذا ما دفع كاتباً مثل بهاء طاهر إلى القول: «إن ما كُتب عن ثورة يناير صحافة وليس أدباً». 
 على الرغم من ذلك فيبدو أن عدداً كبيراً من الأدباء اختار فى تعامله مع الثورة الموقف الثاني، الأصعب، وهو الكتابة عن الثورة وعدم تجاهلها، ولو على حساب القيمة الفنية.
</description>
<fulldescription>

	

	

	. تُعبّر هذه المقولة - وهى للشاعر حسن طلب - تعبيراً دقيقاً عن موقف الأدب من ثورة يناير المصرية. فقد تأرجح الأدب بين موقفين:

	الأول: عدم الكتابة حتى يختمر الحدث مع موهبة الأديب، وهو ما يحتاج ربما لسنوات, وهو الموقف الصعب، لما ينطوى عليه من تجاهل لحدث استثنائى فى تاريخ مصر الحديث.

	والثاني: هو الكتابة عنها فى ظل هذه المحاذير , وهو الموقف الأصعب لما ينطوى عليه من تجاهل متوقع لقيمة ما يُكتب, ولا ننسى أن مهمة الأدب أولاً هى الإمتاع الفنى لا التوثيق التاريخي.

	ولعل هذا ما دفع كاتباً مثل بهاء طاهر إلى القول: .

	على الرغم من ذلك فيبدو أن عدداً كبيراً من الأدباء اختار فى تعامله مع الثورة الموقف الثاني، الأصعب، وهو الكتابة عن الثورة وعدم تجاهلها، ولو على حساب القيمة الفنية.

	وقد حدث هذا على نحو غريب؛ فيلفت النظر عدد ما يُنشر تباعاً عن ثورة يناير وميدان التحرير من كتابات تزدحم بها المكتبات العامة. (الهيئة العامة لقصور الثقافة أصدرت سلسلة خاصة بعنوان أدب الثورة) الأمر الذى يحتاج على أية حال إلى جهد بيبليوغرافى منظم.

	وقد علَّق أحد الأصدقاء على هذه الظاهرة ساخراً وقائلاً: .

	وإن كانت المقولة الساخرة صحيحة فى ظاهرها، فإن عدداً قليلاً من ذلك الكم الهائل الذى يُنشر تباعاً، يمكن أن يدخل فى دائرة الأدب، وعدداً أقل يمكن أن يثبت أمام النقد الأدبي.

	يدخل معظم ما كُتب من أدب عن ثورة يناير - شعراً ونثراً - فى دائرة  شهادة الأديب إبداعاً على حدث بهذه الضخامة, ويبقى - بعد ذلك- المستوى الفنى لهذه  محل نظر وتفاوت بين أديب وآخر.

	

	ولنبدأ بالشعر فقد كان الأسبق لتسجيل حدث الثورة لما يتوافر فيه - دون الفنون السردية - من مطاوعته لانفعال المبدع وسرعة هذه المطاوعة فى بعض الأحيان.

	وقد كان شعر العامية هو الأسبق من بين أنواع الشعر الأخرى استجابة للحدث الأهم على الساحة خلال العامين الماضيين. بل رجع هذا الشعر إلى ما قبل الحدث، فكتب عن مقدمات الثورة وأسبابها، مثل الفساد المستشرى بأشكاله المختلفة، والذى كان قد بدأ بعد الثورة فى التكشف التدريجي؛ فكتب جمال بخيت قصيدته الشهيرة  التى يتساءل فيها: دين أبوهم اسمه إيه؟ فى سياق الحديث عن النظام السابق, وأى دين كانوا يعتنقونه وهم يفعلون بالبلاد وبالعباد ما فعلوه. ومثل ذلك فعل عبد الرحمن الأبنودى فى أكثر من قصيدة، منها قصيدته  التى يقول فيها:

	فساد بيلضم رئيس بوزير على نواب/ اترصوا كما سور حجب عن مصر أى نهار/ سرقوا دوا المرضانين سرقوا حليب الطفل/ القصة سرقوا الوطن ورمولنا إحنا التفل.

	ثم بدأ الشعر يدخل مع الثوار الميدان ليصف الحدث ذاته، وما جرى وكان من أمر الثورة التى لم يتوقعها أحد، فكتب الأبنودى قصيدته  وهى التى نشرت ضمن ديوان كامل حمل هذا العنوان، قال فيها: أيادى مصرية سمرة/ ليها فى التمييز/ ممدودة وسط الزئير/ بتكسر البراويز/ سطوع لصوت الجموع/ شوف مصر تحت الشمس/ آن الأوان ترحلى يا دولة العواجيز/ عواجيز شداد مسعورين أكلوا بلادنا أكل/ ويشبهوا بعضهم نهم وخسة وشكل/ طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع/ وحققوا المعجزة صحوا القتيل م القتل.

	وتواطأَ الشعر مع مطالب الثوار, والتى كان على رأسها مطلب الرحيل، فكتب أحمد فؤاد نجم قصيدة  التى يقول فيها: ، وقصيدة  التى يستحلف فيها الرئيس: .

	ومعانى الميلاد الجديد التى أشارت إليها قصيدة الأبنودي؛ معانٍ تكررت كثيراً فى شعر هذه المرحلة الذى رأى أن الحدث ميلاد جديد لمصر وشعبها، فكتب أحمد تيمور قصيدته التى حملت عنوان ديوانه . وكتب أحمد درويش قصيدة:  يقول فيها:

	. وقد تم هذا الميلاد على يدى الجيل الإلكتروني:

	'وصمت جيل الياقة البيضاء/ يراسلون عبر العنكبوتية/ كل الأيادى التى تنسج قبضة حديدية'.

	ولقد كان هذا الميلاد خليقاً بميلاد جديد لكل ما يُكتب عنها, كما عبَّر عن ذلك هشام الجخ فى قصيدة :

	مــــــــزق دفـــاترك القديمـة كلـــــــها واكتب لمصر اليوم شعراً مثلها

	لا صمت بعد اليوم يفرض خوفه فاكتب سلاماً نيل مصر وأهلها

	عيناك أجمل طفلتين تقررانى بأن هذا الخوف ماض وانتهي

	وأخذت القصائد تستثمر مفردات الثورة وتفاصيلها الدقيقة التى كانت أمراً جديداً ولافتاً، فوجدنا ديواناً لحلمى سالم يحمل عنواناً، هو شعار الثورة وقتها:  ليصبح اسم الديوان: ، يقول فى هذه القصيدة:

	ارفع رأسك عالية أنت المصرى /الصامت صبرا لا إذعانا / بل تطويل للحبل الشانق كل بغي/ لاجُرْتَ على جار لا لوثت/ مياه النيل ولا أنكرت نبي/ أنتَ موحد شطرين/ وواصل شطين/ وجامع أشلاء فتَاك/ على دلتا النهرين/ ونسَّاج الظلمة بالضي.

	بل إن حلمى سالم وفى إطار توظيفه لمفردات الميدان والثورة يكتب قصيدة غزل بديوانه ذاك فى  إحدى شهيدات الثورة فى أيامها الأولي، والتى تصدَّرت المشهدَ صورتُها مع غيرها من الشهداء وأصبحت ملهمة لجذوة الثورة وتواصلها، يقول فيها:

	لو أنى كنتُ رأيتك قبل يناير/ كانت أسرتْنى عيناك الصاحيتان/ وخطفتنى خصلات الشعر/ المتروكة ببدائية/ رسّام بوهيمى حول الوجه الصابح/ أبيض كحليب مأطور بالضربات التلقائية.

	أما المشهد الخالد أثناء الثورة للطوفان البشرى فوق كوبرى قصر النيل فيصوغه الشاعر عبد الحميد محمود قائلاً:

	اشهد يا أسد الكوبري/ فى كوبرى قصر النيل/ هل فوق زئير الشعب زئير/ اشهد يا نهر النيل/ هل بعد هدير الشعب هدير/ الفيض الحى الهادر فوق الكوبري/ يساقط موجاً يتجمع فوق الميدان.

	ولقد كتب حسن طلب ديواناً أعطاه عنواناً يشير به إلى إحدى مفردات الميدان اللافتة، وهى تآزر المسيحى والمسلم فى هذه الثورة، فجاء العنوان:  فى ثلاثة أجزاء شعرية صدر الأول منها بعنوان . ونظرة سريعة إلى عناوين القصائد تدلنا على أجوائها: كفاية، السادس من إبريل، كلنا خالد سعيد، إسقاط النظام، أغلبية صامتة، الشيخ والمطران، زوار وثوار، الثلاثاء ٢٥ يناير.

	وقد افتتح الشاعر ديوانه الذى أهداه لشهداء الثورة بمفتتح قصير:

	كفى الثورة الآن إيمانها فمعبدها الآن ميدانها

	وقرآنها اليوم إنجيلها وإنجيلها اليوم قرآنها

	ولقد كان جانب الإعجاز فى هذه الثورة، مما كان يدور على ألسنة العوام من أن هذه الثورة عمل ربانى محض وأن تَجمُّع الناس فى الميدان كان مجرد سبب من أسباب هذه الإرادة الإلهية؛ كان هذا الجانب محور قصيدة الشاعر محمد سليمان  التى يصور فيها الثوار وكأنهم مخلوقات غيبية جاءت لتؤدى مهمة مقدسة كمهام الأنبياء أو الملائكة، ثم ذهبت لا يعنيهم بعدها أن يُسرق هذا الجهد أو أن ينسب لغيرهم. وهى قصيدة بالغة النضج:

	كالرسل أتى الثوار وذهبوا/ كالرسل أضاءوا/ واغتسلوا فى الساحاتِ/ وغسلوا/ واحتفلوا بنداءات البرقِ/ ووأوأة المولودِ/ ومنحوا الطفل حصاناً/ والطفلة فستانا للعيدِ وطاروا/ ليصيروا قصصاً/ وقصائد وأساطير وماءً/ وفضاءً يسع المرضي/ والمشائينَ/ وصّناعَ الأمطار/ ومخلوقات الليلِ/ وبعض ظلال الفوضي/ كالرسل أتوا/ وسيأتونَ .. ويتوارون كريحٍ/ لن يرثوا/ كالحكائينَ .. ولن يكترثوا/ حين يلم النشالون خطاهم/ وجوائزَهم .

	وبعد الانفضاض من الميدان لم يترك الشعر الثورة، بل تابعها فى خطواتها الأولى أثناء حكم العسكر، فركَّز على معانى استكمال الثورة وتحقيق الأهداف والقصاص لقتلة الثوار، والنزاع بين الفرقاء السياسيين: مثل قصيدة الأبنودى ، وقصيدة ، وقصيدة سيد حجاب ، وقصيدة هشام الجخ ، وقصيدة حلمى سالم  فى ديوانه السابق، وديوان  للشاعر زكى خليفة، وديوان  للشاعر زين العابدين فؤاد، وغير ذلك لشعراء مثل فاروق جويدة، وعبد الرحمن يوسف، وإيمان بكري، وغيرهم.

	بل إن شاعراً رائداً مثل أحمد عبد المعطى حجازى الذى انقطع عنه شيطان شعره عشرين عاماً متصلة، أراد اللحاق بهذا الحدث شعراً، فأصدر ديوانه الجديد  مُضمناً إياه عدداً قليلاً من القصائد تحية للثورة والشهداء. وربما كان حدث الثورة سبباً فى عودته للشعر أو عودة الشعر إليه. ولقد جاءت قصائد الثورة دون مستوى الديوان، ولعل السبب فى ذلك هو رغبة الشاعر الكبير فى  فقط بغير اختمار.

	ولنترك الشعر ونأتى إلى حديث النثر، وهو الإبداع الذى يحتاج لفترة أكبر من الاختمار حتى تُنسج خيوط قصة أو رواية بتفاصيل حبكتها وشخصياتها وأحداثها، وعلى الرغم من ذلك فقد صدر عدد من المجموعات القصصية، مثل: مجموعة كرم صابر  ومجموعته ، ومجموعة هبة خميس: ، ومجموعة طارق مصطفي: .

	ويبدو أن البعض ممن أراد أن يكتب عملاً سردياً طويلاً عن الثورة، لم يطاوعه القلم بسبب عدم تَشكُّل نسيج روائى كافٍ لإنتاج رواية، فآثر أن يضع شهادته المؤقتة عن الحدث فى شكل سردى أقرب إلى القصة، فجاء عدد من الأعمال التى أخذت شكل يوميات أو قصص من الميدان أو شهادات من قلب الحدث، أو رصْد لبعض ما حدث خلال الثمانية عشر يوماً؛ صيغت فى قالب حكائى دون أن تأخذ الشكل الفنى للقصة،وذلك مثل كتاب أحمد زغلول الشيطى ، وكتاب عامر الوكيل ، وكتاب مراد ماهر ، وكتاب محمد فتحى ، وكتاب  وهو لستةٍ من شباب الثورة، وهى كتابات لا تخلو من السرد القصصي، وخط الحكاية الواضح، واللغة الشاعرية فى بعض الأحيان (مثل كتاب الشيطي)، دون أن تدخل فى دائرة القصة كشكل فني.

	غير أن شكل  فى الكتابة تسلل إلى ما كُتب عن الثورة من روايات وقصص طويلة، فوجدنا عدداً من الروايات يوظف هذا الشكل الفنى داخل النسيج الروائي؛ فتأخذ عناوين الفصول أحياناً تواريخ الأحداث الفارقة فى عمر الثورة مثل 25 يناير، 28 يناير، 2 فبراير، وذلك مثل رواية ، التى سيأتى ذكرها.

	كما يُلحظ على الإنتاج السردى أن بعضه وقع فى فخ الاستعجال والمبادرة إلى  موقف فنى من الثورة، و>توثيق> الحدث، دون إمهال للموضوع حتى يختمر. ويتم فى هذه الروايات الزجُّ بأحداث الثورة ووقائعها الحقيقية داخل النسيج الروائى بشخصياته وأحداثه المُتخيَّلة على نحو مفتعل، مما يضعف من الحبكة ويجعلها غير متماسكة، وذلك مثل رواية  لإبراهيم المصري، و لأسماء الطناني، و  لهشام الخشن.

	ويُلحظ على البعض الآخر من الإنتاج السردى أنه لجأ إلى الخيال العلمى ليكتب أعمالاً تجرى أحداثها فى المستقبل القريب أو البعيد، وذلك مثل رواية محمد ربيع:  كتبت سنة 2011 وتجرى أحداثها فى العام الذى يليه عن شخصية مواطن يعانى ثم يموت من البيروقراطية والفساد والإهمال، فى إشارة إلى أن الثورة لم تُغير شيئاً فى واقع الأمر.

	ومثل رواية محمود عثمان:  التى تدور أحداثها فى عام 2053، وهو العام الذى تندلع فيه ثورة شعبية عارمة تكون أدواتها إلكترونية أيضاً مثل ثورة يناير ولكن على نحو أكثر تطوراً. وبطلها خالد حرفته الانترنت مثل ثوار يناير. وتسبق هذه الثورة ثورة العطشى نظراً لندرة المياه التى تحدث فى ذلك الوقت، وإذا نظرنا إلى مطالب هذه الثورة سنجد أنها نفس المطالب التى ينادى بها الثوار الآن من محاكمة للقتلة والمفسدين والقضاء على الفساد، وتعديلات فى الدستور والقوانين الفاسدة. وتاريخ الثورة الجديدة كما تشير الرواية يتوافق مع مرور مائة عام على تحوُّل مصر من الملكية إلى الجمهورية، التى تعنى حكم الشعب، وهو مالم يحدث فى نظر الكاتب، حتى بعد قيام ثورة يناير وما جاء بعدها.

	وكذلك تفعل رواية عز الدين شكرى - وإن اتسمت بقدر من النضج - فأحداثها تدور عام 2020، من خلال بطلها على شكرى الذى يقص لابنه فى رسالة طويلة تُشكل فصولُها الرواية كاملة ما جرى قبيل الثورة وبعدها حتى ذلك التاريخ. ولأن الرواية كتبت قبل انتخابات الرئاسة، فهى تتوقع فشل التوصل لهذه الانتخابات، وتكوين مجلس رئاسى مدنى عسكرى يفشل هو الآخر وتفشل حكوماته المتتابعة. وفى عام 2013 تقوم ثورة أخرى أشد فتكاً بالبلاد وهى ثورة الجوعى التى تندلع من حى أرض اللواء الشعبي. وتتسع دائرة التوقعات فى هذه الرواية: فيتأخر انتخاب رئيس إخوانى للبلاد إلى مابعد عام 2015، ويحدث انقلاب من الجيش مرة أخرى عام 2017، وتحتل إسرائيل سيناء مرة ثانية.

	ولعل ما دفع أدباء الثورة إلى هذا الاتجاه فى الكتابة، أعنى اللجوء إلى المستقبل، وتحويل مسار السرد إليه بدلاً من الأزمنة الحاضرة أو الماضية؛ هو اليأس الذى ساد الأوساط المجتمعية فى أعقاب الثورة، وأثناء حكم العسكر من تحقيق أهدافها، والتى ظن الناس أنها ستتحقق بمجرد التنحي. فضلاً عن الغموض الذى ساد المرحلة نفسها، مما دفع بعلامات استفهام كثيرة حول مآل الوضع الحالى وإلى أين؛ كل ذلك جعل الكتابة عن المرحلة الحالية أمراً عسيراً على الروائى الذى فضَّل اللجوء للمستقبل يبثه توقعاته وتكهناته، ربما ليجيب لنفسه ولنا على علامات الاستفهام تلك، فى ضوء ما يجرى أمامه، ولكن فى إطار درامي.

	ولقد نجت رواية أحمد صبرى أبو الفتوح:  التى أهداها إلي: ؛ نجت مما سبق بيانه من مزالق السرد الروائى والقصصى حول الثورة. فالرواية تتمتع بنصيب وافر من النضج الفنى الذى جاء من تكثيف الحدث (لا يتجاوز الزمن الروائى أربعة أيام) وبناء الشخصيات بناء نفسياً متكاملاً، مثل الشخصية الرئيسية رفاعة سيد الأهل الذى تتشابه ملامحها كثيراً مع شخصية خالد سعيد، والذى يستغرقه همه الخاص من خلال أجندته التى أعدها، وهو معتقل فى سراديب أقسام البوليس تحت الأرض، فكتب فيها أسماء من ينوى الانتقام منهم بعد خروجه، وحين يخرج إلى الشارع يوم 28 يناير فى فوضى أقسام البوليس، يكتشف أن ثمة أجندة أخرى هى الأَوْلى بتفكيره وإعداده؛ هى أجندة الوطن، التى امتلأت بأسماء من ظلموه ونهبوه، وتمضى الأحداث ليتحول فعلاً رفاعة إلى الأجندة الأخري، بل ويموت شهيداً فى الميدان يوم 2 فبراير، فيُعثر على جثته، ويتنادى الناس لكى يروا ذلك الشهيد الذى مات مبتسماً، وكأن المؤلف حينما يجعل من  بطلاً لقصته؛ فهو يمنحه بذلك شهادة تعريف - وإن كانت شهادة فنية فقط - لعل ذلك يعيد إليه بعض حقه.

	يتضح مما سبق أننا بإزاء انفعال أدبى مع حدث كبير، لكن هذا الانفعال، انفعال عامين؛ يتفاوت حظه من النضج والاستواء تفاوتاً ملحوظاً بين جنس أدبى وآخر، بل وبين أديب وآخر. ولعل حظ الشعر، خاصة العامى من  كان أكبر قليلاً من السرد الروائى والقصصي.

	لكن قلة الأعمال الفنية ذات المستوى المتميز عن الثورة بعد عامين من اندلاعها أمر لا يُقلق؛ فبالنظر إلى التاريخ الأدبى للثورات والأحداث الكبري، سنجد أن التعبير الأدبى عنها يمر بمراحل ثلاث: مرحلة النبوءة، والاستعداد، والتحريض، ثم مرحلة رد الفعل المباشر، ثم مرحلة رد الفعل المستوعب.

	ومثال ذلك: الثورة الفرنسية التى احتاجت إلى القرن الثامن عشر كاملاً لكى يخرج أدبٌ يعبر عنها على يد فيكتور هوجو ورفاقه. وكذلك ثورة 1919 فى مصر لم يَكتب عنها نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة إلا بعدها بعشرين عاماً، وأمسك قلمه بعد ثورة 1952 خمس سنين كاملة لم يكتب شيئاً.

	وأعتقد أن التعبير الأدبى عن ثورة يناير لازال فى مرحلة رد الفعل المباشر، الذى يكتنفه عادة ما يكتنف رد الفعل من سرعة وانفعال وعدم اتزان، ولم يمنع ذلك من ظهور أعمال اتسمت بالنضج والاستواء رغم قرب المسافة بينها وبين الحدث، فاستطاعت أن تتجاوز  لتقدم عملاً يبقى بعدها.

	وإذا كانت الثورة لم تضع أوزارها بعد، ومازالت موجاتها تتابع، فإن الأدب المُعبِّر عنها سيخرج هو الآخر فى شكل موجات متتابعة بعد تلك الموجة الأولى التى أشرنا إليها، وهى موجات قد يُلغى اللاحق منها سابقه، وقد تصمد بعض الأعمال منها أمام النقد الأدبي، ولا تقع من مصفاة الزمن ذات الثقوب الواسعة.

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 08 May 2013 05:10:07 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/466/أدب-الثورة-وأدباؤها--الموجة-الأولى.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>السلوك الانتخابي للأقلية الدرزية في إسرائيل</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/465/السلوك-الانتخابي-للأقلية-الدرزية-في-إسرائيل.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/5/8/2013-635036286665122906-512_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
تباينت الآراء واختلفت الدراسات حول ولاء الأقلية الدرزية في إسرائيل والتي تأرجحت ما بين الدولة العبرية وبين القضية العربية، خاصة وأن كثير منهم يخدمون في صفوف الجيش الإسرائيلي. وبشكل عام وبعيداً عن فكرة الولاء لمن، فإن دراسة السلوك الانتخابي للأقلية الدرزية في إسرائيل هي دراسة جديرة بالاهتمام لكونها إحدى الكتل التصويتية المؤثرة في الانتخابات الإسرائيلية كما أنها أقلية جاذبة لاهتمام الأحزاب ذات التوجهات المختلفة (الصهيونية أو ذات الطابع الديني) والعربية أيضاً. فمن يدرس السلوك الانتخابي للدروز في انتخابات الكنيست بشكل عام يجد تبايناً واضحاَ بين السلوك الانتخابي للعرب الدروز داخل الخط الأخضر وبين السلوك الانتخابي لمجموع العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أيضا، حيث تتجه كتل التصويت لأبناء الطائفة الدرزية في أغلبها- وليس جميعها- إلى أحزاب صهيونية في حين يصوت عرب فلسطين للأحزاب العربية.</description>
<fulldescription>

	

	تباينت الآراء واختلفت الدراسات حول ولاء الأقلية الدرزية في إسرائيل والتي تأرجحت ما بين الدولة العبرية وبين القضية العربية، خاصة وأن كثير منهم يخدمون في صفوف الجيش الإسرائيلي.وبشكل عام وبعيداً عن فكرة الولاء لمن، فإن دراسة السلوك الانتخابي للأقلية الدرزية في إسرائيل هي دراسة جديرة بالاهتمام لكونها إحدى الكتل التصويتية المؤثرة في الانتخابات الإسرائيلية كما أنها أقلية جاذبة لاهتمام الأحزاب ذات التوجهات المختلفة (الصهيونية أو ذات الطابع الديني) والعربية أيضاً. فمن يدرس السلوك الانتخابي للدروز في انتخابات الكنيست بشكل عام يجد تبايناً واضحاَ بين السلوك الانتخابي للعرب الدروز داخل الخط الأخضر وبين السلوك الانتخابي لمجموع العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أيضا، حيث تتجه كتل التصويت لأبناء الطائفة الدرزية في أغلبها- وليس جميعها- إلى أحزاب صهيونية في حين يصوت عرب فلسطين للأحزاب العربية.

	ويرجع ذلك إلى عدة عوامل: من بينها العلاقة التي نشأت بين الطائفة الدرزية واليهود قبل قيام دولة إسرائيل، حيث عاش الدروز في قرى قريبة من التجمعات الاستيطانية اليهودية، وأدى قيام اليهود بشراء منتجات الدروز الحيوانية والزراعية، إلى شعور الدروز بفائدة هذه التجمعات وبقيت هذه العلاقة حتى عام 1936، محصورة في صورة شخصيات وعائلات محدودة، دون أن يكون هناك قرار درزي من مشايخ الطائفة بتنْميتها، غير أن اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى1936 - 1939، أدى إلى حدوث مضايقات لبعض القرى الدرزية، دفعت شريحة أكبر من الدروز للتعاون مع اليهود تحت شعار التحالف اليهودي - الدرزي، وتجسد هذا التحالف لاحقاً في حرب عام 1948، من خلال التنسيق في ساحات القتال، والتطوع إلى جانب القوات اليهودية ضمن ما يعرف بوحدة الأقليات. لكن ذلك لا يعني تورط الطائفة الدرزية بأكملها في التعاون مع اليهود، حيث شاركت أعداد من الدروز إلى جانب القوات العربية في قتال اليهود، بينما وقف آخرون على الحياد.

	الدروز بعد قيام دولة إسرائيل:

	في أعقاب حرب 1984، أعلن عدد من القيادات الدرزية، التي كانت مترددة في التعاون مع اليهود دعمهم للتحالف الدرزي- اليهودي، ومن أبرز هذه الشخصيات الشيخ أمين طريف، الذي رحب بزيارة وزير الأقليات الإسرائيلي إلى قرية جولس بعد الحرب، وأكد على الصداقة التاريخية بين المجتمع الدرزي والشعب اليهودي، تلك الصداقة الموغلة في القدم.. وقال &quot;إن الروابط العائلية التي بدأت في الأيام المبكرة للتاريخ الإسرائيلي، توطدت أواصرها في أيامنا هذه من خلال امتزاج دماء الدروز والإسرائيليين في معركتهم للدفاع عن الأرض&quot;.واستغلت إسرائيل تلك العلاقة وعملت على إتباع سياسة فصل الدروز عن بقية الأقليات العربية فأقامت جهازاً قضائيا دينياً لهم منفصلا عن المسلمين ومجلساً دينياً باعتبارهم ديانة مستقلة، كما أقامت جهازاً تعليمياً منفصلاً عن جهاز التعليم العربي لفلسطينيي 48 وقد أرادات من ذلك أن تؤكد أن الدروز ليسوا عرباً ولا فلسطينيين، بل مواطنين إسرائيليين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.

	الدروز .. الدور السياسي 

	منذ تأسيس إسرائيل انخرط الدروز في الحياة السياسية من خلال قوائم وأحزاب سياسية تحمل أسماء عربية لكنها مدعومة من حزب &quot;الماباي&quot; الذي كان يحكم إسرائيل بعد إعلان قيام الدولة.وبدأ دخول الدروز الكنيست في دورته الثانية عام 1951 (صالح حسين خنفيس، جبر داهش معدي) وقد عرف خنفيس بعلاقاته بتنظيم &quot;الهاغاناة&quot; وجهاز استخباراته &quot;شاى&quot;، في حين دخل معدي على قائمة &quot;المشاركة والأخوة&quot;.وبعد أن ولت فترة القوائم العربية انخرط الدروز في الأحزاب الصهيونية كحزب الليكود وحركة داش وحزب العمل (أيوب القرا عن حزب الليكود، حمد عمار عن حزب إسرائيل بيتنا، مجلي وهبي عن حزبي الليكود وكاديما)، كما رشح الدروز أنفسهم أيضاً على قوائم أحزاب عربية ( سعيد نفاع عن التجمع الوطني الديمقراطي وذلك في دورة الكنيست السابعة عشر والثامنة عشر) وارتقى بعضهم إلى مناصب ذات أهمية في الدولة الإسرائيلية كالنائب &quot;مجلي وهبي&quot; الذي تولى رئاسة إسرائيل لفترة وجيزة أثناء غياب موشيه كتساف في عطلة، نظراً لتزامن هذه العطلة مع غياب رئيسة الكنيست، والنائب أيوب القرا الذي شغل منصب نائب رئيس الكنيست.

	السلوك الانتخابي للأقلية الدرزية:

	يقطن الدروز البالغ تعدادهم نحو 122,000 نسمة، اثنتين وعشرين قرية في شمال إسرائيل (الجليل وجبل الكرمل)، وقد أثرت جملة من العوامل في السلوك الانتحابي للأقلية الدرزية التي اعتمدت إلى حد كبير على المصالح التي تربطها بالدولة العبرية فبعد أن أبرم مشايخ الدروز اتفاقا بينهم وبين إسرائيل تمخض عنه الحياد الذي التزمت به الطائفة الدرزية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي بالإضافة إلى انضمام أبناء تلك الطائفة إلى صفوف الجيش الإسرائيلي والسياسة التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه فصل الدروز عن باقي الأقليات العربية &quot;المسلمين، المسيحيين&quot;، فضلا عن انخراط الساسة الدروز في الأحزاب اليهودية منذ إنشاء الدولة اليهودية وحتى الآن &quot; وإن كان مهم من شارك على قوائم الأحزاب العربية&quot;، أدى ذلك إلى بلورة اتجاه وإن يكن بشكل اعتيادي على التصويت للأحزاب الصهيونية.

	وتعتبر نسبة التصويت في الوسط العربي الدرزي عادة هي من الأعلى في البلاد، مع العلم أن العرب الدروز الذين صوتوا للأحزاب الصهيونية لم يصوتوا مباشرة لها وإنما صوتوا لمرشحين دروز في هذه الأحزاب بالإضافة إلى التأثير المحدود للقوى الوطنية العربية بينهم.

	وفي انتخابات 2003 وصل عدد أصحاب حق الاقتراع الدروز إلى حوالي (65) ألفًا يعيشون في قرى وبلدات مختلطة يعيش فيها أيضاً مسيحيون ومسلمون، مثل شفا عمرو، البقيعة، أبو سنان والمغار، وبحسب معطيات جمعية &quot;تطوير الديمقراطية في الوسط العربي في إسرائيل&quot;، حصل &quot;العمل&quot; في انتخابات 1996 في هذه القرى والبلدات على (40%) من الأصوات، &quot;الليكود&quot; على حوالي (12%)، &quot;شاس&quot; على (4.5%)، &quot;ميرتس&quot; على (12.5%) و&quot;الجبهة&quot; على (13.5%) من الأصوات. بينما كانت نسبة التصويت في انتخابات 2003 حصل &quot;العمل&quot; في القرى والبلدات ذات أكثرية درزية، على (25%) من الأصوات، &quot;الليكود&quot; حصل على (8.5%)، &quot;شاس&quot; على (10.5%)، &quot;ميرتس&quot; على (5%)، &quot;التجمع&quot; على (6%) وحصلت &quot;الجبهة&quot; على (5.5%) من الأصوات.

	ويمكن اعتبار انتخابات الـ 2006 - نقطة بداية هامة في التحوّل في السلوك الانتخابي للعرب الدروز. إذ حصل التجمع الوطني الديمقراطي على قرابة 5000 صوت بنسبة 28 % في بعض القرى وحصلت والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة على ما يقارب 2000 صوت، مع الأخذ في الاعتبار نسبة الامتناع غير المسبوقة إذ لم تتعد نسبة المشاركة 50%- في المغار ويركا والدالية وعسفيا التي تكوّن معا 60% تقريبا من عدد الدروز.إلا أننا لا يمكن أن نغفل أن نسبة التصويت الأكبر للأحزاب الصهيونية كانت من قبل الأقلية الدرزية التي تطمح في أن تساهم تلك الأحزاب في تغيير الأوضاع الاجتماعية للقرى الدرزية.

	كما شهدت انتخابات 2009 ترشيح خمسة من الدروز هم سعيد نفاع مرشح المقعد الثاني في حزب التجمع الديمقراطي الذي أسسه عزمي بشارة.والمرشح مجلي وهبي نائب وزيرة الخارجية تسيبي ليفنى والمرشح على المقعد الحادي والعشرين في قائمة كاديما.والمرشح أيوب القرا الذي رشح على المقعد الحادي عشر في حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بالإضافة إلى شكيب عنان والذي رشح على المقعد السادس عشر في حزب العمل.أما المرشح الدرزى الخامس فهو حمد عمار الذي أثار جدلا كبيرا بسبب ترشحه للمقعد الثاني عشر في حزب&quot; إسرائيل بيتنا&quot; بزعامة افيغدور ليبرمان اليميني المتطرف والمعروف بطرحه أفكارا معادية للعرب.

	وقد بلغ عدد من لهم حق الاقتراع من الأقلية الدرزية 65540 ناخب صوت منهم 33620 ناخب فيما بلغت نسبة الامتناع في المغار34 % فقط وبالذات بين الدروز، وفي الدالية وعسفيا بلغت النسبة 44% وفي الكثير من المجمعات الأخرى عدا القلّة كبيت جن ويركا وشفا عمرو وحرفيش لم تتعد 51%.بينما حصل التجمع على حوالي 4000 صوت، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حصلت على حوالي 2000 صوت.كما بلغت نسبة المنتخبين للأحزاب الصهيونية في (قرية جولس، قرية ينوح وجت، قرية ساجور، قرية بيت جن، قرية يركا، قرية حرفيش، قرية كسرى وكفر سميع، قرية عين الأسد) 88.4%، أما في القرى المختلطة فقد حصل حزب التجمع من العرب الدروز على 2658 صوتا، وحصلت الجبهة على 1672 صوتا وحصلت الأحزاب الصهيونية على 30591 صوتا.

	انتخابات الكنيست الأخيرة(19)

	جرت انتخابات الدورة التاسعة عشر &quot;الكنيست&quot; في 22/1/2013، حيث تنافست اثنتان وثلاثون قائمة، ويزيد عدد من لهم حق الاقتراع عن خمسة ملايين وستمائة وخمسين ألف ناخب، منهم أكثر من سبعمائة وخمسين ألف مواطن عربي.وشهدت تلك الانتخابات ظاهرة غير مسبوقة وهي عدم وجود أعضاء كنيست من الطائفة الدرزية سوى حمد عمار&quot;الليكود بيتنا&quot; في الدورة الجديدة للكنيست الذي لعب له الحظ بعد أن اندمج حزبه &quot;إسرائيل بيتنا&quot; مع حزب الليكود الحاكم.

	وعن السلوك الانتخابي للدروز في تلك الانتخابات فقد جاءت كالآتي: 

	يت جن :التجمع 7%،الجبهة 3%، جولس: التجمع 2%، الجبهة 2%، حرفيش: التجمّع0%، الجبهة 3%، يانوح- جث: التجمع 0%، الجبهة 3%، يركا: التجمع: 3%، الجبهة: 39%.وهذا يعنى أن عدد لا بأس به من الأصوات الدرزية قد ذهب إلى الأحزاب غير العربية مما يشير إلى أن على تلك الأحزاب أن تبذل قصارى جهدها لجذب الأصوات الدرزية إليها من خلال العمل على تحقيق مطالب تلك الأقلية من حيث المطالب الاجتماعية والسياسية وغيرها والتي تعد من شأنها إحدى أسباب توجه تلك الأصوات إلى الأحزاب الغير عربية، كما أن على تلك الأحزاب أن تدرك أن استمرارية وجودها وقوتها كلاعب رئيسي على الساحة السياسية الإسرائيلية يعتمد على أصوات العرب بشكل عام والدروز بشكل خاص.وعليه فقد حان أن تعي التكتلات العربية أن وحدتها هي جوهر النجاح وأن الأوان قد آن لتغير الخارطة السياسية تحقيقا لمصالح الأقليات العربية داخل إسرائيل (فلسطين المحتلة).

	

	المراجع

	

	1. السلوك الانتخابي للعرب الدروز و&quot;الصرارة&quot; التي تسند البنيان - سعيد نفاع.

	2. دروز 48 في كنف إسرائيل- تقرير شبكة الجزيرة.

	3. ملخص التقرير الاستراتيجي الفلسطيني لسنة 2006، الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

	4. العلاقات اليهودية الدرزية في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني (1918 - 1948)، د. مروان جرار.

	5. حساب الربح والخسارة عند الطائفة الدرزية في الانتخابات الأخيرة - شريف صعب- أبوسنان.

	

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Tue , 07 May 2013 06:55:46 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/465/السلوك-الانتخابي-للأقلية-الدرزية-في-إسرائيل.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>معارك الدستور</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/464/معارك-الدستور.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/5/7/2013-635035402126263711-626_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
من يتأمل ثنايا المشهد السياسي المصري الراهن لا يملك سوى أن يقف متسائلاً عن أسباب الأزمة وجذور المشكلة، ببساطة ما الذي أوصلنا إلى النقطة التي نقف عندها الآن، من هنا تأتى أهمية هذا الكتاب - الذي علاوة على كونه شهادة من قلب الحدث يحاول د. وحيد عبدالمجيد من خلالها التوثيق لمعارك الدستور المصري الجديد</description>
<fulldescription>

	المؤلف: د.وحيدعبدالمجيد

	الناشر:دارهلا،الطبعةالأولى2013

	من يتأمل ثنايا المشهد السياسي المصري الراهن لا يملك سوى أن يقف متسائلاً عن أسباب الأزمة وجذور المشكلة، ببساطة ما الذي أوصلنا إلى النقطة التي نقف عندها الآن، من هنا تأتى أهمية هذا الكتاب - الذي علاوة على كونه شهادة من قلب الحدث يحاول د. وحيد عبدالمجيد من خلالها التوثيق لمعارك الدستور المصري الجديد، التي كان حاضراً فيها، بل وظل متحدثاً باسم الجمعية التأسيسية، قبل أن ينسحب مع احتدام حدة الخلافات بين التيار المدني وقوى التيار الإسلامي- فإنها تجمع التحليل السياسي العميق، وعبر فصول الكتاب، يعد المؤلف القارئ أنه سيجد توثيقا حرص على أن يكون دقيقا إلى أقصى مدى ممكن لأهم أحداث  كتابة الدستور المصري التي مرت بحسب رؤيته عبر أربع معارك رئيسية، يعالجها الكتاب في أربعة فصول هي: معركة الدستور أولا أم الانتخابات أولا، ومعركة الوثائق الدستورية، ومعركة وثيقة ، ومعركة تشكيل الجمعية التأسيسية، أما المعركة الخامسة الخاصة بكتابة الدستور فآثر تناولها فى جزء ثان للكتاب يصدر لاحقاً.

	فمنذ تنحى مبارك في 11/2/2011، وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة الفعلية، حتى أصبح الدستور الجديد هو القاسم المشترك في أكبر المعارك السياسية والقانونية والميدانية في مصر، والتى صارت مرتبطة بمحتوى هذا الدستور بدءاً بمن يكتبه، ووصولاً إلى ما يتضمنه من نصوص.

	دستور في الوقت الخطأ:

	في البداية يذهب المؤلف إلى أنه كان طبيعيا أن يتطلع المصريون إلى تغيير جذري يشمل كل شئ، بما في ذلك الدستور الصادر عام 1971، والمعدل مرتين عام 1980، وعام 2007، ولكن ما لم يكن مفهوماً هو أن يتخيل السياسون والمثقفون أن ثمانية عشر يوما في ميدان التحرير، تكفى للشفاء من أمراض مزمنة منتشرة في أوساطهم، فلم يتم بذل أدنى جهد لمعالجة هذه الأمراض وآثارها، وظهر ذلك واضحاً في الإصرار على إصدار دستور جديد في غياب أهم مقوماته. ويشير المؤلف هنا إلى أن المعارك الأربع التي تناولها الكتاب ربما تساوي في أقل من عامين (2011 -2012) مجموع المعارك الدستورية التي حدثت على مدى أكثر من قرن وربع قرن من الزمن.

	ويوضح المؤلف أن بداية هذه المعارك عجلت بظهور الاستقطاب السياسي - الاجتماعي الحاد بعد أن ظل كثير من ظواهره الأكثر حدة محجوزا ومكبوتاً بفعل القوة الأمنية الباطشة على مدى عقود. فكان نتاج هذا الاستقطاب, طاقة سلبية هائلة تحت السطح، وهكذا تحول المشهد فى مصر من> تضامن وطنى رائع>، انصهرت فيه التيارات السياسية والاجتماعية، والمصريون فى معظمهم، إلى استقطاب حاد بين قوى الإسلام السياسى، التى أضيف إليها رافد جديد عبر خروج السلفيين، والتيارات الليبرالية واليسارية والاتجاهات الإسلامية الوسطية.

	وبحسب المؤلف فإن هذا الاستقطاب هو أسوأ ظرف يمكن كتابة دستور جديد فيه. ويشرح كيف بدا المجلس العسكري مرتبكا بشأن المسألة الدستورية منذ اليوم الأول لتسلمه السلطة، حيث اتجه فى البداية إلى إجراء بضعة تعديلات فى دستور 1971 رغم تعطيل العمل بأحكامه، ثم طريقة تشكيل اللجنة المكلفة بإجراء التعديلات الدستورية، وكيف أن الاستفتاء كان بداية تصاعد الاستقطاب بين قوى الإسلام السياسى والتيارات الليبرالية واليسارية والوسطية.

	ويوضح الكاتب أنه رغم أن التيارات الليبرالية واليسارية وقفت ضد تلك التعديلات، لضرورة إصدار دستور جديد، فقد تم افتعال معركة وهمية حول قضية الشريعة التى لم تكن مطروحة أساسا، و هذا يفسر لماذا وافقت أغلبية كبيرة 77% لصالح التعديلات الدستورية، التي لم يحدث حولها أي نقاش جاد.

	وثائق مختلفة ومعركة واحدة:

	بين المؤلف أنه عندما حسم  معركة  وتبنى جدولاً زمنياً يجعل الدستور تالياً للانتخابات البرلمانية بل يكون مرتبطا بنتائجها، بدأت على الفور معركة دستورية ثانية فجَّرتها مخاوف من هيمنة الأغلبية البرلمانية على عملية وضع مشروع الدستور. فقد وضع الإعلان الدستوري الذي صدر فى 30/3/2011، دون التزام كامل بما تم الاستفتاء عليه في 19 من الشهر نفسه، هذه العملية بين يدي مجلسي الشعب والشورى عقب انتخابهما، وربطها بالتالي بالأغلبية في هذين المجلسين.

	ولذلك سعى القلقون من هذه الآلية إلى وضع مبادئ أساسية تلتزم بها الجمعية التأسيسية المنتخبة . وشهدت الفترة من أبريل إلى يونيو 2011 إصدار أكثر من عشر وثائق حاكمة للدستور. وكان الاتجاه الغالب هو أن تكون المبادئ المتضمنة فيها ملزمة لواضعي مشروع الدستور، باستثناء وثيقة الأزهر، ووثيقة  اللتين تضمنتا مبادئ اعتُبرت استرشادية.

	معركة وثيقة المبادئ الأساسية للدستور:

	يرى المؤلف أن الوثيقة التي سعى د. على السلمي إلى إصدارها بعد انضمامه إلى حكومة د.عصام شرف، وأثارت إحدى أكبر المعارك الدستورية، لم تكن اختراعاً جاء به أو تحولاً مفاجئاً، بل نتيجة جدل واسع النطاق بدأ منذ تعطيل العمل بدستور 1971. وقد سعى د. السلمى إلى إجراء حوار مع مختلف الاتجاهات والتيارات الأساسية فى الساحة السياسية حول هذه الوثيقة، التى اقتنع بضرورتها، وبرأى من طالبوا بأن تكون ملزمة وحاكمة لعملية وضع مشروع الدستور. وكانت المسودة المطروحة للنقاش تضم 21 بنداً مستمدة مما ورد فى وثائق أُعلنت فى الأشهر السابقة، ولم تتضمن أية إشارة إلى أنها وثيقة ملزمة أو حاكمة للدستور، حيث أُضيفت تلك الإشارة فى مرحلة لاحقة.

	وضعت مسودة الوثيقة ثلاثة معايير لتشكيل  وهى استبعاد نواب البرلمان ومنع أعضائها من شغل مناصب لمدة 3 سنوات بعد وضع الدستور.. وأن تضم كافة أطياف المجتمع.. وأن يكون للرئيس حق الاعتراض على تشكيلها.

	معركة تشكيل الجمعية التأسيسية:

	تناول المؤلف معركة تشكيل الجمعية التأسيسية فى الفترة من مارس إلى يونيو 2012، والتي رأى أنها كانت أولى ألغام الإعلان الدستورى ومادته الستين. فقد وضعت هذه المادة دستور مصر الجديد بين يدى جمعية تأسيسية غير محددة المعالم، إذ لم تفصح سوى عن آلية شديدة العمومية لاختيارها، وهى أن يجتمع الأعضاء المنتخبون فى مجلسى الشعب والشورى لانتخاب مائة عضو لها، وأن يتم ذلك خلال ستة أشهر من انتخاب المجلسين، على أن تضع الجمعية مشروعا للدستور خلال ستة أشهر أخرى لطرحه على استفتاء عام. ويقول المؤلف إن واضعى هذا النص فى الإعلان الدستوري تأثروا بالاتجاه العام فى طريقة تشكيل الجمعية التأسيسية التى وضعت مشروع دستور1971، ولكن مع اختلاف فى التفاصيل، وهو الاعتماد على البرلمان بصفة أساسية، ازدادت هذه المشاكل، وصارت أكثر حدة وخلقت انفجارا سياسيا، عندما استحوزت قوى الإسلام السياسى، من خلال حزبي الحرية والعدالة والنور، على أكثر من ثلثى مقاعد المجلسين. ويشير المؤلف إلى أنه تبين من هذه التجربة أن من طالبوا بوضع معايير مسبقة لتشكيل الجمعية التأسيسية كانوا على حق، بخلاف من وضعوا خطر الحكم العسكرى فوق خطر هيمنة قوى الإسلام السياسى، وخشوا أن يؤدى تصاعد الصراع على هذه المسألة إلى معركة تضعف فرصة بناء التوافق الوطنى، فقد اشتعلت المعركة بعد انتخاب مجلسى الشعب والشورى، وظهر منذ الاجتماع المشترك الأول لهما أنها معركة حامية الوطيس وشديدة الخطورة.

	أخيراً، انطلاقاً من أن التاريخ بالوثائق تصبح له آذان وعيون، تضمن الكتاب مجموعة من الوثائق الهامة التي تعلى من مصداقيته، وتوثق لأوقات من عمر هذا الوطن ربما لن تغادر ذاكرته لحجم تأثيرها وعمق أثرها فيما انبلج عنها من وقائع وأحداث تدعم رؤية ذاتية لمؤلف الكتاب أهم ما فيها أنها تفتح الباب أمام غيرها من الرؤى والشهادات المتنوعة.

	

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Mon , 06 May 2013 09:10:39 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/464/معارك-الدستور.aspx</guid>
</item>
<item>
<title> العراق: هل تطيح الاحتجاجات بحكومة المالكى؟</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/463/-العراق-هل-تطيح-الاحتجاجات-بحكومة-المالكى؟.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/28/2013-635027627004472601-447_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
مع حلول الذكرى العاشرة للاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003، لم يعد العراق أكثر استقرار وأمنا مما كان عليه في الفترة السابقة على الاحتلال، أو خلال العامين الماضيين، حيث باتت القاعدة العامة هي حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وهذه المرة، لا ترجع أسباب عدم الاستقرار إلى الصراع الداخلي بين القوى العراقية حول اقتسام السلطة والثروة فحسب، وإنما أيضا إلى الصراع الدائر في سوريا منذ مارس 2011، والذي امتدت تأثيراته إلى داخل العراق.</description>
<fulldescription>

	

	مع حلول الذكرى العاشرة للاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003، لم يعد العراق أكثر استقرار وأمنا مما كان عليه في الفترة السابقة على الاحتلال، أو خلال العامين الماضيين، حيث باتت القاعدة العامة هي حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وهذه المرة، لا ترجع أسباب عدم الاستقرار إلى الصراع الداخلي بين القوى العراقية حول اقتسام السلطة والثروة فحسب، وإنما أيضا إلى الصراع الدائر في سوريا منذ مارس 2011، والذي امتدت تأثيراته إلى داخل العراق.

	أولا : التحرك  للقوى السنية:

	كان للصراع في سوريا أثر الانتشار SpillOverعلى العراق، خاصة بعد نجاح قوات المعارضة السورية التي يغلب على تكوينها المكون السني، في السيطرة على عدد من المناطق والمدن، وإصرارها على السيطرة على أخرى من خلال خوضها صراعا مستمرا مع قوات النظام، حيث ألهم ذلك القوى السنية في العراق بتنظيم المظاهرات والاعتصامات، بهدف تعديل وضعهم ، من حيث نصيبهم في السلطة، ومن ثم في مؤسسات الدولة.

	وقد كان اعتقال عدد من عناصر حماية وزير المالية العراقي، رافع العيساوي القيادي في القائمة العراقية في منتصف ديسمبر 2012، مناسبة لاندلاع هذه المظاهرات، حيث دفع ذلك مجموعة من العشائر والقوى السنية لتنظيم المظاهرات والاحتجاجات في المحافظات ذات الأغلبية السنية في الغرب والشمال والوسط، انطلاقا من محافظة الأنبار، إلى جانب تنظيم اعتصام مستمر في الرمادي والموصل.

	وتطالب هذه المظاهرات بأربعة مطالب، تشمل إلغاء قانون المساءلة والعدالة الذي حل محل قانون اجتثاث البعث، وإلغاء المادة 4 من قانون الإرهاب، وتحقيق التوازن في أجهزة ومؤسسات الدولة ، وإجراء تعداد سكاني بإشراف دولي قبل تنظيم انتخابات في العراق.

	ولا تزال سياسات الحكومة في التعامل مع المظاهرات الحالية غير فاعلة، ولا تتعدى كونها  مؤقتة، بل إنها تستفز قوى الشارع لتصعيد مطالبها ورفع سقفها، وعدم فاعلية هذه السياسات ليس وليد اللحظة، وإنما ناتج بدرجة كبيرة عن استمرار أولوية اقتسام السلطة السياسية على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وهو ما قد يكون لعب دورا في دفع تحرك قوى الشارع لتتخلى عن مطالبها الاجتماعية والاقتصادية التي تصدرت مظاهرات 2011 لصالح مطالب سياسية مرتبطة بتحسين وضع السنة.

	وقد اتبعت حكومة المالكي عدد من السياسات للتعامل مع هذه المظاهرات. فمن ناحية، استخدمت الحكومة العنف لفض المظاهرات، وهو ما تسبب في حادث الفلوجة 25 يناير 2013 الذي أدى إلى مقتل سبعة أشخاص، نتيجة إطلاق الجيش النار على المتظاهرين وهم يؤدون صلاة الجمعة.

	ومن ناحية ثانية، سعى المالكي لتشويه المظاهرات، حيث حذر المالكي في بيان له من ، كما صرح في 2 يناير 2013 بأن هناك . ومن ناحية ثالثة، لجأ المالكي للنأي بنفسه عن المسئولية عن هذه المظاهرات، حيث حمل مجلس النواب مسئولية تلبية مطالب المتظاهرين، كما شكل لجنة وزارية تتألف من سبعة وزراء، ويرأسها حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء، لمناقشة مطالب المتظاهرين.

	وفي المقابل، نجحت قوى الشارع في استقطاب القوى السياسية المناوئة للمالكي لمساندتها. فمن ناحية، تم استمالة مسعود بارزاني، على نحو يفيد بتحول الدور الكردي في الصراع في العراق، حيث ظل الأكراد خاصة جلال طالباني الوسيط بين المالكي والقوى العراقية الأخرى، ولكن يبدو من سياسات الاستعداء التي اتبعها المالكي مؤخرا ضد الأكراد، ومنها إرسال قيادة عمليات دجلة إلى المناطق المتنازع عليها ووقف رواتب ثلاثة أفواج كردية تابعة للفرقة 12، ومدرسة قلاجولان وزاخو العسكريتين التابعتين للجيش العراقي، أن أصبح الأكراد، خاصة في ظل غياب طالباني بعد مرضه، طرفاً مباشراً في هذا الصراع.

	كما أعلن التيار الصدري تأييده للمظاهرات، وأعلن انسحاب وزرائه من اللجنة الوزارية بعد ، وهما وزير البلديات، ووزير الموارد المائية. كما أعلن مقتدى الصدر تضامنه مع مطالب المتظاهرين في الأنبار وطالب في أول يناير 2013 النواب بالوقوف إلى جانب المتظاهرين ، وأكد مخاطبا المالكي .

	ومن ناحية ثانية، اتجه المتظاهرون لتأكيد الوحدة الوطنية، من خلال رفعهم شعار ، وتنظيم صلاة جمعة موحدة في 4 يناير 2013 في جامع الشيخ عبدالقادر الجيلاني في بغداد حيث تجمع السنة والشيعة، وقد شارك السيد الصدر فيها.

	وقد سعت القوى لتصعيد تحركاتها من خلال إعلانها عن تنظيم مسيرات تجاه بغداد في إطار جمعة  إلى حي الأعظمية ببغداد في 15 فبراير 2013 ، ولكنها تراجعت عن ذلك استجابة لرأي المرجعية السنية، التي حذرت مما قد يترتب على ذلك من مواجهات بين المتظاهرين والقوات العراقية. كما طالب مفتي الديار العراقية رافع الرفاعي، والشيخ عبدالملك السعدي في 4 مارس 2013 بانسحاب وزراء القائمة العراقية من الحكومة احتجاجا على عدم استجابة المالكي لمطالب المتظاهرين، وذلك أسوة برافع العيساوي وزير المالية، ولا تزال القائمة العراقية منقسمة حول اتخاذ قرار بهذا الشأن.

	ــ ثانياً: الخلاف مع الأكراد:

	وتزامنت هذه الاحتجاجات مع تصاعد التوتر بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد حول صلاحيات كل منهما في مواجهة الأخرى، خاصة مع تبني الأكراد، لاسيما مسعود بارزاني، موقفاً مغاير لموقف المالكي من الصراع في سوريا، حيث يؤيد بارزاني تحركات المعارضة السورية،وتشير عدة تقارير لتقديم كردستان تدريب لأكراد سوريا على إدارة سوريا بعد الأسد، بينما يقدم المالكي دعما متعدد الأبعاد لنظام الأسد.

	ومثل هذا الاختلاف في المواقف، أدى إلى توتر العلاقات بين الطرفين، والتي لم تكن سلسة طوال الفترة الماضية، حيث هناك عدد من القضايا الخلافية، أبرزها حدود دور قوات البشمركة. فبينما يتعامل معها إقليم كردستان كقوة نظامية تابعة له يمتد نطاق عملياتها إلى المناطق المتنازع عليها في نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالي، والتي تنظمها مادة 140 من الدستور، ترى حكومة المالكي أن الجيش العراقي هو المسئول عن تأمين الأوضاع في المناطق المتنازع عليها.

	كما يختلف الجانبان حول كيفية إدارة حقول النفط والغاز الواقعة في إقليم كردستان. فبينما تنزع حكومة الإقليم إلى التفرد بإبرام عقود النفط مع الشركات الأجنبية، ترى الحكومة المركزية أنها صاحبة الحق في ذلك.إلى جانب ذلك، لا يزال الخلاف بينهما حول بنود الموازنة العامة، ونصيب قوات البشمركة وإقليم كردستان منها قائما، وهو ما يعطل تصديق مجلس النواب على الموازنة حتى كتابة هذا المقال.

	بعبارة أخرى، تسعى حكومة كردستان لمزيد من الاستقلالية، بينما رفضت حكومة المالكي في أكثر من مناسبة هذا المسعى، ودفعت نحو مزيد من المركزية في إدارة شئون البلاد بما يضمن تبعية الإقليم للحكومة المركزية. بينما يرى الأكراد في استمرار هذه السياسات، خطراً يهدد ما حصلوا عليه من مكاسب، خاصة أن هناك حديثاً عن اتجاه إقليم كردستان إلى الإعلان عن حقه في تقرير المصير، إذا ما تم الإخلال بمواد الدستور التي تعالج القضايا الشائكة بين كردستان والحكومة المركزية، خاصة تلك المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وهذا ما أكده الرئيس العراقي جلال طالبان، ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أكثر من مرة.

	وقد كشفت هذه الأزمة عن دلالتين رئيسيتين:

	الأولىهي أن هذه الأزمة نتيجة لسياسات حكومة المالكي منذ فترة ولايته الأولى، حيث يرغب رئيس الوزراء في السيطرة على المؤسسات الرئيسية في الدولة، السياسية والأمنية، بدلا من أن يتشارك في إدارتها مع القوى الأخرى، باعتباره الطرف الأقوى الذي يستطيع أن يفرض إرادته، واستنادا لتصريح أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: .

	وغياب هذه الشراكة يحول دون التوصل لحلول مرضية لكل الأطراف حول القضايا الخلافية، كما أنه يعني إفراغ ما تم الوصول إليه من اتفاقيات مسبقة من مضمونها، مثل اتفاق أربيل 2010 الذي سمح بتشكيل حكومة المالكي الحالية، والدستور العراقي الذي رغم ملاحظات القوى السياسية عليه إلا أنه يعد الوثيقة التي تضع قواعد اللعبة السياسية في العراق، حيث يعد السبب الرئيسي في الأزمة الأخيرة هو عدم تشاور المالكي مع الأكراد حول تشكيل هذه القيادة الجديدة، ومحاولته تسويق فكرة  وجود قوات البشمركة، وعدم أحقيتها في الوجود بالمناطق المناطق المتنازع عليها، وقفزه على الاتفاق الخاص باللجنة المشتركة الذي تم التوصل إليه في 2008.

	وتتعلق الدلالة الثانيةبأن تحالف القوى الكردية مع المالكي استنادا لاتفاق أربيل، لم يتعد كونه إجراءً لبناء الثقة معه، تمهيدا لمعالجة القضايا الخلافية معه، والتي تدور حول درجة استقلال حكومة كردستان في إدارة مواردها عن الحكومة المركزية، وحول صلاحيات كل منهما في مواجهة الأخرى، خاصة فيما يتعلق بحدود دور قوات البشمركة، حيث يتعامل إقليم كردستان مع البشمركة على أنها قوة نظامية تابعة له، وتعتبر جزءا من القوات العراقية، وتحصل على ميزانيتها من الميزانية الاتحادية، وأن نطاق عملياتها يمتد إلى المناطق المتنازع عليها في نينوى وكركوك وصلاح الدين وديالي، وهي المناطق التي لم تتم معالجة وضعها بعد، استنادا للمادة 140 من الدستور، بينما ترى حكومة المالكي أن الجيش العراقي هو المسئول عن تأمين الأوضاع في المناطق المتنازع عليها، وهو ما ينذر ببداية تحول الأكراد من وسيط إلى ند للمالكي، حيث يلعب الأكراد منذ الانتخابات البرلمانية في 2009 دور الوسيط بين القائمة العراقية ودولة القانون، حيث كان لهم دور محوري في التوصل لاتفاق أربيل رغم أنه لم ينفذ، كما لعبوا دورا مهما في أزمة انسحاب ممثلي القائمة العراقية من حكومة المالكي إثر تسييس قضية طارق الهاشمي، وتحول الأكراد من كونهم  إلى  للمالكي سيجعل حكومته بدون شركاء من خارج القوى السياسية الشيعية.

	ــ وما يدعم هذا التحول في موقف الأكراد عاملين رئيسين هى:

	العامل الأوليتعلق بإصرار المالكي على تقليص استقلالية إقليم كردستان، وهذا ما تؤكده الأزمة الأخيرة، حيث تفيد باتجاه المالكي للسيطرة على أجهزة الدولة الأمنية، إعمالا لمنطق الاستئثار بالسلطة، وهو ما سبق أن نفذه في مواجهة القائمة العراقية والقوى السنية، وهذا يعني أن المواجهات بين المالكي والأكراد قد تنفجر في أي لحظة.

	ــ ويتعلقالعامل الثاني، بغياب منطق الشراكة في تعامل الحكومة مع القوى الأخرى، في ضوء غياب الثقة بين القوى السياسية الرئيسية، والتي هي من ميراث الماضي، ولم تتخذ أي إجراءات لتبديدها، وهذا ما يؤكده مخاوف الأكراد من تزايد قوة الجيش الاتحادي، وغياب الوسيط الأمريكي، قبل أن تتم إعادة بناء الثقة بين الطرفين، حيث لعبت واشنطن دورbuffer بين هذين الطرفين طوال فترة وجودها في العراق، حيث تدرك واشنطن أهمية الدور الذي لعبه الأكراد في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003، وترى في استمرار هذا الدور  لاستمرار النموذج السياسي للسلطة الذي خلقته بعد الاحتلال، والذي يقوم على التداول  للسلطة، و القوى المختلفة في الحكومة، بصرف النظر عن حجمهم الحقيقي في الشارع، وضعف الحكومة المركزية الموالية لإيران في مواجهة حكومة كردستان المدعومة من تركيا.

	ولذا حرصت واشنطن على محاولة معالجة قضية المناطق المتنازع عليها قبل إعادة انتشار قواتها في العراق، إذ تدرك واشنطن أن السيطرة على هذه المناطق هو في إطار الصراع السياسي بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان، ودعمها أي من الطرفين سيعني عمليا خسارتها للآخر الذي هو حليف مهم لها في العراق، يتمتع بقدرة ما حتى الآن على التأثير في مواقفه.

	وتحول الأكراد الكامل إلى طرف في الصراع، واستمرار دعمهم للقوى السنية، يتوقف بدرجة كبيرة على كيفية تعامل الحكومة المركزية مع مطالبهم الخاصة بمزيد من الاستقلال، وحجم الضغوط الخارجية التي تمارس عليها من أجل تقديم تنازلات للأكراد، فضلا عما سينتهي إليه الصراع في سوريا، وقد أشارت العديد من التقارير والتحليلات التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط مؤخرا، إلى وجود تحرك أوروبي وأمريكي لتحفيز الأكراد على التوسط بين الحكومة والمتظاهرين، من خلال عقد مؤتمر للحوار الوطني في أربيل، بعد عودة جلال طالباني من العلاج، للتوصل إلى صيغة تسمح بالخروج من الأزمة السياسية التي يمر بها العراق حاليا، وفي هذه الحالة، سيكون الرابح الأكبر هم الأكراد، وحينها قد لا تحصل القوى السنية على كثير من التنازلات من حكومة المالكي.
</fulldescription>
<pubDate>Sun , 28 Apr 2013 03:57:26 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/463/-العراق-هل-تطيح-الاحتجاجات-بحكومة-المالكى؟.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>قرصنة الدولة: التكنولوجيا الحديثة فى خدمة الآلة القمعية</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/461/قرصنة-الدولة-التكنولوجيا-الحديثة-فى-خدمة-الآلة-الق.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/26/2013-635025475702661758-266_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
أصبحت التكنولوجية الحديثة فى مجال الاتصالات والمعلومات رافد من روافد حرية الرأى ونشر الحقائق، وقد كانت الألفية الثانية هى البداية الحقيقية لتلك الثورة التكنولوجية فى مجال حرية الرأى وتداول المعلومات، مع ظهور موقع ويكليكس لنشر المعلومات المحجوبة عن النشر من جانب الدول و الحكومات. ولم يكن من الممكن أن يكتب لتجربة موقع ويكيليكس هذا النجاح الساحق، والذى أزعج السلطات فى العالم المتقدم، وأدى للقبض على مؤسس الموقع والعديد ممن تعاونوا معه، دون وجود هذا الرافد الجديد – شبكة الإنترنت – الذى يسعى للفكاك من كل أشكال الرقابة القمعية التى تفرض على الكثير من وسائل الاتصال. </description>
<fulldescription>

	

	أصبحت التكنولوجية الحديثة فى مجال الاتصالات والمعلومات رافد من روافد حرية الرأى ونشر الحقائق، وقد كانت الألفية الثانية هى البداية الحقيقية لتلك الثورة التكنولوجية فى مجال حرية الرأى وتداول المعلومات، مع ظهور موقع ويكليكس لنشر المعلومات المحجوبة عن النشر من جانب الدول و الحكومات. ولم يكن من الممكن أن يكتب لتجربة موقع ويكيليكس هذا النجاح الساحق، والذى أزعج السلطات فى العالم المتقدم، وأدى للقبض على مؤسس الموقع والعديد ممن تعاونوا معه، دون وجود هذا الرافد الجديد - شبكة الإنترنت - الذى يسعى للفكاك من كل أشكال الرقابة القمعية التى تفرض على الكثير من وسائل الاتصال.

	لكن هذا المنفذ الجديد للحرية يواجه اليوم العديد من المخاطر، من أجل تحجيم دوره، وتقييد حرية النشطاء عليه والتعرف على هويتهم، ومن ثم اتخاذ إجراءات قمعية ضدهم، فى الدول الذى يسمح وضع حقوق الإنسان فيها بذلك، على أن تسن الدول، التى قطعت شوطا طويلا فى تطبيق سيادة القانون، قوانين خاصة تسمح بمعاقبة من يساهم أو يساعد فى نشر معلومات تتصف بالسرية على شبكات الإنترنت.

	

	الدول العظمى من موقع الضحية لموقع الجلاد:

	مع تزايد الدور الذى تلعبه تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات فى الاقتصاد الدولي، أصبح تأمين هذا الرافد التكنولوجى الجديد هو الهاجس الأكبر المسيطر على دوائر صناعة القرار فى العالم المتقدم. فمن بعد الهجمات التى شهدتها حاسبات البنوك فى شرق أسيا، وكانت سببا فى انهيار النظام المصرفى هناك، أصبحت القطاعات الأمنية المختصة بأمن المعلومات وجرائم الإنترنت من القطاعات ذات الأهمية، مثلها مثل قطاعات رصد الجريمة المنظمة، والنشاطات الإرهابية وعمليات التجسس، بل أصبحت جزء رئيسى فى عمليه مكافحة تلك النشاطات الاجرامية.

	تضخم حجم الهجمات التى يعانى منها مستخدمى الحاسبات وشبكات الإنترنت تضخما مهولا؛ فيقدر حجم الرسائل ، المعروفة باسم (spams)، التى تفرض نفسها على متصفح الإنترنت، وتغزو البريد الإليكتروني، بحوالى 2 مليار رسالة مرسلة فى اليوم، كما يقدر معدل البرامج (الكود) المصممة لسرقة المعلومات الشخصية الموجودة على الشبكة، بحوالى 46 برنامج جديد كل ثانية. تقدر كمية الأموال المنهوبة من خلال عمليات القرصنة فى دول المجموعة الأوربية بحوالى 292 مليار يورو سنويا، مع تقدير عدد ضحايا عمليات النهب تلك بحوالى مليون فرد سنويا (جريدة اللوموند الفرنسية 25 فبراير 2013 ). من هذا المنطلق قامت المجموعة الأوربية بتأسيس لجنة من المتخصصين، بغرض ملاحقة مرتكبى جرائم الفضاء التخيلى فى دول المجموعة، لمقاومة عمليات سرقة المعلومات، وانتحال هويات الأفراد، ومتابعة المواقع العنصرية والإجرامية، وفى النهاية حماية قواعد البيانات الحكومية، ونظم المعلوماتية الخاصة بالمواقع الحيوية للدول (كهرباء - ماء - مفاعلات نووية) من الهجمات الفيروسية الرامية لتعطيلها . 

	أتخذ الأمر منحى أكثر خطورة مع خطاب الاتحاد، الذى ألقاه الرئيس براك أوباما على الأمة الأمريكية فى 12 فبراير 2013، والذى أعلن من خلاله عن . جاء تصريح براك أوباما بناء تقرير قدمته إليه أحدى المؤسسات المختصة فى أمن المعلومات، يحمل عنوان . يؤكد التقرير وفقا لجريدة لوموند الفرنسية الصادرة فى 21 فبراير 2013، بأن الحزب الشيوعى الصينى كلف جيش التحرير الشعبى بتكوين وحدة متخصصة للتجسس وسرقة محتويات قواعد البيانات، بغرض التجسس ومهاجمة العديد من المنظمات والمؤسسات العالمية، وبالأخص الأمريكية منها، وفقا للتقرير السابق. وقد كانت قد أعلنت كل من صحيفة ، و، أسبوع قبل خطاب أوباما، عن تعرض قواعد البيانات لديها لهجمات بغرض الاستحواذ على معلومات سرية عن هوية الأشخاص المتصلين بتلك الصحف. ورجح أن سبب تلك الهجمات هو رغبة الصين فى التعرف على هوية المصادر الصينية من نشطاء حقوق الإنسان المتصلين بتلك الصحف. وقد ذكر التقرير الأمريكي، الذى يحمل اسم ، أنه تم رصد 19 هجمة للتجسس المعلوماتى فى عام 2006 على مؤسسات معلوماتية، و16 هجمة على القواعد المعلوماتية لصناعات الطائرات، و12 هجمة على مؤسسات صناعة الأقمار الصناعية، و8 هجمات على مؤسسات عاملة فى مجال الطاقة، كما رصد التقرير حوالى 141 هجمة على مؤسسات إستراتيجية، وإدارات حكومية هامة فى نفس السنة، مع الإشارة بأن تلك الهجمات زادت بمعدلات كبيرة منذ عام 2010. وقد تم رصد مركز تلك الهجمات، وهو مبنى فى ولاية شنجهاى الصينية، يعد مبنى مجهول النشاط ولكنه محذور لكونه منطقة عسكرية. كما ذكر التقرير أنه تم رصد منظمة جديدة تابعة للجيش الصينى تحمل اسم (61398 )، تملك عدد الخوادم الشبكية المستخدمة بداخله يقدر بحوالى ألف خادم ذو قدرة عالية، وذكر أن هذا المركز يستخدم الآلاف من أصحاب القدرات الخاصة فى اختراق شبكات المعلومات فى كافة أنحاء العالم، مستخدمين تكنولوجيات حديثة شديدة السرية لا يمكن كشفها بسهولة.

	كل هذا يفسر النبرة الحادة فى خطاب الرئيس أوباما للأمة، عندما أعلن عن . وقد أنكرت الصين كل الاتهامات الموجهة لها، وأعلنت على لسان المتحدث الرسمى لوزارة الخارجية الصينية، هونج لي، بأن ظاهرة القرصنة الدولية مشكلة عالمية، وأن الصين نفسها تعد من أكثر ضحايا تلك الظاهرة.

	لقد بدأت حروب القرصنة فى مجال المعلوماتية بين الدول تظهر على السطح ، وتلفت الأنظار إلى اهتمام معظم الدول العظمى بتنمية قدرات القرصنة المعلوماتية لديها، والتى ستصبح أحد الأسلحة المهمة فى الصراعات القادمة بين الدول فى عصر تفادى المواجهات العسكرية، إن أمريكا نفسها التى تطلق استغاثات معلنة للخطر القادم ضد البنى التحتية للمعلوماتية لديها، تعد من أكبر منظمى الهجوم الإليكترونى على نظم المعلوماتى فى الدول المناهضة لها، ويشهد على ذلك الهجوم الذى تم على حاسبات المفاعل النووى الإيرانى فى عام 2010، والتى أشارات أصابع الاتهام لها، بالتعاون مع الكيان الصهيوني، لقد تحولت الدول العظمى من مجرد ضحية لهجمات قراصنة المعلومات ومخترقى الشبكات، إلى منفذ ومخطط لشن تلك الهجمات على دول أخرى، قبل أن يصبح المواطن نفسها هدفا لتلك الهجمات.

	

	شركات للقرصنة

	من خدمة الشركات لخدمة من يدفع أكثر :

	هذا السوق الجديد يقبع على رأس قائمته، المؤسسات الرسمية مثل الجيش، والمخابرات والبوليس، الذين قد يستخدموا منتجات التجسس فى تتبع مجرمين الإنترنت وغيرهم. لكن ليس هناك رقيب على تلك الاستخدامات، فقد يمتد لكيانات اقتصادية وعسكرية لدول أجنبية، بل و أفراد تقرر الحكومات أنهم يمثلون تهديد للأمن القومى لتلك الدول الكبرى، داخل وخارج حدودها، وكما أوضحنا فإن مثال الهجوم على حاسبات مفاعل التخصيب الإيرانى فى 2010، والتى أشارت أصابع الاتهام للاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، فى توجيها لفيروس قاتل لتلك الحاسبات هو أكبر مثال. تتعدد الشركات التى تقدم خدمات التجسس تلك فى كافة أنحاء العالم(الولايات المتحدة - الفلبين - أوروبا - جنوب أفريقيا). تتنوع وتتعدد هذه البرامج الجديدة، التى أصبحت سلعة تباع وتشترى، وتخرج كل يوم المبتكر والحديث، والذى يصل إلى أدق تفاصيل حياة المستخدم دون علمه(ابتكار برامج تجسس تجعل التليفونات الذكية الجديدة تنقل بالصوت ما يدور فى حجرة مغلقة حتى لو كانت التليفونات مغلقة).

	و فى هذا السوق الجديد للتجسس على المعلوماتية، تعتبر مؤسسات الحكومة الأمريكية هى الزبون الأول وصاحب نصيب الأسد أو وفقا لـ ، (أحد أعضاء اتحاد الحريات المدنية الأمريكي)، حيث صرح . فتلك كيانات تدفع مبالغ مالية ضخمة من أموال دافع الضرائب، من أجل التجسس على مواطنيها، أو مواطنى الدول الأخرى، أو تقوم بتزويد الدول الحليفة معها، التى تشهد معوقات لتطبيق حقوق الإنسان، بتلك البرامج، من أجل قمع المعارضين لديها. وقد كشفت تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية (جريدة اللوموند الفرنسية 19 فبراير ) عن الكثير من الحالات تم فيها استخدم برامج التجسس تلك، منها دبي، حيث وجد برامج تجسس فى حاسب أحد معارضى النظام المقبوض عليهم، وكذلك الحال فى المغرب. يضيف التقرير أن برامج التجسس من خلال التليفونات الذكية والمعروفة باسم  قد بيعت لكل من مصر والبحرين والكويت وتركمستان وبروناي. غدت تكنولوجيا المعلومات رفد جديد من روافد الحرية والتعبير عن الرأي، شهدت أعظم تتويج لفاعليتها مع الثورة المصرية، لكن واضح أن الأجهزة الأمنية فى العالم لها كلمة أخرى، وأن هذا التقدم التكنولوجى سيصبح وسيلة لتصفية نشطاء حرية الرأى.  

	      

	    

	
</fulldescription>
<pubDate>Fri , 26 Apr 2013 04:25:53 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/461/قرصنة-الدولة-التكنولوجيا-الحديثة-فى-خدمة-الآلة-الق.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>النخبة والثورة سياسات التحول فى مصر</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/460/النخبة-والثورة-سياسات-التحول-فى-مصر.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/26/2013-635025410288117758-811_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
يأتى كتاب 

«النخبة والثورة» ليمثل ترجمة فكرية وبحثية لواقع مزدحم بالأحداث منذ رحيل الرئيس 

السابق عن سدة الحكم فى 11 فبراير 2011، فهو ليس كتابا رصديا عن الثورة، بل هو تعبير 

عن حالة ثورية، حيث تسلسلت مفرداته وأفكاره مع تلك الانتفاضة الثورية التى انطلقت 

شراراتها فى 25 يناير 2011 متجاوزا فى ثنايا سطوره الأفكار السطحية ليبحث فى كنهها 

وغاياتها والتفاعلات التى صاحبتها والتدافعات غير المنظورة بين أطرافها وحولها</description>
<fulldescription>

	

	

	

	المؤلف : نبيل عبد الفتاح

	الناشر: دار العين 2013

	

	
		لا شك أن احتدام الصراع السياسى فى مصر أصبح يشكل عبئاً على تطور الدولة المصرية
	
		
	
		التى هى فى طور مهم من أطوار بنائها الحداثى، تلك الدولة التى اختطفت مؤسساتها
	
		
	
		ومكوناتها وقدراتها المادية والمعنوية والبشرية لعقود لتصب منتجاتها وتفاعلاتها خارج
	
		
	
		نطاق التأثير الفعلى لتطور شكل هذه الدولة وبنيتها الدستورية والقانونية والقيمية المرجوة،
	
		
	
		بل يكون بعيدا عن تشكيل وعى مواطنيها وبنائهم الفكرى والعلمى والعملى، وتحديد الأهداف
	
		
	
		الكبرى وفق المحددات والمتطلبات الأساسية للدولة الأمة فى نمطها الحديث.
	
		إنه صراع مؤثر على روح مصر وتاريخها، يبدد فى جوهره وحدة هذه الدولة الأمة ويفتت
	
		
	
		مكوناتها تحت وطأة أطروحات أيديولوجية بالية ورؤى ضيقة وانتهازية سياسية لا ترقى لأن
	
		
	
		تمثل أياً منها تعبيرا دقيقا عن حقيقة تلك الدولة المصرية العتيقة، وعن روحها الوطنية
	
		
	
		وحدودها المكانية والزمانية وتفاعلاتها التاريخية والجغرافية، فى هذا الإطار وحول هذه
	
		
	
		الفكرة المركزية للدولة الأمة والإشكاليات المحيطة بها على وقع الثورة المصرية يأتى كتاب
	
		
	
		 ليمثل ترجمة فكرية وبحثية لواقع مزدحم بالأحداث منذ رحيل الرئيس
	
		
	
		السابق عن سدة الحكم فى 11 فبراير 2011، فهو ليس كتابا رصديا عن الثورة، بل هو تعبير
	
		
	
		عن حالة ثورية، حيث تسلسلت مفرداته وأفكاره مع تلك الانتفاضة الثورية التى انطلقت
	
		
	
		شراراتها فى 25 يناير 2011 متجاوزا فى ثنايا سطوره الأفكار السطحية ليبحث فى كنهها
	
		
	
		وغاياتها والتفاعلات التى صاحبتها والتدافعات غير المنظورة بين أطرافها وحولها، تلك
	
		
	
		الثورة التى كان يتعمد المفكر والباحث نبيل عبد الفتاح متابعة تفاعلاتها عن كثب من قلب
	
		
	
		الميادين وداخل وسائل المواصلات العامة بين الناس مراعاة لدقة الرصد وجمع المعلومات،
	
		
	
		فهو كتاب مزيج بين حالة استثنائية وكاتب استثنائى، في تلك الأيام العصيبة التى كان تمر
	
		
	
		بها مصر، والشباب يسطر طموحات هذه الدولة الامة بدمائه انطلق إلى الميدان ليراقب
	
		
	
		ويتابع بشغف ويشارك بأمل هذه الانتفاضة الثورية ليرصد كل المعانى التى ترجمها فى كتابه
	
		
	
		من أمل وكرامة وحرية، مستدعيا تاريخاً طويلاً من الثورة الداخلية التى كانت يفرغها فى
	
		
	
		حالة النضال الفكرى المتواصل لأجل هذا الوطن ووجدت فى الثورة توق النجاة نحو إمكانية
	
		
	
		الحياة بعدما فقد هو وجيله هذا الأمل منذ السبعينيات، ليجده فى  ذلك
	
		
	
		الشباب الذى أفرد له الكاتب مساحات مهمة من كتابه ليعطى مقاربات مهمة لمحاولة فهم
	
		
	
		ورصد التطور الجيلى وطرق التفكير الجديدة والأدوات المساعدة من وسائط متعددة، وسائل
	
		
	
		اتصال متنوعة ومدى إسهامها فى تغيير الواقع المصرى والقفز خلف إخفاقات النخبة
	
		
	
		المصرية التى امتدت لعقود.
	
		هذا ويعكس الكتاب فى أجزائه المتتابعة المراحل التى مرت بها الثورة المصرية والتفاعلات
	
		
	
		بين أطرافها، فى متابعة دقيقة للمواجهة بين سياسة الأمل والتحديات والإعاقات فى الداخل
	
		
	
		وحول مصر فى الإقليم والعالم التى صاحبت الثورة المصرية، فالكتاب على حد وصف كاتبه
	
		
	
		
	
		
	
		إلى مستوى الأعطاب فى تركيبة النخبة والدولة والأمة المصرية، ولم تعد محض جروح
	
		
	
		وأمراض سطحية، ولكنها تمس نسيج الدولة؛ الأمة الحديثة وسلطاتها ومؤسساتها وأجهزتها
	
		
	
		على اختلافها، بل ومواريثها السياسية والهيكلية، ومعناها فى الوعى شبه الجمعى للنخب
	
		
	
		السياسية، لاسيما القادمين الجدد إلى السياسة والسلطة من الإسلاميين السياسيين على
	
		
	
		اختلاف جماعاتهم وأحزابهم السياسية الذين جاءوا ومعهم لغة دينية وسياسية ومفاهيم
	
		
	
		بعضها يبدو مغايراً للتقاليد الخطابية واللغوية والاصطلاحية لما ساد طيلة المراحل التاريخية
	
		
	
		منذ تأسيس الدولة الحديثة والمعاصرة فى مصر.
	
		والكتاب جزءان يحمل الجزء الأول عنوان:  يحاول أن يقدم بأبوابه الستة
	
		
	
		هندسة لخريطة الثورة ومساراتها وتفكيك لمكونات البيئة المحيطة بها والديناميات الناتجة
	
		
	
		عن عودة السياسة بعد الثورة، فالكتاب ينتقل من سياسة الكرامة التى صاغتها انتفاضة
	
		
	
		الشباب فى 25 يناير إلى سياسة عدم اليقين نتيجة الخلل فى بنية الثقافة الدستورية لدى
	
		
	
		الجماعات والأحزاب واصطدامها بغايات الثورة المصرية ومتطلباتها على هذا الصعيد، ثم
	
		
	
		يتناول سياسة المؤسسة وبالأخص الأزهر والكنيسة وجماعة الإخوان المسلمين فى ضوء
	
		
	
		الدور التاريخى وتأثيرات الثورة المصرية، ثم ينقلنا الكتاب إلى تشريح اجتماعى دقيق للواقع
	
		
	
		المجتمعى المرتبط بالمواطنة وثقافة التمييز وحقوق المرأة والطفل فى ضوء تحولات ما بعد
	
		
	
		الثورة. بالإضافة الى تناول أزمة الثقافة والمثقف وإدارة الثقافة فى المرحلة الانتقالية
	
		
	
		ومشكلة الصحافة والصحف وأزمة اللغة الصحفية العنيفة، بالإضافة لسياسة الدور فى ضوء
	
		
	
		تحولات الربيع العربى والجغرافيا السياسية الضاغطة على دوله، وفى القلب منها التعقيدات
	
		
	
		السياسية والاجتماعية والاستراتيجية المحيطة بالثورات العربية، ومن ثم الانتقال للدور
	
		
	
		المصرى فى الإقليم، في إطار حالة القوة الناعمة وتحديات الفاعلية.
	
		أما الجزء الثانى الذى يحمل عنوان: ،
	
		
	
		فييتاول سياسة الخروج إلى النهار فى ضوء تحولات مجتمعية مؤثرة بفعل الوسائط المتعددة
	
		
	
		واستخدم التقنيات الحديثة فى الاتصال والتواصل والحشد، ودور المرأة العظيم فى الثورة
	
		
	
		وحالة المدينة فى ثورتى مصر وتونس وتأثيرها فى المشهد الثورى فى الحالتين. هذا بجانب
	
		
	
		القضايا الشائكة؛ النخبة المصرية، وحالة الفوضى، والمشكلة المرتبطة بالأمن، وأزمة
	
		
	
		الدستور الجديد، وأزمة الإعلام، والخطاب السياسى، وإدارة السياسة الخارجية فى مرحلة
	
		
	
		الانتقال.
	
		إن الكتاب تشريح سوسيولجى هام لحالة وطن انفجرت كل مشكلاته بعد ثورة عظيمة، ما
	
		
	
		تنتهى من قراءته حتى تشعر أنك جزء من حالة مجتمعية رصدها الكاتب بعناية وكأنه جزء
	
		
	
		من كل مكوناتها، وذلك فى لغة أخاذة، وبناء فكرى مترابط، يبدو فيها الكاتب فى حالة قلق
	
		
	
		على مصر الدولة الأمة ومستقبلها رغم كل الأمل الذى صاحب ثورة أبنائها فى 25 يناير
	
		
	
		2011.
	
		


	

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Fri , 26 Apr 2013 02:28:48 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/460/النخبة-والثورة-سياسات-التحول-فى-مصر.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>أفول الدولة العربية المعاصرة .. مصر نموذجاً</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/459/أفول-الدولة-العربية-المعاصرة--مصر-نموذجاً.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/22/2013-635022527265652626-565_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
ندرك تماماً أنه لا يجوز تعميم الحديث عن الدولة العربية المعاصرة، نظراً للتباين الشديد فى طبيعة النظم السياسية السائدة فيها، والاختلافات فى رؤى النخب السياسية الحاكمة، وللفروق الجسيمة فى عدد السكان، وللتنوع الشديد فى الملل والأعراق.
وبالرغم من ذلك كله, فإن هناك عوامل أساسية تدعو إلى التعميم على الدولة العربية المعاصرة، ولعل أهمها جميعاً سيادة العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه العولمة التى هى العملية التاريخية الكبرى التى غيرت من طبيعة المجتمع العالمى، وأصبحت لها أثار نافذة اخترقت الحدود، ووصلت إلى قلب كل دولة فى العالم متقدمة كانت أو نامية.
</description>
<fulldescription>

	

	ندرك تماماً أنه لا يجوز تعميم الحديث عن الدولة العربية المعاصرة، نظراً للتباين الشديد فى طبيعة النظم السياسية السائدة فيها، والاختلافات فى رؤى النخب السياسية الحاكمة، وللفروق الجسيمة فى عدد السكان، وللتنوع الشديد فى الملل والأعراق.

	وبالرغم من ذلك كله, فإن هناك عوامل أساسية تدعو إلى التعميم على الدولة العربية المعاصرة، ولعل أهمها جميعاً سيادة العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذه العولمة التى هى العملية التاريخية الكبرى التى غيرت من طبيعة المجتمع العالمى، وأصبحت لها أثار نافذة اخترقت الحدود، ووصلت إلى قلب كل دولة فى العالم متقدمة كانت أو نامية.

	والتجليات السياسية للعولمة أبرزها ثلاثة: الديموقراطية، والتعددية، واحترام حقوق الإنسان. وأصبحت كل دولة - بما فيها الدولة العربية المعاصرة- مطالبة بالتحول إلى الديموقراطية حتى لو كان نظامها السياسى شمولاً أو سلطوياً. وهذا التحول أخذ طريقه منذ سنوات فى العالم العربى تحت عنوان التحول الديمقراطى بدرجات متفاوتة من السرعة والبطء، وبدرجات مختلفة من الفاعلية والإنجاز، فى ضوء مقاومة واضحة للنخب السياسية العربية الحاكمة للإصلاح، بعد أن تعودوا على ترف الحكم المطلق.

	وهذا التحول الديموقراطى يتم بتأثير ضغوط خارجية هائلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى والمجتمع المدنى العالمى، وأيضاً نتيجة المطالب المشروعة التى ترفعها جماهير كل دولة عربية بدون استثناء، سعياً وراء الخلاص من ظواهر الانفراد بالسلطة، والاستئثار بالثروة، والقهر السياسى، والظلم الاجتماعى.

	وقد أدت ممانعة النخب السياسية الحاكمة فى الوطن العربى طوال عقدى الثمانينيات والتسعينيات إلى اندلاع الثورات فى ثلاث بلاد عربية رئيسية هى تونس ومصر وليبيا، والتى امتد لهيبها إلى بلاد أخرى كالبحرين واليمن وسوريا.

	وفى هذه الدراسة الوجيزة ننطلق من فرضية أساسية مبناها أن الدولة العربية المعاصرة -على وجه العموم- دخلت منذ الخمسينيات فى مرحلة أفول مستمرة، ونعنى بذلك التآكل التدريجى فى الشرعية السياسية للنظم السياسية السائدة، وذلك بالرغم من قيام انقلابات فى كل من العراق وليبيا اتخذت شكل الثورات، ولكن تبين مع مرور الزمن أنها كانت مجرد انتقال من نظام سلطوى إلى نظام سلطوى آخر ربما كان أكثر قمعاً، وهو ما أدى إلى انهيار الحكم الديكتاتورى العراقى على يد الهجوم الإجرامى الأمريكى على دولة العراق، بناء على قرار سياسى مضاد للشرعية الدولية، والقضاء على الحكم الديكتاتورى الليبى بناء على ثورة شعبية ساعد على نجاحها تدخل القوى الأجنبية، وعلى رأسها حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية. ولم تفلت من هذه الدائرة إلا الدولة المصرية لأن الانقلاب العسكرى الذى قام به الضباط الأحرار بقيادة  لم يلبث أن تحول إلى ثورة اجتماعية بحكم تأييد ملايين المصريين للمشروع القومى الناصرى، والذى كانت مفرداته الأساسية الاستقلال الوطنى، والحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.

	ونريد - حتى لا يتشعب بنا الحديث- دراسة حالة مصر على وجه الخصوص.

	صعود وأفول الدولة المصرية:

	يمكن القول إن الدولة المصرية مرت بعدة أطوار منذ تأسيسها على يد . وليس هناك مجال للشك أن الدولة المصرية الحديثة بناها بصورة متكاملة  (1805-1848) والذى كانت له مطامح دولية كبرى، لكى يجعلها الدولة المحورية فى الشرق الأوسط. غير أن الدول العظمى سرعان ما أحست بخطورة مشروعه على مصالحها الاستراتيجية، وهكذا تكاتفت عليه حتى هزمته وقضت على مشروعه التاريخى الذى كان من شأن نجاحه أن يحول مصر إلى دولة عظمى.

	وبعد نهاية حكم  حاولت مصر أن تجدد مشروعها الحضارى بعد انتقال الحكم إلى الخديوى  (1863-1879) غير أن الدولة المصرية لأسباب شتى دخلت مرحلة الأفول فى عهد من خلفوا الخديوى  من عائلة .

	إلا أنه يمكن القول إن مصر شهدت صحوة ملحوظة منذ صدور دستور عام 1923 حيث ظهرت ملامح المشروع الليبرالى (1924-1952) والذى شهد - بالرغم من الاحتلال الإنجليزى - بوادر تأسيس ديموقراطية مصرية بالرغم من أنها كانت قصيرة، إلى أن قامت ثورة يوليو 1952 التى مثلت قطيعة تاريخية مع عصر النهضة وبدأت مسيرة المشروع القومى، والذى كانت بعض توجهاته المعادية للتعددية السياسية مضادة للقيم الأساسية للمشروع الليبرالى.

	وبعد النهاية الفعلية للمشروع الثورى الناصرى عام 1967، وهو تاريخ الهزيمة الكبرى على يد إسرائيل، ورحيل  عام 1970 دخلت الدولة المصرية فى عملية تشويه كبرى فى عهد الرئيس  الذى أعقبه عصر الرئيس السابق ، والذى استمر ثلاثين عاماً كاملة ودفع بالدولة إلى قاع الانحدار الكامل بحكم القمع السياسى والفساد والظلم الاجتماعى.

	وهكذا يمكن القول إن دراسة حالة الدولة المصرية تقتضى الإشارة إلى أربعة مشاريع نهضوية وهى:

	- المشروع الإمبراطورى الذى صاغه ونفذه ، المورخون مؤسس مصر الحديثة (1805-1848).

	- المشروع الحضارى الذى خططه ونفذه الخديوى  (1863-1879).

	- المشروع الليبرالى (1924-1952).

	وهذه المشاريع يمكن اعتبارها مرحلة تأسيس الدولة ويأتى بعد ذلك  الذى قادته ثورة يوليو (1952-1970)، والذى يعتبر مرحلة تحديث الدولة.

	وعقب ذلك تجئ مرحلة الانهيار التدريجى فى عصر الرئيس  (1970-1982) وخصوصاً بعد إلغاء الاشتراكية، وبداية سياسة الانفتاح الاقتصادى، وبروز الفجوة الطبقية والتى امتدت وتعمقت فى عصر الرئيس السابق  (1982-2011)، حيث ساد القمع السياسى، وشاع الفساد، واتسعت دائرة المظالم الاجتماعية.

	وبقيام ثورة 25 يناير التى قضت على نظام  بضربة واحدة، كان المأمول إعادة تأسيس الدولة من جديد على هدى شعارات الثورة  غير أن الأحداث المتلاحقة التى شاركت فيها كل الأطراف السياسية جعلتنا نصل إلى مرحلة تهدد بتفكيك الدولة.

	أولاً ــ تأسيس الدولة:

	تدور مرحلة تأسيس الدولة المصرية حول ثلاثة مشاريع متمايزة، وهى المشروع الإمبراطورى الذى صاغه  (1805-1848)، والمشروع الحضارى الذى وضع أسسه الخديوى  (1863-1879)، وأخيراً المشروع الليبرالى (1924-1952) ،والذى كان ثمرة ثورة 1919، وما تلاها من وضع الدستور المصرى الرائد عام 1923.

	(أ) المشروع الإمبراطورى:

	هناك إجماع بين المؤرخين على أن محمد على باشا والى مصر الذى ولد عام 1762 وتوفى عام 1849 هو بانى مصر الحديثة. ويمكن القول بدون أدنى مبالغة أنه بنى مصر الحديثة باعتبارها امبراطورية على غير مثال. وذلك لأنه حين استتب له الأمر فى حكم مصر بعد صراعه الدامى مع خصومه المماليك، وبعد أن حيد مشايخ الأزهر وعلى رأسهم عمر مكرم، الذى رشحه لولاية مصر، صاغ مشروعا متكاملا لتحديث مصر.

	ولن نستطيع لضيق المقام أن نرصد التاريخ السياسى ، ولكننا سنركز حديثنا على الأبعاد المختلفة لمشروعه الامبراطورى، لكى نبين كيف أن هذا الضابط العثمانى الألبانى الأصل، كانت لديه طموحات عظمى لبناء مصر الحديثة، ليس ذلك فقط، بل كانت لديه رؤية إستراتيجية متكاملة، شملت تحديث كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وقبل ذلك العسكرية.

	ويمكن القول إنه من أكتوبر 1828 وحتى نوفمبر 1831 شرع محمد على فى إجراء سلسلة مترابطة من الترتيبات والإصلاحات شملت البحرية، والجيش، والإدارة، والميزانية، والحسابات، والرى، والزراعة، والصناعة، وذلك على النمط الغربى. وقد مهد محمد على لمشروعه بأن أصدر مجموعة من الأوامر لإخضاع كافة الأراضى المصرية تحت سيطرته.

	ويمكن القول أن محمد على قام بثورة زراعية بعد أن أصبحت أراضى مصر فى حوزته بالكامل بعد انتزاعها من أيدى الملتزمين. وقد اعتمد فى تحقيق التنمية الزراعية على مشروع ضخم للرى يقوم على نظام الرى الدائم بدلا من رى الحياض، وبذلك أتاح للأرض أن تزرع ثلاثة مرات فى الدورة الزراعية بدلا من مرة واحدة.

	وقد قام  بالإضافة للثورة الزراعية بثورة صناعية. فقد أنشأ  العديد من المصانع منذ عام 1816، واستقدم الكثير من الخبراء الأجانب والمهندسين الأوروبيين، وأرسل مبعوثين مصريين عديدين لاكتساب المعارف الصناعية من الغرب. كما أنشأ  المصانع الحربية التى أنتجت المدافع والبنادق والذخيرة والسيوف والبارود.

	وقام  بثورة تعليمية كاملة، وذلك لأنه لم يجد فى مصر إلا التعليم الأزهرى التقليدى، ولذلك شرع فى إنشاء مدارس عليا تدرس فيها العلوم الحديثة كالطب والهندسة والصيدلة والزراعة والصناعات الحربية. ولذلك شرع فى عام 1816 فى إنشاء مدارس عالية (المهندسخانة، والطب والألسن، والزراعة). وقد استطاع  بذلك أن ينشئ نظاما تعليميا حديثا لمصر لأول مرة، قام أساسا على اكتساب وتحصيل المعارف من منابعها الغربية، واستعان فى ذلك فى بعض القطاعات بأساتذة فرنسيين.

	ومن أبرز معالم المشروع التحديثى  إرساله بعثات متعددة لفرنسا وانجلترا، الغرض منها أن يحصل المبعوثون على شهادات علمية فى تخصصات متعددة أبرزها الطب، والهندسة، والزراعة، والعلوم الحربية، وفنون الطباعة. وقد فطن  الى أهمية المطبعة فى نشر المعارف والثقافة فأنشأ مطبعة بولاق عام 1821، وزودها بكل الآلات اللازمة لطبع اللوائح الحكومية، والكتب المترجمة وجريدة الوقائع المصرية.

	وكانت أولى البعثات التى أرسلها  فى سنة 1809، ثم توالى بعد ذلك إرسال البعثات الى أوروبا بعد عام 1813، وقد بلغ عدد البعثات فى مدة ولاية محمد على 319 طالبا، وكان عدد المبعوثون فى سنة 1836 وحدها 163 .

	وقد أصبح هؤلاء المبعوثين بعد عودتهم الى مصر الكوادر العلمية والفنية والثقافية التى قام عليها مشروع محمد على لتحديث مصر.

	ومن أبرز المبعوثين الى فرنسا الشيخ  الذى أرسل لكى يكون إماما لإحدى البعثات. وأصبح هو رائد الفكر العربى الحديث، بحكم تحصيله الثقافى العميق، وقيامه بترجمة عدد من أمهات الكتب والمراجع الفرنسية الى العربية.

	ونظرا لبروز عبقريته الفذة وثقافته الموسوعية التى استطاع تكوينها فى البعثة، كلفه  بتأسيس كلية الألسن لتخريج مجموعات من المترجمين الأكفاء، والذين ترجموا عشرات الكتب فى العلوم والصنائع والفنون المختلفة.

	وقام  بثورة إدارية كاملة فى مصر. وذلك أنه عندما تولى السلطة فى مصر عام 1805 أنشأ ديوانا مماثلا للديوان الذى كان قد أنشأه نابليون بونابرت الذى قاد الحملة الفرنسية على مصر وأطلق عليه ديوان ، 

	وتغير اسم هذا الديوان من بعد، وأصبح اسمه  وتفرعت عنه إدارات متعددة.

	وفى الثلاثينيات من القرن التاسع عشر أصدر  قانون (السياستنامة) أو قانون السياسة الملكية.

	ويعتبر هذا القانون هو التشكيل الأساسى للحكومة فى عصر .

	وفى ضوء هذا القانون أنشئت سبعة دواوين هى:

	1- الديوان العالى (النظر فى مسائل الأوقاف والقوافل والرى والبريد، والتجارة).

	2- ديوان أمور افرنكية (الفصل فى المعاملات بين الأهالى والأجانب).

	3- ديوان الجهادية (اختص بأمور الجيش).

	4- ديوان المدارس ( شئون التعليم والمدارس والمكتبات).

	5- ديوان كافة الإيرادات (يختص بايرادات الدولة ومواردها).

	6- ديوان البحر (شئون البحرية والأسطول).

	7- ديوان الفاوريقات (شئون المصانع والمعامل).

	وهذه الدواوين كانت الإرهاصات الأولى للنظام الوزارى فى مصر، كما يمكن القول إن (مجلس المشورة) الذى أنشئ فى وقت مصاحب لإنشاء هذه الدواوين كان صورة بسيطة لمجلس الوزراء، فقد عقدت عضوية هذا المجلس لمديرى الدواوين السبعة.

	ما سبق كان عرضا للملامح العريضة للمشروع الامبراطورى الذى أسسه  باشا، والذى كان صاحب عبقرية متفردة، وامتلك رؤية إستراتيجية لتحديث مصر .

	(ب) المشروع الحضارى ــ عصر الخديوى  ــ (1863-1879):

	إذا كان محمد على باشا والى مصر هو بإجماع المؤرخين بانى مصر الحديثة، فإن الخديوى إسماعيل (1863 - 1879) يعتبر صاحب مشروع حضارى متكامل، أراد منه تحديث مصر ليس فى مجال البنية التحتية فقط محتذياً فى ذلك خطوط التحضر الفرنسية، ولكن أيضاً فى مجال تحديث البناء السياسى. وإذا شهدت مصر فى عهده أول تجربة نيابية، فقد أمر بتشكيل مجلس شورى النواب، وأصدر المرسوم الخديوى فى نوفمبر 1866 بتكوين المجلس، وتضمن المرسوم قانونين: الأول هو قانون اللائحة الأساسية، والثانى هو قانون اللائحة النظامية.

	وقد اختلف المؤرخون فى مجال تقييم الخديوى إسماعيل وإنجازاته، إذ رأى البعض أن مشروعه الحضارى لتحديث مصر لا يقل عن مشروع جده محمد على، وهو تأسيس الدولة الحديثة فى مصر، وذلك لأن مصر شهدت فى عهده فترة زاهية من فترات تاريخها الحديث، وأصبحت مدينة القاهرة عاصمة البلاد عاصمة جديدة، تختلف عن قاهرة العصور الوسطى المتخلفة. ويقدر هؤلاء أيضاً جهوده لتأكيد سيادة مصر واستقلالها فى مواجهة الدولة العثمانية والامتيازات الأجنبية، بالرغم من أن مصر كانت مستهدفة من الدول الأوروبية.

	غير أن فريقاً آخر من المؤرخين لا يرى فى فترة حكمه سوى سلبيات متعددة، باعتبار أن حكمه كان مليئاً بالمساوئ التى سهلت للدول الاستعمارية التدخل فى شئون مصر، وذلك لأن سياساته أدت فى النهاية إلى فقدان مصر لاستقلالها الاقتصادى والسياسى.

	وفى تقديرنا أنه من باب الموضوعية العلمية لا يجوز تجاهل إيجابيات أى مشروع، ومن الضرورى وضعه فى سياقه التاريخى، لكى نقدر نوع الضغوط الدولية التى مورست عليه، بالإضافة إلى التحديات الداخلية.

	ويمكن القول إن الملامح الأساسية للمشروع الحضارى للخديوى  هى:

	

	يرتبط بذلك ترقية شئون الزراعة والتجارة والصناعة والإدارة والصحة والتعليم والجيش والأسطول.

	ثانياً: النهوض بمصر إلى مصاف الدول العظمى.

	ثالثاً: الفوز لمصر بالاستقلال السياسى>.

	(جـ ) المشروع الليبرالى: (1924-1952) :

	لا نكون مغالين لو قلنا إن المشروع الليبرالى بدأ بثورة 1919، وانتهى بقيام ثورة يوليو 1952، ولعل أبرز لحظة تاريخية فى هذا المشروع هى إصدار دستور عام 1923.

	ويمكن القول إن إصدار دستور عام 1923 هو البداية الرمزية للمشروع الليبرالى. وقد بدأت عملية وضع الدستور فى عهد الملك فؤاد بعد تصريح 28 فبراير عام 1922، والذى تضمن انتهاء الحماية البريطانية على مصر والاعتراف بها باعتبارها دولة مستقلة.

	وكان من المنطقى بعد ذلك أن يتم إعداد دستور يقرر مبدأ المسئولية الوزارية أمام البرلمان بمجلسيه، كما يقرر واجبات الأفراد وحقوقهم طبقاً للقوانين والمبادئ الدولية.

	وتألفت لجنة فى 13 أبريل عام 1922 سميت  نسبة لعدد أعضائها ماعدا الرئيس ونائبه، وذلك لوضع مشروع الدستور، وكذلك قانون الانتخاب. وكان هناك اهتمام بأن تضم اللجنة أعضاء يمثلون كل الاتجاهات الدينية والسياسية فى البلاد. ضمت اللجنة مفتى الديار المصرية وبطريرك الأقباط، بالإضافة إلى مجموعة من كبار الأعيان.

	واتخذ حزبا الوفد والحزب الوطنى موقفاً سلبياً من اللجنة التى أطلق عليها سعد زغلول باشا  لأن وجهة نظره أن الدستور ينبغى أن تضعه  منتخبة من الشعب وليس لجنة حكومية. وقد أدت عدم مشاركة حزب الوفد فى عملية صياغة الدستور إلى ظهور جوانب سلبية متعددة، وخصوصاً فيما يتعلق بسلطات الملك فى مواجهة السلطة التنفيذية.

	ويمكن القول إن الملك فؤاد - حفاظاً على سلطته المطلقة - لم يكن مرحباً بصدور دستور يقيد من سلطاته. بعبارة أخرى، عملية وضع الدستور كانت تنطوى بذاتها على صراع بين الملك والوزارات المتعاقبة التى توالت على الحكم، واستطاع أن يدخل كثيراً من التعديلات على مشروع الدستور الذى وضعته اللجنة. وأيا ما كان الأمر فقد صدر الدستور أخيراً فى 19 أبريل عام 1923، وكان مختلفاً عن مسودة الدستور الذى وضعته اللجنة.

	ولعل أبرز سلبية له هى أنه تجاهل المبدأ النيابى الصحيح، وهو أن الملك يملك ولا يحكم، وذلك لأن السلطات التى أعطاها للملك تجعله يملك ويحكم فى وقت واحد.

	ولن تستطيع أن نتعقب بالتفصيل المعارك السياسية الكبرى التى خاضها الملك فؤاد مع الأحزاب السياسية بعد صدور الدستور، والتى كانت تهدف جميعاً فى الواقع إلى توسيع سلطات الملك على حساب كافة المؤسسات الدستورية.

	( د) فاروق ونهاية العصر الملكى (1936 - 1952):

	توفى الملك فؤاد فى الثامن والعشرين من أبريل 1936 فى عهد وزارة على ماهر التى نعته فى بيان شمل المنادة بفاروق ملكاً على مصر، على أن تتولى الوزارة سلطات الملك الدستورية إلى أن تسلم مقاليدها إلى مجلس الوصاية على العرش، لأن فاروق كان لا يزال فى السابعة عشرة من عمره.

	وقد اتفقت الأحزاب على أن يتألف مجلس الوصاية من كل من الأمير محمد على، وعبد العزيز عزت باشا، ومحمد شريف صبرى باشا. وصدق البرلمان على ذلك بالإجماع، واستقالت وزارة على ماهر وتشكلت وزارة مصطفى النحاس الوفدية.

	وكانت المفاوضات جارية بين مصر وبريطانيا والهدف منها توقيع معاهدة تحدد التزامات الطرفين. وقد تم التوقيع على المعاهدة فى 26 أغسطس 1936، وقد اسماها مصطفى النحاس باشا . ويمكن القول إن معاهدة 1936 مثلت علامة بالغة الأهمية فى طريق سعى مصر لقيادة طلائعها السياسية للحصول على الاستقلال الكامل.

	وقد تميزت حقبة الملك  بالصراعات السياسية بين القصر وحزب الوفد، بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية المحتدمة مما أدى إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952.

	ثانياً ــ تحديث الدولة .. المشروع القومى (1952-1970):

	فى 23 يوليو 1952 قام الضباط الأحرار بقيادة البكباشى  بانقلاب عسكرى أسقط النظام القديم وأجبر الملك  على التنحى عن منصبه والسفر منفياً خارج البلاد.

	والواقع أن هذا الانقلاب الذى سرعان ما تحول إلى ثورة اجتماعية بحكم تأييد الملايين لها كان نتيجة حتمية لتدهور الوضع السياسى والاجتماعى فى مصر فى الفترة من عام 1945 حتى 1952.

	ولا نبعد عن الحقيقة كثيراً إذا ما لخصنا المشهد المصرى الذى استمر من عام 1945 حتى عام 1952 بعبارة جامعة، مفادها أن احتدام الصراع السياسى والطبقى فى مصر من ناحية، والمواجهة مع المحتل الإنجليزى من ناحية ثانية، تحول إلى موقف ثورى، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان فى علم الثورة. ويستطيع المخضرمون من المراقبين السياسيين والمثقفين ممن عاشوا بوعى الأربعينيات والخمسينيات - والكاتب واحد منهم- أن يدلوا بشهاداتهم التاريخية حول هذه الفترة. وقد سجلت بعض الدراسات التاريخية الرصينة صورة بارزة للصراع السياسى والاقتصادى فى هذه الحقبة.

	وبغير الدخول فى تفاصيل متعددة لا يسعها هذا المقال، يمكن تلخيص عناصر ومكونات الموقف الثورى فى عدد من المؤشرات التى لا نعتقد أن أى مؤرخ منصف، أو باحث موضوعى يمكن له أن يختلف حولها:

	1- أهم هذه المؤشرات هو احتدام الصراع مع سلطة الاحتلال الانجليزى، بعد أن استنفدت كافة الأحزاب المصرية كل الجهود فى المفاوضات مع الإنجليز، باءت كلها بالفشل، نتيجة للتعنت الإنجليزى من ناحية، والصراع الحزبى العقيم من ناحية ثانية. لم تستطع الأحزاب السياسية المصرية فى هذا الوقت، أن توحد جهودها فى إطار جبهة وطنية متماسكة لمواجهة المحتل الغاصب بإستراتيجية انعقد عليها الإجماع الوطنى. وكان آخر صوت ارتفع- فى إطار هذه المعركة السياسية الممتدة- صوت  زعيم حزب الوفد، حين أعلن - فى خطبة شهيرة - فى أكتوبر 1951 إلغاء معاهدة 1936 التى سبق له أن وقعها مع الإنجليز، قائلاً:  واشتعل الموقف بعد ذلك، بين الشعب المصرى وقوات الاحتلال، وتشكلت جماعات متعددة من الفدائيين لشن حرب تحرير ضد القوات الإنجليزية فى القنال، ووجدتها بعض الأحزاب فرصة للمزايدة السياسية، ووسيلة لإعداد تشكيلات مسلحة تابعة لها، لتكون جاهزة فى مجال الصراع حول السلطة فى الوقت المناسب.

	أعلنت حكومة الوفد إلغاء المعاهدة، بغير أن تمتلك خطة واضحة المعالم للمواجهة مع قوات الاحتلال، وأصبح الموقف السياسى مفتوحاً لكافة الاحتمالات، فى ظل مناخ زاخر بالمحاولات الجادة لمواجهة المحتلين شارك فيها الضباط الأحرار أنفسهم، بالإضافة إلى تصاعد التصريحات الغوغائية من قبل بعض الأحزاب السياسية التى علا صوتها، فى الوقت الذى كان فيه الإخوان المسلمون يجهزون جهازهم السرى، لمساعدتهم فى الوثوب إلى السلطة.

	2- المؤشر الثانى هو تآكل مصداقية النظام الليبرالى بكل مؤسساته السياسية من ملكية دستورية انخفضت أسهمها نتيجة لفساد الملك، وتدخله فى الحياة السياسية، وأحزاب سياسية أضاعت قوتها واستنفذت طاقاتها فى صراعات حزبية عقيمة وخصوصاً بين حزب الوفد وأحزاب الأقلية وبرلمانات مكونة من مجالس للنواب، ومجالس للشيوخ، يهيمن على مقدارتها كبار الملاك المستغلين الذين رفضوا كل سياسات الإصلاح الاجتماعى بصلف طبقى واضح. ويكفى أن نذكر بهذا الصدد أنه قدمت للبرلمان - بمجلسيه- ثلاثة مشروعات للإصلاح الزراعى، رفضت جميعاً. الأول قدمه  والثانى قدمه  باسم جماعة النهضة القومية. ومن يرجع للمذكرة الإيضاحية المقترحة للمشروع الأخير، سيجد عبارة تحذيرية واضحة وصريحة، مفادها إن لم يطبق هذا القانون، ستقوم ثورة فى البلاد،- كما قررت المذكرة،-  ولكنها كانت صيحة فى واد، بعد أن أعمت الأنانية الطبقية عيون أعضاء الطبقة المسيطرة.

	3- المؤشر الثالث هو ازدياد الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، مما أحدث خللا عميقاً فى البناء الاجتماعى، وأدى إلى توترات حادة، تصاعدت فى شكل هبَّات شعبية عنيفة فى الريف (وحوادث بهوت شهيرة فى هذا المقام)، بالإضافة إلى الاضرابات العمالية العنيفة، والمظاهرات الطلابية الصاخبة، ووصل السخط على الظلم الاجتماعى الفادح إلى إضراب قوات الشرطة ذاتها، وهو حدث فريد فى التاريخ المصرى.

	4- المؤشر الرابع هو تصاعد حدة وتيرة النقد الاجتماعى، والتى ستتراوح بين قطبين الأول إصلاحى، يدعو إلى الإبقاء على النظام بشرط ترميمه وإصلاحه، واستحداث سياسات توزيعية بغرض تذويب الصراع الطبقى، والحفاظ على المصالح الأساسية للطبقة المهيمنة، والقطب الثانى ثورى يدعو إلى التغيير الجذرى الشامل للنظام القائم، وإعادة بنائه على أسس وقيم جديدة. وبين هذين القطبين المتطرفين كانت هناك مواقف وسطية شتى ومتعددة.

	وقد شارك فى حملة النقد الاجتماعى اليمين، والوسط، واليسار، والمستقلون، بحيث يمكن القول إن حصاد هذا النقد الاجتماعى، والذى مورس فى الصحف والمجلات والكتب، وفى المجالس النيابية، عكس كل ألوان الطيف السياسى فى مصر. فى هذه الحملة المجيدة، لمعت أسماء من كل التيارات السياسية. برز  بكتابه العظيم ، وعلا صوت محمد مندور بمقالاته النقدية، وظهرت أصوات الماركسيين المصريين، وتجلت دعوات الليبراليين الإصلاحيين، ومن أبرز منابرهم ، وأسس  لأول مرة تياراً أصيلاً يجمع بين الليبرالية المنفتحة والنظرة الدينية المستنيرة، بدأه بكتابه التاريخى الذى أثر فى جيلنا تأثيراً عميقاً وهو  والذى صودر فى طبعته الأولى، ثم أفرجت عنه النيابة، وطبع بعد ذلك أكثر من خمس طبعات.

	5- نتج عن موجة النقد الاجتماعى العميقة، والتى انطلقت من اليمين واليسار ملامح مشروع وطنى، كان أبرزها: الاستقلال الوطنى، وعروبة، مصر، وعدم الانحياز، والعدالة الاجتماعية، والحرية السياسية والدعوة لتأميم قناة السويس وبناء قوات مسلحة قادرة وتحديث الإسلام، وإلغاء الفوارق الطبقية الحادة، والإصلاح الزراعى، وتأميم المصالح الأجنبية.

	6- المؤشر السادس ولعله أهم هذه المؤشرات جميعاً، لأنه كان هو الباب الذى اندفعت منه الثورة رافعة أعلامها الخفاقة، أنه ليست هناك قوة سياسية قادرة على أن تؤلف تأليفاً خلاقاً بين عناصر المشروع الوطنى للتغيير الاجتماعى، ولا على أن تقود المجتمع بناء على موجهاته ومبادئه.

	كل هذه المؤشرات تثبت - بما لا يدع مجالاً لأى شك - تشكل موقف ثورى فى مصر، احتدمت تفاعلاته على وجه الخصوص بين عامى 1950 و 1952. من هذا الموقف الثورى، وبناء على تداعيات متتالية مسجلة فى الدراسات التاريخية، هبت رياح الثورة، التى قادها الضباط الأحرار، وهم مجموعة من الشبان المصريين الذين تربوا فى أحضان الوطنية المصرية بكل تقاليدها المجيدة، وبتأثير رموزها الساطعة: ، و، و، و، و، و. هذه المجموعة الوطنية الرائدة، التى تطلق عليهم بعض الكتابات فى الوقت الراهن  هم الذين قادوا أول تجربة مصرية حديثة فى التغيير الاجتماعى والمخطط.

	غير أن هذه التجربة الرائدة، والتى أدت إلى تحديث الدولة المصرية من كافة جوانبها، تعرضت للنهاية التاريخية بعد هزيمة يونيو 1967.

	ثالثاً ــ تشويه الدولة:

	بعد رحيل الرئيس  عام 1970 تولى الرئاسة الرئيس  الذى سيدخل التاريخ باعتباره بطل حرب أكتوبر 1973 لأنه أجاد التخطيط الاستراتيجى للحرب وأشرف على القوات المسلحة التى عبرت خط بارليف لتحرير الأرض المصرية المحتلة إلى أن تحقق الانسحاب الإسرائيلى من كامل الأراضى المصرية.

	غير أن الرئيس  (1970-1981) بعد نهاية الحرب وبداية عصر السلام قام بخطوات جذرية لإلغاء الأسس الإيديولوجية لنظام ثورة 23 يوليو، وخصوصاً فيما يتعلق بإلغاء الاتحاد الاشتراكى العربى، والتخلى عن الاشتراكية، وتبنى الرأسمالية بتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادى، والتى فتحت الطريق أمام نمو طبقة رأسمالية عريضة ومؤثرة قامت بالمشروعات لتحقيق أقصى درجات الربح، وأدت فى النهاية إلى تهميش الملايين من المصريين من أعضاء الطبقات الدنيا والمتوسطة.

	وحين رحل  بعد واقعة اغتياله فى 6 اكتوبر 1981 وخلفه الرئيس 

	وقد رصدنا فى كتابنا  (القاهرة: دار نهضة مصر 2011)، والذى يضم مقالاتنا التى نشرناها قبل الثورة فى جريدة  وهى جريدة قومية.. رصدنا انحرافات النخبة السياسية الحاكمة، وعلى رأسها الرئيس السابق  والتى أدت إلى تشويه ملامح الدولة المصرية وتحولها إلى دولة سلطوية استبدادية يشيع فيها القمع السياسى، والفساد المعمم، والظلم الاجتماعى فى ظل مجتمع انقسم إلى منتجعات مترفة، وعشوائيات بائسة. كل ذلك أدى إلى اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

	رابعاً ــ تفكيك الدولة:

	الشعار الرئيسى لثورة 25 يناير فى محاولتها الجسورة لقلب النظام السلطوى تمهيداً لإرساء قواعد نظام ديموقراطى حقيقى يعبر عن جموع الجماهير المصرية بكافة طبقاتها وفئاتها الاجتماعية، هو ، وأصبح هذا الشعار من بعد هو الشعار الرئيسى لكافة الانتفاضات الجماهيرية العربية فى ليبيا واليمن وسوريا.

	واليوم التالى للثورة لا يقل أهمية، بل قد يفوق أهمية يوم وقوع الثورة، نظراً لأن هناك احتمالات متعددة.

	فقد تفشل الثورة ويعود النظام القديم بصورة أبشع مما كان فى السابق مسلحاً بالرغبة فى الانتقام، وقد تنجح الثورة فى اقتلاع جذور النظام القديم، ولكن قد يترتب عليها وضع سياسى ينجم عنه قيام ديكتاتورية من نوع جديد، أو انقلاب فى توجهات بعض القوى الثورية فيجعلها تسعى إلى هدم الدولة ذاتها، وقد يحدث انفجار اجتماعى يؤدى فى النهاية إلى تفكيك المجتمع.

	اليوم التالى للثورة فى مصر بعد إسقاط النظام حدثت فيه أحداث جسام طوال الفترة التى انقضت منذ تسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة فى البلاد بصورة مؤقتة. ولا نريد أن نقف أمام تفصيلات ما دار فى المرحلة الانتقالية، ولكن أبرز وقائعها قاطبة تشرذم القوى الثورية وتشكيلها لمئات الائتلافات المتناحرة والمتنافسة على الزعامة والوجاهة الاجتماعية والحضور الإعلامى، وإدعاء أنها وليس غيرها من يستطيع أن يحرك الشارع باسم شرعية الميدان. أما الأحداث الكبرى التى تلت ذلك فهى اندفاع القوى السياسية التقليدية، وفى مقدمتها جماعة  للقفز فوق قطار الثورة المندفع، ونجاحها - نتيجة أخطاء سياسية فادحة للائتلافات الثورية والقوى الليبرالية واليسارية - فى الحصول فى انتخابات مجلس الشعب والشورى على الأكثرية وشاركها فى ذلك حزب . ومعنى ذلك إقصاء التيارات الثورية والليبرالية واليسارية من البرلمان لأنها لم تمثل إلا بعدد قليل للغاية.

	ومعنى ذلك أن إسقاط النظام الذى نادت به الثورة أدى فى الواقع إلى تأسيس نظام ديكتاتورى جديد أخطر من النظام السابق، لأنه يتحدث باسم الإسلام، وينطلق من توجهات دينية تسعى فى الواقع إلى إلغاء مدنية الدولة، وتأسيس دولة دينية، وإعادة نظام الخلافة من جديد، بحيث تصبح مصر مجرد إمارة من الإمارات الإسلامية المتعددة التى سيحكمها الخليفة الإسلامى المنتظر، والذى كانت تحلم بعودته جماعة  منذ بداية تأسيسها على يد الشيخ . عام 1928.

	سقط النظام نعم، ولكن -كما رأينا- أقيمت على أنقاضه ديكتاتورية سياسية دينية تبلورت فى حكم الإخوان المسلمين، ولكن أخطر من ذلك أنه حدثت محاولات منهجية لهدم كيان الدولة المصرية، سواء بطريقة واعية أو بطريقة لا واعية، تكشف عن عدم إدراك خطورة إسقاط الدولة.

	وقد بدأت هذه المحاولات من قبل جماعات ثورية خططت لإسقاط مؤسسة الشرطة بأكملها، بزعم أنها بكل أعضائها مارست قمع الشعب واستخدمت فى ذلك وسائل التعذيب المرفوضة، وبلغت ذروة تعسفها فى محاولاتها التصدى لقمع مظاهرات 25 يناير باستخدام القوة المفرطة، مما ترتب عليه سقوط مئات الشهداء وآلاف المصابين.

	وقد أدى الهجوم الكاسح على جهاز الشرطة عموماً وبدون تمييز إلى إحداث فجوة عميقة من عدم الثقة بين الشرطة والشعب، مما أدى إلى حالات واسعة من الانفلات الأمنى، بحيث أصبح غياب الأمن إحدى المشكلات الجسيمة التى تواجه المواطنين بعد ثورة 25 يناير.

	غير أن أخطر ما حدث من محاولات لهدم الدولة هو الهجوم غير المسئول على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصعود الهتاف الشهير  هكذا بدون التمييز الدقيق بين الوظيفة السياسية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتى يقوم بها بصورة مؤقتة وبين الجيش ذاته.

	وخططت ائتلافات ثورية شتى سبق لها أن افتعلت معارك صدامية مع قوات الشرطة لاختلاق معارك صدامية مع قوات الجيش ذاتها، سواء بالمظاهرات الألفية التى توجهت إلى وزارة الدفاع بالقاهرة، أو إلى المنطقة الشمالية العسكرية بالإسكندرية، وكأن الهدف الثانى من إسقاط الدولة بعد إسقاط الشرطة هو إسقاط القوات المسلحة.

	وليس هذا مجرد استنتاج من الوقائع، بل إن ، وهو فصيل سياسى محدود العدد جهر بأن أحد أهدافه الكبرى هو إسقاط الدولة وإسقاط الجيش.

	فكأننا بعد ثورة 25 يناير حصدنا إقامة ديكتاتورية سياسية دينية يتزعمها الإخوان المسلمون والسلفيون، وتم إسقاط الشرطة، وكانت هناك محاولات لإسقاط الجيش، ولكن أخطر الظواهر هو بروز نمط من الممارسات الغوغائية انخرطت فيها مختلف الفئات والطوائف موجهة إلى السلطة فى كل المواقع، وتهدف لتجريدها من كل هيبة وافقادها أى احترام، والهجوم الشخصى عليها.

	غير أن موجات السلوك الفوضوى التخريبى برزت مؤخراً فى مظاهرات جماهيرية شتى، وعلى رأسها تلك التى قامت بها جماعات ، وخصوصاً بعد صدور حكم المحكمة فى قضية بورسعيد حيث تجمع الآلاف من أعضائها، وأحرقوا مبنى اتحاد كرة القدم ونادى الشرطة. وقد تحولت روابط المشجعين الرياضيين هذه والمنظمة تنظيماً سرياً دقيقاً وكأنها جماعات  من التشجيع الرياضى إلى العمل السياسى الغوغائى. ويكشف عن ذلك المظاهرة الكبرى التى قام بها  فى القاهرة مطالبين بالقصاص للشهداء فى بورسعيد، سواء قبل إحالة المتهمين إلى القضاء أو بعد صدور الحكم لعدم رضائهم عنه.

	وباختصار يمكن القول إن الفوضى العارمة أصبحت هى السائدة فى البلاد.

	هل نبالغ لو قلنا أن هذه هى محصلة اليوم التالى للثورة فى مصر؟

	ديكتاتورية سياسية جديدة تتشح بثياب دينية متشددة كفيلة بتخلف المجتمع المصرى قروناً عديدة إلى الوراء، ومحاولات لإسقاط الدولة لكى تصبح فريسة للأطماع الداخلية والخارجية على السواء، وأخيراً السلوك الغوغائى غير المسئول الذى أدى فى الواقع إلى نسف التراتبية الاجتماعية، والتمرد غير العقلانى على السلطة، والزحف المنظم لاقتلاع القيم والأعراف التى قامت عليها المؤسسات فى مصر، ومعنى ذلك تفكيك المجتمع.

	كيف يمكن لنا أن نخرج من هذا النفق المظلم؟

	ليس هناك من سبيل إلا ممارسة النقد الذاتى من ناحية، وتوجيه سهام النقد الاجتماعى المسئول من ناحية أخرى، والذى لا يكتفى بالإشارة إلى الأخطاء وإنما يعطيها التكييف الصحيح.

	وتبقى الحكمة التقليدية صحيحة، وهى أن الثورة قد تؤدى إلى التحرر، ولكنها قد لا تحقق الحرية!
</fulldescription>
<pubDate>Mon , 22 Apr 2013 06:12:24 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/459/أفول-الدولة-العربية-المعاصرة--مصر-نموذجاً.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>خرائط العنف على ساحات الثورات العربية</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/458/خرائط-العنف-على-ساحات-الثورات-العربية.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/21/2013-635021531535028197-502_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
لم يكن العنف حاضراً فى مشهد البداية لثورات الربيع العربى، حيث تدفقت الجماهير، برغم تناقضاتها الداخلية العديدة لتؤسس الحدث الثورى. ومن الطبيعى أن تحافظ على مساحات الالتقاء بين مختلف الفئات المشاركة فى الثورة، وهى مساحة الإيثارية التى يتطلبها الحدث الثورى. فى لحظة أسقطت الجماهير حسابات المصالح الأنانية، لتبقى على مصلحة واحدة أثيرة تتمثل فى ضرورة نجاح الفعل الثورى. فى أثناء ذلك تساقطت حواجز النوع والدين والمذهب والأيديولوجية، وكل الحواجز الأخرى، بحيث شكلت الجماهير نتيجة لذلك كتلة صلبة، أصبح لها صوتها المدوى الصاخب، الذى عبر عن مخزون القوة الغاضبة، التى فرضت بسلامية رائعة – أذهلت العالم المتحضر – أن يسقط نظام سياسى، سامها سوء القهر والعذاب. ولتؤسس نظاما جديدا، توسمت فيه تجسيد شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة.</description>
<fulldescription>

	

	لم يكن العنف حاضراً فى مشهد البداية لثورات الربيع العربى، حيث تدفقت الجماهير، برغم تناقضاتها الداخلية العديدة لتؤسس الحدث الثورى. ومن الطبيعى أن تحافظ على مساحات الالتقاء بين مختلف الفئات المشاركة فى الثورة، وهى مساحة الإيثارية التى يتطلبها الحدث الثورى. فى لحظة أسقطت الجماهير حسابات المصالح الأنانية، لتبقى على مصلحة واحدة أثيرة تتمثل فى ضرورة نجاح الفعل الثورى. فى أثناء ذلك تساقطت حواجز النوع والدين والمذهب والأيديولوجية، وكل الحواجز الأخرى، بحيث شكلت الجماهير نتيجة لذلك كتلة صلبة، أصبح لها صوتها المدوى الصاخب، الذى عبر عن مخزون القوة الغاضبة، التى فرضت بسلامية رائعة - أذهلت العالم المتحضر - أن يسقط نظام سياسى، سامها سوء القهر والعذاب. ولتؤسس نظاما جديدا، توسمت فيه تجسيد شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة. وإذا كان نجاح الثورات حالة يعمل فيها الإنسان كل إرادته التى تحدد إتجاه حركة التاريخ، فإنه فى أعقاب لحظات الثورة يبدأ التأمل، حيث تتراجع الإيثارية التى نجح بها الفعل الثورى لتبدأ لحظة حساب المصالح ذات الطبيعة الأنانية. فى هذه اللحظة تبدأ الكتلة الثورية فى التشقق، وتأخذ حسابات المصالح فى التباين، وتتسع التشققات لتصبح اختلافات وتناقضات، وذلك ارتباطا برصيد القهر الذى فرض من قبل النظام السابق، والأمل فى تحقيق الطموحات على ساحة نظام اجتماعى وسياسى جديد، يعبر بنا إلى المستقبل، وعلى هذه الأسس تتحدد المواقف، ويبدأ العنف فى الوجود والانتشار على ساحة الفعل الثورى.

	ويرجع انتشار العنف على ساحة الحدث الثورى، بسبب تفاعلات عديدة تؤسس مناخه او سياقه، منها أن أداء القوى الثورية لم يكن متناغماً، الأمر الذى أسس كثيراً من المشكلات وتخوم الاحتكاك، الذى دفع البعض أحيانا إلى الاحتكاك بالبعض الآخر ولو من خلال العنف. كما يرجع وجود العنف إلى مشاعر الإحباط، التى بدأت فى التكثف فى أعقاب الحدث الثورى، ذلك لأن الطموحات التى ازدهرت أثناء الحدث الثورى تبدأ فى التساقط. حينما تكاثرت المشكلات وأصبحت لها وطأتها على البشر، وتأكد البعض أن الجميع لم يكن على نفس القدر من المسئولية والاستجابة لنداء الحدث الثورى. فالبعض ناضل واستشهد، بينما البعض الآخر لازال يناضل، حاملا فى صدره قابلية الاستشهاد. بينما البعض الثالث تسلل بين الصفوف والشقوق وإستولى على مضامين الحدث الثورى. وقد دفع ذلك بالكتلة الجماهيرية الصلبة، إلى التشطى، وبرز نوع من التشرذم الأيديولوجى، الذى تقوى أحيانا ببعض مشاعر التعصب. وإذا كان الجميع قد توقع أن تجسد الثورة شعاراتها بعد سقوط النظام القديم، فإذا بالنظام الجديد يبدد الطاقة دون أن يجسد هذه الشعارات. بالإضافة إلى ذلك، فقد تفاقمت المشكلات وتكاثرت الهموم، ووجدت الأغلبية نفسها فى مأزق، فى هذا السياق انتشرت سلوكيات التحالف والاستبعاد والإقصاء. الاسلاميون رأوا أن الفرصة التاريخية جاءت، وتجسيد أحلام الخلافة أروع من شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وأدرك الليبراليون، أن اللحظة أصبحت مواتية حتى يشق التحول الديموقراطى طريقه، وليتمتع الجميع بحرية التعبير وصون الكرامة، وتأكيد العدل الاجتماعى، بحثا عن بناء المجتمع الحديث، تستعيد مصر من خلاله قوتها المادية والناعمة، بينما رأى الشباب أنهم هم الذين قدموا الشهداء، وكبار السن - مع كل الاحترام لهم - ما زالت خطواتهم ثقيلة، وأن الأحداث تسقهم. وعلى الشباب الذين فجروا الثورة، واستشهد رفاقهم من أجلها أن يتحملوا قدرها، حتى تستقر سفنها على خير مرفأ. فى هذا المناخ تفجر العنف على ساحة المجتمع، بين قوى الثورة وبعضها بعضا من ناحية، وبينها وبين النظام السياسى وليد الثورة من ناحية ثانية، وبين الجميع فى مواجهة أجهزة الدولة العميقة من ناحية أخيرة، فى هذا الإطار برزت ظروف عديدة ساعدت فى انتشار العنف.

	من هذه الظروف أن الثورات الإنسانية تعقبها عادة حالة من الفوضى، حيث يسعى رفاق الثورة إلى اقتسام كعكة الثورة، ومن الطبيعى فى هذا الإطار أن تكون هناك أحداث عنف (1). بالإضافة إلى ذلك فإن الطموحات والآمال التى دفعت الجماهير للمشاركة فى الثورة، قد تشكل طاقة العنف، إذا لم يسفر الحدث الثورى عن إشباع حاجات الجماهير التى عانت من الحرمان. يساعد على ذلك ظرف ثالث، يتمثل فى تدفق السلاح الغربى على ساحة الثورات العربية، بقصد أو بدون قصد، حتى يجد الفرقاء ما يتقاتلون به (2). من الظروف التى ساعدت على انتشار العنف فى أعقاب الثورات العربية، أن الدولة لا تزال رخوة لم تترسخ أعمدتها بعد، إضافة إلى أن الثورة ظلت مهدده بعودة النظام السابق للقضاء عليها، واستعادة النظام القديم لموقعة (3)، إلى جانب وجود المهمشين وفقراء المدن الذين يشكلون ضغطا على الحدث الثورى ويهددون بتحويله إلى فوضى (4). ومن الطبيعى أن تلعب هذه الظروف مجتمعه دورها فى تأسيس مواجهات العنف، وترسم خرائطه على ساحات الثورات العربية.

	أولاً: خريطة التيار الاسلامى كفاعل فى احداث العنف:

	يعد التيار الإسلامى بكل فصائلة أكثر الفواعل المشاركة فى الحدث الثورى تنظيما، وذلك بسبب خبرته التاريخية الطويلة، التى تشكلت له نتيجة لتعاملة مع أنظمة سياسية علمانية مختلفة ومتتابعة. تباينت فصائل هذا التيار لتضم - السلفيين - المفتونين بعظمة الماضى، حيث بدأ هذا الفصيل يستدعى مضامين هذه العظمة، ليعيد إنتاجها فى الحاضر، ليبنى مجتمعا إسلاميا منفصلا عن عصره وعالمه. بينما رأى الفصيل الثانى - جماعة الجهاد الإسلامى - أن تأسيس المجتمع الإسلامى فرض عين، ولو بالثورة والعنف والقتل، على حين رأى الفريق الثالث - الأخوان المسلمون - أن السياسة هى حاكمة كل شئ، ومن ثم فبناء المجتمع الإسلامى يمكن أن من باب السياسة. وجميعهم يختلف فى تدينه عن مرجعية التدين المصرى، الوسطى، المعتدل والمتسامح والمتفائل، والذى يدرك الإسلام من خلال مرونته وسماحته.

	 فصيل الجهاد الإسلامى يتحدث عن إمارة إسلامية يحاول تأسيسها فى سيناء، يتبنى العنف لبناء هذه الإمارة، يأتية السلاح من الجهاد الليبى ليخترق الفضاء المصرى ليستقر فى سيناء. فى أعقاب ثورة 25 يناير ارتكبوا باطلا وحراما كثيراً دخل بهم إلى منطقة الحرمة والحرام، فقد هاجموا مقار الشرطة فى العريش، وقتلوا ستة عشر جنديا مصريا فى رفح أثناء تأهبهم لتناول الأفطار (5). وفى تونس احتجوا على عدم السماح للطالبات المنقبات بدخول الجامعة، وعلى تشخيص قناه  للذات الإلهية ودعوا إلى إقامة إمارة إسلامية (6). كما أسس أنصار الشريعة، المرتبطون بهذا التيار فى تونس بقيادة  المكنى  الذى قاتل فى أفغانستان جماعة أطلق عليها  (7)، وفى سوريا يتدفق جهاديون من الجزائر وليبيا ومصر وتونس ومن وزيرستان فى باكستان، إضافة إلى عناصر من تنظيم القاعدة برعاية مخابراتية أمريكية. وإلى جانب القتل الذى مارسه الجهاديون فى مصر، فقد قتلوا زعماء علمانيين فى تونس، كما قتلوا السفير الأمريكى واربعة من أعضاء السفارة الأمريكية فى ليبيا (8).

	 ويشكل السلفيون الفصيل الإسلامى الثانى، وبرغم أنهم قد تميزوا قبل الثورة بالهدوء، ودعوا دائما إلى عدم الخروج على الحاكم. فإننا نجد أن سلوكهم بعد الثورة قد تغير، حيث تبنوا سلوكيات العنف، مثال على ذلك نظمت السلفية فى مصر، مليونية تطبيق الشريعة فى 9 نوفمبر 2012 للضغط على الجمعية التأسيسية للدستور لتضمين الشريعة كمصدر رئيسى للتشريع (9). كما أحبطت قوات الأمن الأردنية، مخططا للجماعات السلفية، للقيام بعمليات إرهابية، إستهدفت بعثات دبلوماسية أجنبية ومراكز تسويق تجارية فى 21 أكتوبر 2012. وتم إعتقال 11 عنصرا من بينهم ينتمون لتنظيم القاعدة عائدون من سوريا. كما اندلعت إشتباكات بين قوات الأمن الليبية، والمليشيات السلفية عقب الهجوم الصاروخى على القنصلية الأمريكية فى بنى غازى، الذى أسفر عن مقتل السفير الأمريكى  فى منتصف سبتمبر الماضى عام 2012 (10). كما وقعت صدامات بين الجماعات السلفية والشرطة التونسية فى أكتوبر الماضى، عقب تدخل الشرطة لفض مشاجرة بين السلفيين وتجار خمور (11). كما وتندد التيارات السلفية فى مصر بالسلطة، برغم توجهاتها الإسلامية، تأكيداً لذلك قول  أحد قياديى التيار السلفى، أنهم لا يعترفون بشرعية الرئيس، لأنه لا يحكم بما أنزل الله، داعيا له للتوبة>، وهو الأمر الذى يمثل تحولاً فى نهج السلفية. القائم على عدم الخروج على الحاكم (12). وفى تونس إتهم  المتحدث الرسمى باسم حزب التحرير الإسلامى السلفى، الرئيس منصف المرزوقى . بعد تأكيد الأخير بأن السلفية تعد خطراً على الدولة، أثناء زيارته للولايات المتحدة فى السادس من أكتوبر 2012. وقد إتجهت التيارات السلفية أخيراً لاستخدام العنف بهدف إثبات وجودها، حيث تجلى ذلك فى مصر من خلال محاولة قطع يد ولسان أخوين فى السويس، اعتراضا على اقتحام سلفيين لمتجرهم. ودعوة  أحد القيادات السلفية لتحطيم الأهرامات وأبو الهول والتماثيل، وألبسوا تمثال أم كلثوم النقاب. وفى تونس وقعت احداث عنف قام بها السلفيون، إستهدفت الحانات والجامعات والتجمعات العامة. وفى ليبيا لا تزال الجماعات الاسلامية السلفية تقوم بدور الضبط المجتمعى، على الرغم من تفكيك بعض خلاياها (13). وفى اليمن مارس الحوثيون العنف مع النظام السياسى، وحينما قامت الثورة انضموا إلى الثوار السلميين، وإن تميزوا بالقيام ببعض أحداث العنف.

	ويشكل الإخوان المسلمون الفصيل الثالث للتيار الإسلامى، ولدى هذا التيار شك فى أجهزة الدولة القائمة، مؤشر ذلك حديث منظريه عن مقاومة الدولة العميقة التى يحاولون تطويعها. ويدعى هذا الفصيل تبنى الأسلوب السلامى فى التفاعل، وهو السلوك الذى ينطلق من قول الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة فى محاولة تعريفها بقوله إنها  . ويشير تأمل هذا التحديد أو التعريف إلى تأكيده على أربعة مكونات، المكون الأول هو  عضو الجماعة، بينما يشير المكون الثانى إلى أنها ، وهو مكون يؤكد على أنها ليست دعوة دينية وأخلاقية فقط، ولكنها سياسية كذلك، بما يتضمن ذلك أن تكون الجماعة لاعبا سياسياً من حقه أن يكسب اللعبة، فى حين يبرز المكون الثالث كونها شركة اقتصادية، بمعنى أن يكون لها إمكانياتها الاقتصادية، بينما يؤكد المكون الرابع على كونها جماعة رياضية تهتم بالتربية البدنية، إذا جاء اليوم الذى نحتاج فيه إلى إستخدام القوة، وهو ما يعنى أن تنظيم وجود هذه المكونات يشير إلى السعى لبناء دولة، موازية للدولة القائمة (14)، وهو ما نلاحظ بعض تباشيره الآن. وبرغم أن جماعة الإخوان المسلمين، كانت ضمن معارضي النظام السابق، إلا أنها لم تسع ابداً للإطاحة به، خوفا من أن ينالها العنت والعقاب. غير أنها التحقت بالثورة حينما لاحت فى الأفق مؤشرات انتصارها، وبسبب قدراتها التنظيمية العالية، مقارنة بالقوى السياسية الأخرى، فإنها تمكنت من السيطرة على مضامين الثورة ومن ثم على بعض مؤسسات الدولة، بما فى ذلك مؤسسة الرئاسة. وبرغم أن ميلها إلى العنف محدود من الناحية الظاهرية، إلا أنه كامن فى بنيتها، تجلى أحيانا خلال بعض الأحداث. نذكر منها تظاهراتها لتأييد الحاكم الإخوانى كما حدث فى تأييد الإعلان الدستورى، وأحداث العنف التى صاحبت انتخابات الرئاسة، أو الاستفتاء على الدستور (15). يضاف إلى ذلك التواجد المتعمد فى ساحات التظاهر السلمية، التى يقودها الشباب الثورى وتحويلها إلى ساحات عنف. إلى جانب ذلك حصار المحكمة الدستورية، حتى لا تصدر حكما بحل الجمعية التأسيسية للدستور. يضاف إلى ذلك الحديث المتكرر شعبيا عن وجود الميلشيات التى تجلى وجودها من خلال بعض افعالها إبتداء من إعتقال بعض الشباب، الذين حاصروا قصر الاتحادية، وحتى التعامل العنيف معهم وحرق خيامهم حتى استشهاد بعضهم (16). يضاف إلى ذلك تصريحات بعض قادتها، بأن شبابنا - أى شباب الإخوان المسلمين - على استعداد  كأنما نحن فى معركة مع عدو خارجى، وليس صراعاً داخلياً بين قوى اجتماعية شاركت فى الثورة (17). ويمكن القول بأن عنف التيار الإسلامى يرجع عموما إلى عدة عوامل أساسية. من هذه العوامل، أن العمل طويلاً تحت الأرض طور قدراتهم التنظيمية، وأن لم يفلح فى تنشئتهم سياسياً، وفق قواعد اللعبة السياسية العلنية. بينما يتصل العامل الثانى بأن أحلام بناء المجتمع الإسلامى بدت تلوح فى الأفق حينما أمسكوا بالسلطة. ومن ثم فقد أعجزهم ذلك عن رؤية المتغيرات الداخلية والخارجية، بحيث كانت تصرفاتهم ذات طبيعة تكتيكية وليست استراتيجية، إلى جانب الفشل فى إدراك مغزى التجارب الإسلامية الناجحة التى وصلت إلى الحكم، كما هى الحال فى إيران، التى عمقت تدين الجماهير أولاً، ثم انتقلت من الدين إلى السياسة، أو كما هى الحال فى تركيا، التى أجادت النخبة الدينية فيها قواعد اللعبة السياسية ووصلت إلى السلطة، ومن باب السياسة إتجهت تدعيم الدين. على عكس ذلك لم ينجز التيار الدينى فى مصر وتونس وليبيا وحتى سوريا تديين الجماهير، كما حدث فى إيران، ولا أتقن قواعد اللعبة السياسية كما حدث فى تركيا. نتيجة لذلك شعر بالحصار، وبمناخ عدائى محيط، فلم يكن أمامه وأمام قادتها، سوى العناد والعنف، كطريق لكسر طوق الحصار.

	 ثانياً: خريطة العنف على ساحة الشباب:

	يعتبر الشباب هم الكتلة الفاعلة منذ بداية ثورة 25 يناير 2011، حيث توافرت لهم مجموعة من الخصائص التى أهلتهم لأن يلعبوا الدور المحورى فى تفاعلات الحدث الثورى. وترجع الفعالية الشبابية فى الثورة لعدة عوامل أساسية، منها أن التكوين الديموجرافى للمجتمع المصرى، يشير إلى أن الكتلة الشبابية تصل إلى 44% من حجم السكان. ومن الطبيعى أن يكونوا هم أصحاب المصلحة الغالبة فى المجتمع الحاضر والمستقبل (18)، يضاف إلى ذلك أن الشباب هم الذين عانوا من مجتمع ما قبل الثورة، حيث ارتفعت معدلات البطالة، وتردت الأوضاع المعيشية، وتضاءلت مختلف فرص الحياة أمامهم، إضافة إلى تردى أوضاع التعليم، وضعف المؤسسات الأسرية، وعجز مؤسسات المجتمع المدنى عن استيعابهم، وهو الأمر الذى رسخ فى وعيهم أن إشباع حاجاتهم ليس فى المجتمع الحاضر، ومن ثم ينبغى تغييره، وقد ساعد على ذلك أن الشباب، بسبب تكوينهم النفسى والاجتماعى، يميلون دائماً إلى المستقبل، وأنهم - خاصة شباب الشريحة العليا للطبقة المتوسطة - بحكم قدرتهم على التواصل من خلال تكنولوجيا المعلومات، هم الأكثر إدراكا لمدى التردى الذى أصاب مجتمعهم، إذا قورن بمجتمعات العالم المحيط (19).

	لذلك شكل الشباب المفرزة الأولى لحركة التغيير، التى تحولت إلى ثورة شاملة، وقد استندت ريادتهم للثورة، إلى أنهم كانوا الأكثر دراية بما يحدث فى العالم من حولنا، وبالتفاعل فى نطاق المجتمع الافتراضى. وقد ساعد انتشار المدونين والمدونات بين الشباب إلى إبرازهم باعتبارهم يشكلون كتلة متماسكة تعبر عن رأيها بصورة سلمية دون خوف أو قلق (20). يضاف إلى ذلك امتلاكهم لثقافة ومهارات العمل الجماعى، من خلال تشكيلهم اللجان الشعبية التى تولت حماية الثورة، إضافة إلى تنظيم المليونيات المتتابعة للحفاظ على الثورة حية فى الضمير والوعى المصرى الجماهيرى (21)، وهى الممارسات الشبابية التى دفعت السفير الألمانى فى القاهرة إلى القول  (22). كما أشارت بعض المصادر الأمريكية المنشورة على شبكة المعلومات إلى أن ثورة الشباب المصرى جعلت 70% من الأمريكيين ينظرون بإيجابية للشعب المصرى، إضافة إلى إعجاب القارة الأفريقية بالثورة ومحاولة تقليدها. يؤكد ذلك إشارة نائب الرئيس الغانى إلى  (23). وبرغم إبهار الشباب المصرى العالم بثورته السلمية، إلا أنه وقعت مجموعة من الظروف التى شوهت ثوبها الأبيض.

	من هذه الظروف، أن الأنظمة السياسية التى ظهرت فى أعقاب ثورة 2011 بددت طاقة الحدث الثورى للشباب، سواء عن عدم دراية أو سوء قصد. وحينما طالب الشباب بتصحيح المسار، وقعت أحداث عنف وصدامات، كان الشباب ضحيتها إما استشهادا أو زجا فى المعتقلات. من هذه الظروف كذلك أن الفصائل التى تولت بناء الحدث الثورى، اختلفت عن الفصائل التى استولت عليه واستمتعت بالسكنى فيه. من هذه الظروف أيضا أن التنظيمات والقوى السياسية المختلفة، لم تستطع استيعاب الكتلة الشبابية، أو تطوير الحركة الثورية فى إتجاه مسارات محددة. إضافة إلى المطالب الفئوية التى بدأت تزدهر، وبدلاً من مواصلة القوى الثورية دفع الحدث الثورى انصرفت تبحث عن الغنائم، بحيث أسلم حصار الحدث الثورى ومحاولة اختزاله إلى تفكيك الكتلة الشبابية، وبروز ائتلافات شبابية طورت رؤى مختلفة للمجرى الذى ينبغى أن ينطلق فيه الحدث الثورى. بحيث أصبحت نتيجة لهذا التشرذم هدفا لعنف تدفق من مصادر عديدة (24).

	وقد شكل التيار الإسلامى أحد مصادر العنف الموجه للشباب الثائر، وذلك باعتبار أن المؤسسة الرسمية أصبحت تنتمى لهذا التيار، حيث نظر هذا التيار إلى احتجاج الشباب وتظاهراتهم السلمية احتجاجاً على التيار الإسلامى والنظام السياسى الذى ينتمى إليه. لذلك تكررت كثيرا وبصورة كثيفة مظاهر المواجهات بين شباب التيار الإسلامى بفصائله المختلفة وشباب الثوار ذى الأيديولوجيات المدنية أو العلمانية، حيث تكرر ذلك فى الإسكندرية، كما تكرر فى محافظة البحيرة، وفى مدينة المحلة الكبرى، كما تكرر فى محافظة الغربية والدقهلية، إلى جانب بعض مناطق القاهرة. وأبرزها حرق خيام المعتصمين بجانب قصر الاتحادية، والقبض على بعضهم وتقييده وتعذيبه. حسبما أشارت تقارير صحفية وإعلامية عديدة. وقد تكرر هذا المشهد كثيراً، حيث يبدأ شباب الثورة بتظاهرة سلمية، ثم ما تلبث أن تتحول إلى ساحة للعنف. حينما تصبح هدفا للعنف معها سواء من قبل أفراد التيار الإسلامى، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، أو من البلطجية وأطفال الشوارع، أو حتى من جماعات  (25).

	 وتتمثل الظاهرة الثانية فى ظهور جماعات ، التى تعتبر امتدادا لجماعات عالمية، ظهرت فى بعض الدول الغربية بسبب قضايا محددة، حيث ظهرت هذه الجماعات نتيجة للعنف المفرط الذى مارسته الشرطة الألمانية، فى محاولتها إخلاء سكان بعض المناطق لإنشاء محطة للطاقة النووية. وامتدت الحركة إلى الولايات المتحدة أثناء تظاهرات حرب الخليج، وكان من عناصرها نشطاء الأناركية  واللاسلطوية التى ، حيث بدت البلاك بلوك أكثر عنفا فى عام 2011 ، حينما إحتجت على إرتفاع الأسعار، إذ قامت حينئذ بتخريب كثير من المحلات التجارية فى لندن (26). ومن خصائص جماعة البلاك بلوك تبنى العنف واستخدام أدواته كقنابل المولوتوف، والحجارة. كما تميل إلى الدخول فى حرب شوارع مع الأمن، وهى تنصرف سريعا بعد تحقيق هدفها. من خصائصها كذلك أنها قد تلجأ إلى العنف النوعى مثل قطع الطرق أو السكك الحديدية (27)، إضافة إلى التخفى خلف قناع أسود، واستخدامها لغة مشفرة على غرار حركات العنف السرية، إلى جانب أنها تضم الفئة العمرية من 16-25 سنة، ولديهم قدرة عالية على التعامل مع الفضاء الألكترونى، إضافة إلى عدم امتلاكها لأى توجه أيديولوجى أو فكرى (28).

	 وتوجد مجموعة من العوامل التى دفعت إلى ظهور جماعة ، حيث يتمثل العامل الأول فى فشل القوى السياسية، فى الحكم أو المعارضة، فى استيعاب القوى الشبابية بعد الثورة. يضاف إلى ذلك أن الاستقطاب الدينى - المدنى لعب دوراً أساسياً فى ظهور الجماعة التى برزت لحماية شباب الثورة السلميين من شباب القوى الاسلامية، ومن أجهزة الأمن. تأكيداً لذلك أنه حينما أصدر النائب العام قرارا بضبط المنتمين لهذه الحركة طالبت القوى السياسية بفتح كافة ملفات العنف، ومنها أحداث قصر الاتحادية، دون الاقتصار على التعامل مع هذه المجموعة بشكل إنتقائى (29). يضاف إلى ذلك إتهام بعض عناصر التيار الاسلامى الكنيسة، بدعم شباب البلاك بلوك، ذلك إلى جانب رخاوة الدولة المصرية على صعيد فضاءات الأمن والقضاء والتنمية، الأمر الذى رسخ جرأة على الدولة (30).

	 وتشكل البلطجة والتشبيح الظاهرة الثالثة التى نشرت العنف على ساحة الثورات العربية، حيث تظهر هذه المجموعات فى كل التظاهرات الشبابية السلمية، لتؤسس تحولا نوعيا فى التظاهرات، إذ تبدأ المظاهرات عادة بالطبيعة السلمية غير أنها سرعان ما تنقلب إلى ارتكاب بعض سلوكيات العنف، حيث تستخدم الحجارة وقنابل المولوتوف والخرطوش، ليتدخل الأمن، ويضرب الحابل بالنابل. وإذا كانت ظاهرة البلطجة تشوه وجه التظاهر السلمى، ومن ثم شباب الثورة، فإنه باستطاعتنا أن نتعرف على العناصر التى يهمها نشر هذه الظاهرة فى فضاء التظاهر (31). ارتباطا بذلك هناك من يؤكد على أن أطفال الشوارع يشكلون مكونا بارزا فى هذه الظاهرة، فهم يعانون من الحرمان، وتحتوى شخصايتهم روحاً انتقامية. تسعى لحرق هذا المجتمع. الذى لا ناقه لهم فيه ولا جمل، ولا بأس أن يوجه الانتقام إلى الشرطة، التى طالما سامتهم سوء العذاب، بينما يؤكد البعض الآخر بأن البلاطجة والشبيحة هم أدوات النظام القديم، الذى يسعى أفراده من  لنشر حالة من الفوضى، لتكون شاهداً على انحراف الثورة، وهم يتحملون عادة تمويل ما يؤجج الحريق وينشر حالة الفوضى. بينما يذهب البعض الثالث إلى أن بعض هذه العناصر تنتمى إلى قوى الاسلام السياسى التى ترغب فى إثبات أن التظاهر يقف عقبه فى طريق الاستقرار. وتوجد شواهد كثيرة على ذلك، نذكر منها الهجوم على مقر حزب الوفد، وجريدة الوطن، وعلى مدينة الإنتاج الاعلامى، وعلى الثوار فى قصر الاتحادية، وماخفى كان أعظم. وفى أحيان كثيرة قد ينضم إلى هذه الشريحة الباعة الجائلون وأبناء الأحياء الشعبية الفقيرة الذين يتوقعون أن تتيح لهم فوضى التظاهر الحصول على بعض الغنائم.

	 ويعد التحرش الجنسى بالإناث وربما إغتصابهم عنوة أحد المظاهر السلبية التى ظهرت على ساحة التظاهر الثورى. وقد برزت هذه الظاهرة حينما خرجت المرأة بكثافة لتشارك فى التظاهر السلمى الذى استهدف استمرار الثورة وفى التظاهر، فى مواجهة سيطرة الاسلاميين على مقدرات الثورة. فى هذا الاطار تتعجب الناشطة اللبنانية  حول انتشار ظاهرة التحرش الجنسى فى دول الربيع العربى، التى سيطر عليها إسلاميون، الذين من المفترض أن يعمل دعاتهم ورموزهم وبوليسهم باتجاه مراقبة السلوك فى محاولة لإعادة أسلمة المجتمع (32). وإذا كانت الأجهزة الأمنية قد عجزت عن معرفة المتحرشين إلى حد اغتصاب تسع عشرة فتاة فى ميدان التحرير وما حولها فإن المنطق يشير إلى أن التحرش الجماعى يصدر عمن عادة يرفض أن تشارك المرأة فى التظاهر، بل والذى يرفض التظاهر أصلاً، وهو عادة الطرف الذى ينظر إلى المرأة نظرة متدنية، خاصة المرأة السافرة، حيث يتعامل المتحرش معها غريزيا وعنوة، حتى يكسر كبرياءها ولا تعود إلى ساحة الثورة والتظاهر من جديد (33). غير أن المرأة المصرية برغم كل ذلك تشارك فى نسج ثورتها، شامخة ومجيدة، بغض النظر عن تدنى الآخرين إلى مستويات غريزية وحيوانية.

	ثالثاً: خريطة الجماهير كفاعل أصيل فى الثورة:

	نجح شباب الشريحة العليا للطبقة الوسطى فى تصميم الحدث الثورى فى المجتمع الافتراضى، والنزول به إلى الواقع. حيث تحرك الحدث، وأثناء حركته يكبر وتتسع مساحته مثل كرة الثلج. وحينما هبط الحدث الثورى على أرض الواقع، التحقت به شرائح شباب الطبقة الوسطى، الذين يعانون من البطالة وتوقف حركة الحياة، ثم تداعت الطبقة الوسطى، التى كانت مهددة فى نظام ما قبل الثورة بالسقوط إلى أسفل، إضافة إلى القهر الذى فرض عليها بقانون الطوارئ. كما إنتشر حولها الفساد الذى حرمها من حقها فى الحصول على فرص الحياة (34). فى أعقاب ذلك تداعى فقراء الريف والحضر، يطلبون حياة جديدة، فقد جربوا أن الثورات تأتى دائماً بالخير، وآخرها ثورة ناصر فى 1952، حيث اندفع الجميع فى محاولة للإطاحة بالنظام السياسى القائم قبل الثورة، والذى فرض الحرمان فاستحق الكراهية من الجميع.

	فى اليمن أيضا تقدمت القبائل كى تتحالف مع شباب الثوار، وفى ليبيا تداعى الجميع ضد ملك ملوك أفريقيا. وبرغم أن حكام هذه المجتمعات - تونس ومصر وليبيا واليمن - قدموا تنازلات كثيرة، غير أن الشعوب رفضت كل ذلك، لأنها كانت فى شوق إلى مجتمع جديد، وفجر تشرق بعده الشمس. فقد تغيرت سيكولوجية الجماهير، كما تغير عقلها وقد بدأ هذا التغيير فى الشخصية العربية بصورة تدريجية، أدركت معها هذه الشخصية حلاوة مضامين الثورة والاحتجاج (35)، حيث سبقت الثورة فى مصر مرحلة من الاحتجاجات الفئوية، التى قابلها الجهاز الأمنى بالقسوة فى البداية، وبسبب الضغوط العالمية اكتفى بحصارها، حيث لعبت هذه الاحتجاجات دوراً أساسياً فى التساقط التدريجى لحاجز الخوف، فى مقابل التراجع التدريجى لقوة وهيبة النظام السياسى السابق على الثورة، ومعه جهازه الأمنى، إعتقادا منه أن الابتعاد عن ساحة المواجهة سوف يهيئ الخواطر والأمور (36).

	وفى مرحلة تالية بدأت الثورة تنسج رمزيتها، من خلال فريق من المحتجين الذين يطرقون الأطباق بالملاعق، إشارة إلى الجوع والحرمان، بينما فريق آخر يسير ممزق الملابس، يرمز بذلك إلى العجز عن الحصول على الكساء، فى حين افترش فريق ثالث أرضية الوزارات ورصيف مجلس الشعب، إشارة إلى افتقاد المسكن كلية أو المسكن الملائم (37). على هذا النحو شكلت خبرات الاحتجاج واكتمال الرمزية مرحلة التمهيد لثورة سلامية وحضارية، فى أثنائها سقطت رؤوس الأنظمة السياسية بصورة خاطفة، وبسرعة غير متوقعة. أدركت معها الجماهير أن القهر والحرمان الذى فرض عليها، ليس سببه جبروت الحاكم، بل حالة الخضوع والخنوع التى عاشت هذه الجماهير أسيرة لها. وإبتداء من نجاح الثورة لم تتوقف الجماهير عن الرفض، رفض ممارسات الجهاز الأمنى، بتأكيد أن الشرطة فى خدمة الشعب، وليست سيداً له. فى هذا الاطار تعالت الأصوات بإعادة تأهيل وتربية الأجهزة الأمنية، تحت مسمى إعادة الهيكلة. لذلك كانت كثافة العنف فيما بعد الثورة، إذا حاولت الأجهزة الأمنية الخروج على طاعة الجماهير، أو إذا أراد الحاكم أن يكون فرعونا جديداً (38).

	وتشكل الأوضاع المجتمعية فى أعقاب الثورة ظرفا ملائما لتفريخ العنف، ففى أعقاب نجاح الثورات العربية وجدت الجماهير نفسها فى مواجهة أنظمة سياسية، فى غالبها ذات توجهات إسلامية. تسعى إلى دفع الثورة فى إتجاهات بعينها، وبحسن نية أو عن سوء طوية، تأرجحت هذه الأنظمة بين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية. وفى إطار هذا التأرجح ارتكبت أخطاء غير متسقة مع المزاج الثورى للجماهير، تأكيداً لذلك أن حركة النهضة فى تونس هى التى سيطرت على المجال السياسى. واستيقظت الجماهير فى مصر، فإذا بجماعة الإخوان المسلمين، قد سيطرت بوضع اليد على الثورة. وفى اليمن تحالف الحوثيون مع شباب الثورة، انتظاراً لاختطاف الثورة منهم حين نضجها، وسارت ليبيا وسوريا على نفس الدرب تقريبا، وأدركت الجماهير، خاصة شرائح الشباب، أن تدينها هو تدين معتدل، وسطى وبسيط، عملا بقول رسولنا الكريم . ترفض هذه الجماهير القتل باسم الدين كما يفعل الجهاديون، كما ترفض هذه الجماهير، الهروب إلى الماضى كما يذهب السلفيون، لأن الاسلام دين التقدم وإلى الأمام. كما يستبعدون استخدام الدين لقداسته، فى إتجاه تحقيق مآرب سياسية، والقفز على السلطة كما يحاول الإخوان المسلمون. بينما رسولنا الكريم مارس السياسة بعد استكمال بناء المجتمع المتدين، لم يدفع للفقراء زيت ولا سكر، بل قال من غش أمتى فليس منى. ومن الطبيعى أن يقع العنف بين الذين يمارسون الدين بنقاء وطهاره، وبين الذين يتاجرون بالدين فى سوق نخاسة.

	وإذا كانت الجماهير التى قامت بالثورة قد تغيرت صورتها عن ذاتها، فهى التى صنعت الثورة، ومن الطبيعى أن يؤكد ذلك إنتماءها لمجتمعها (39). فإذا تراجع أداء النظام السياسى فى أعقاب الثورة، وإذا أدركت الجماهير أن الآمال تتساقط من بين اصابعها، فإنها تدرك أن رأس النظام السياسى قد أخل بمضامين العقد الاجتماعى، الذى سطرته أصابع الناخبين وقت الاقتراع عليه. فى هذه اللحظة تدرك الجماهير أن الثورة هى التى أعادت إليها روحها، وإنتماءها وكبرياءها، وهى الآن فريسة سوء الأداء السياسى والاقتصادى على السواء، الأمر الذى يهدد بعودة الحالة السابقة على الثورة من جديد. فى هذه الحالة تحدث حالة من التوحش الشعبى، إذا لم يستجب النظام السياسى لمطالبها المشروعة، فإنها قد تنحدر إلى حالة من الفوضى، غير محمودة العواقب. تأكيدا لذلك حالة الانتفاضات الجماهيرية التى انحدرت إلى العنف، وسقوط قتلى أو شهداء، فإذا عجز النظام السياسى عن إدارة الأزمة، فإن الجماهير تصبح قابلة لكل سلوكيات العنف المحتملة، حتى لا تضيع الثورة. وعلينا أن ننظر إلى استمرار العنف الجماهيرى على ساحات الثورات العربية، باعتبارها خوفا على الثورة، التى أكدت الكبرياء والشموخ، ودعمت الانتماء والارتباط بالوطن.

	 رابعاً: النظام السياسى وإدارة ساحات العنف:

	تغيرت أشياء كثيرة فى سيكولوجيا المجتمعات العربية ومنها مصر، فلم يعد الحاكم سليل الفراعنة، ولكنه أصبح أحد أبناء الكادحين فى هذا الشعب، ومن ثم فقد سقطت عنه هالة الفرعون. كما تآكلت قابلية الخضوع لدى الجماهير، وأصبحت المساءلة والتمرد والرفض مفاهيم دخلت فى قاموس حياتها اليومية. كما أنها أصبحت جماهير أكثر وعيا، تدرك ضرورة الحرب على الفساد، وتؤكد على أهمية التحول الديموقراطى. كما تدرك أهمية الاتجاه مباشرة إلى حل المشاكل الاقتصادية للجماهير التى صبرت كثيراً. فإذا لم يحقق النظام السياسى ذلك، فإن التظاهر كمظهر للاحتجاج يصبح واجبا، وهو مقدمة للعنف حينما تتصادم الإرادات.

	 ومنذ قيام ثورات الربيع العربى وجدنا الأنظمة السياسية تمارس العنف مع شعبها كأن شيئا لم يحدث، ففى مصر مارس المجلس العسكرى العنف مع المتظاهرين، وإستخدمت أدوات البطش، بواسطة الشرطة المدنية والعسكرية، والقناصة والبلاطجة ذوى الرواتب الحكومية. كما أن الحكومة اليمنية أعملت القتل والضرب والتعذيب فى الشعب اليمنى، وشباب الثورة، ضاربة عرض الحائط بكل مواثيق وإعلانات وإتفاقيات حقوق الإنسان (40). وحينما تمكنت بعض هذه المجتمعات من قطع خطوات على طريق التحول الديموقراطى، حيث أجريت الانتخابات التى أتت بحكام مدنيين، توقعت الجماهير خيراً غير أنها وجدتهم عاجزين عن تحقيق الاستقرار، الذى اشتاقت إليه هذه الجماهير. ففى كل الثورات العربية وقعت اشتباكات بين المتظاهرين وكتائب الأمن المركزى، الذى إستخدم المياة الساخنة وقنابل الغاز وطلقات الخرطوش والرصاص الحى، حدث ذلك فى مصر وتونس وليبيا واليمن على السواء.

	 بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت الدولة متناقضة، فهى أمام العالم الخارجى والقوى العالمية خاضعة ومطيعة، غير أنها مستأسدة على شعوبها، وإذا كانت الشعوب قد ثارت على التبعية، فإنها تثور وتعنف وتتظاهر، حينما تدرك أنه أصبح للتبعية موطئ قدم من جديد (41). يضاف إلى ذلك أنها دولة تفتقد القدرة على الإبداع، سواء فى التعامل مع شعبها، أو فى مواجهة المشكلات الواقعية، التى تعانى منها الجماهير، أو فى إزالة حالة الاحتقان السياسى وحل تعقيداتها. سلوكها هروبى، تتسبب فى صنع المشاكل ثم تختفى وراء جدران القصور، الأمر الذى أسس حالة من الجرأة عليها، خاصة من قبل جماهير عانت من الحرمان طويلاً. كسرت حاجز الخوف، تأكيداً لذلك الهجوم المتتابع على قصر الاتحادية فى مصر، وكل القصور فى ثورات الربيع العربى. يضاف إلى ذلك أن الدولة لم تعد وحدها تحتكر العنف، كما يؤكد تنظير الاجتماع السياسى، الذى يؤكد على ضرورة احتكار الدولة وحدها لحق ممارسة العنف، وفق القانون لفرض النظام. دون الخضوع لطائفة أو جماعة أو طبقة. غير أننا نلاحظ فى بعض دول الربيع العربى مثل تونس ومصر أن الدولة لم تعد تحتكر العنف، بل ثمة جماعات غامضة من البلطجية تارة، أو بعض فصائل التيار الاسلامى تارة أخرى، أو القناصة وقتلة الثوار تارة ثالثة، أصبحت هى الأخرى مؤسسات تمارس العنف (42)، وهو الأمر الذى يدفع الأطراف التى يوجه إليها العنف إلى ان تعنف هى الأخرى فى المقابل، ونتيجة لذلك تنتشر حالة من الفوضى.

	 يضاف إلى ذلك أن بعض دول الربيع العربى بعد القيام بثوراتها أصبحت تعانى من حالة من الانسداد السياسى، حيث تتجه غالبية الأنظمة السياسية بعد الثورة إلى تهميش غالب القوى السياسية. كما تتجاهل المطالب الثورية، التى تظل عالقة فى فضاء المجتمع، والتى تستنفر الجماهير لتطرق سلوكيات العنف. يضاف إلى ذلك محاولة اختزال بعض النظم السياسية، الدولة لصالح الجماعة أو الفئة التى ينتمى لها رأس النظام السياسى، أو محاولة اختزال الديموقراطية إلى ديموقراطية الصندوق المصاب بالعبث أحيانا. ذلك إلى جانب ميل الأنظمة السياسية التى تشكلت فى أعقاب الثورات، إلى الاحتكام للعصا الأمنية فى تعاملها مع الجماهير (43)، وكأن شيئا لم يتغير، وأن ثورة لم تتفجر، أو أن الليلة من المؤكد أنها أصبحت أشبة بالبارحة.

	

	المراجــــــــــع:

	(1) بسمة كراشة، لماذا ينتشر العنف فى دول الربيع العربى، متاح على موقع

	http://www.bbc.co.uk/arabic/multimedia/2013/02/1320_arabspring_violence_debate.shtnl

	(2) متاح على نفس الموقع.

	(3) كيف تمنع العنف فى دول الربيع العربى، متاح على موقع

	http://www.ahewar.or/dedat/show.artrasp?aid=334702 

	(4) متاح على نفس الموقع.

	(5) كمال السعيد حبيب، الجغرافيا السياسية الجديدة والعنف فى العالم العربى، متاح على موقع سابق.

	(6) متاح على نفس الموقع.

	(7) متاح على نفس الموقع.

	(8) محمد عبد الله يونس، أبعاد وخصائص العنف السلفى بعد الثورات العربية، متاح على موقع

	http://rcssmideast.org/%8 

	(9) متاح على نفس الموقع.

	(10) متاح على نفس الموقع.
</fulldescription>
<pubDate>Sun , 21 Apr 2013 02:28:14 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/458/خرائط-العنف-على-ساحات-الثورات-العربية.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>المد التحرري وفرص النهضة الإنسانية في الوطن العربي</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/457/المد-التحرري-وفرص-النهضة-الإنسانية-في-الوطن-العربي.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/21/2013-635021496586504197-650_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
أبدا لم استحسن تعبير «الربيع العربي». فهذا التعبير المُترجم يوحي بأن المنطقة العربية تشهد فصلا أو موسما، زاهيا ومبهجا، ولكنه قد ينقضي قريبا. والحق أن الوطن العربي بصدد عملية تاريخية طويلة، مركبة ومعقدة، تحتمل تسجيل الانتصارات، كما تحتمل التعثر والتراجع، بل والانكسار. أو هو ربيع على خطر من أن ينقلب شتاء قارصاً قبل أن تتفتح أزاهيره.</description>
<fulldescription>

	

	أبدا لم استحسن تعبير . فهذا التعبير المُترجم يوحي بأن المنطقة العربية تشهد فصلا أو موسما، زاهيا ومبهجا، ولكنه قد ينقضي قريبا. والحق أن الوطن العربي بصدد عملية تاريخية طويلة، مركبة ومعقدة، تحتمل تسجيل الانتصارات، كما تحتمل التعثر والتراجع، بل والانكسار. أو هو ربيع على خطر من أن ينقلب شتاء قارصاً قبل أن تتفتح أزاهيره.

	ولكن هذه العملية التاريخية هي بلا أدنى شكل علامة تاريخية فارقة للمنطقة، وربما للعالم كله، خاصة لو نجحت انتفاضات المد التحرري العربي في نيل غاياتها في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.

	أولا- في اللحظة التاريخية ومغزاها:

	تمور بلدان عربية عديدة بمد تحرري كاسح، يستهدف غايات الحرية والعدل والكرامة الإنسانية للجميع، ويقوم على انتفاضات شعبية مبهرة، غلب عليها إتباع أساليب سلمية وراقية حضاريا، كان الشبيبة العرب المهمشين في ظل الحكم التسلطي، طليعتها، ونوار شهدائها ومصابيها من جراء محاولات قمعها بالعنف الخسيس. وقد اضطرت أنظمة حكم استبدادية في خضم هذا المد الرائع، أو لتفادي اجتياحه لأراضيها، لاجتراح إصلاحات سياسية ماكان يمكن مجرد التفكير فيها قبل انطلاق المد التحرري العربي العظيم، مع الادعاء بأن هذه الإصلاحات لا علاقة لها بالمد التحرري، وليس في نظري إلا اعترافا مشوباً بالإنكار. والأخطر أن الاستبداديات العربية لم تأل جهدا لاجهاض ثورات المد التحرري العربي حتى لا تصل لنهاياتها المرغوبة شعبيا من إسقاط الحكم التسلطي ومحاسبة قياداته على إفسادهم في الأرض، لا سيما تلك المتاخمة لها، وهذا كان سوء حظ اليمن على وجه الخصوص.

	لم تشهد المنطقة، بل ربما لم يشهد العالم أجمع، مثل هذا المد التحرري الكاسح في مثل هذه المنطقة من العالم منذ عقود، حتى صارت المنطقة تذخر بانتفاضات شعبية، سلمية وملهِمة، تتأسى بها حركات تحررية في جميع أنحاء العالم، من أمريكا إلى الصين مرورا بانجلترا وإسرائيل وزيمبابوي.

	وقد بلغ هذا المد حال كونه بدايات ثورة شعبية بكل معنى الكلمة على الحكم التسلطي- حكم الفساد والاستبداد الذي جثم على صدور العرب طوال عقود الانحطاط والهوان الطويلة - على الأقل في بلدين عربيين في الشمال الأفريقي، تونس ومصر، في مطالع العام 2011 مسقطا المتسلط الأكبر في اثنين من أعتى النظم الاستبدادية العربية وأطولها عمرا (طال عمرها إلى 23 و 32 عاما متصلة، على الترتيب)، بمعدل واحد كل شهر تقريبا منذ مطلع العام؛ وإن كان بدا بعد بضعة أشه ر من سقوط الطاغية المخلوع، أن تونس تتفوق على مصر في صلاح ترتيبات التحول نحو الحكم الديمقراطي السليم، ويكفي هنا الاستشهاد بانتخاب لجنة تأسيسية لوضع الدستور الجديد قبل إجراء أي انتخابات أخرى، وتعيين حقوقي وزيرا للداخلية، في تونس، بينما بقي دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مصر ملتبسا ومشوبا بريّبة التحيز للتيارات الإسلامية المتشددة، في ظل صفقة غير معلنة، طالما جرى إنكارها.

	وحول منتصف العام نفسه كان المد التحرري يكاد يبلغ مكانة الثورة الشعبية هذه في بلد عربي ثالث يقع في الوسط بين مصر وتونس جغرافيا، وإن بتكلفة ضخمة، تقارب احتمال تقسيم البلد، نظرا لتعنت المتسلط فاقد الصلة بالشعب وبالواقع على حد سواء، والذي استبد بالبلد من أربعين عاما، وما ينطوي عليه التدخل الأجنبي، الذي استدعاه نزق الطاغية، ودعوة الجامعة العربية، وارتكاب الطاغية جرائم ضد الإنسانية، من مخاطر.

	وفي بلد عربي رابع في جنوب غرب الجزيرة العربية، تكرر المسار المأساوي نفسه، بعد أن استبد الطاغية المعاند، هو وعائلته، بالبلد أطول من ثلاثة عقود استدعت تمرد الشعب، وهناك كرِّست الطبيعة القبلية، واستشراء حمل السلاح احتمالات الحرب الأهلية، خاصة بعد أن نجح مجلس التعاون الخليجي، وللعار بدعم من ، والأمم المتحدة في صفقة سياسية كفلت إفلات الطاغية الذي قامت الثورة لإسقاط نظامه من المساءلة، وعقد انتخابات شكلية ضمنت استمرار نظام الفساد والاستبداد بقيادة الرجل الثاني فيه، ولكن بقيت جذوة الثورة متقدة، وزاد عليها الصراع بين معسكري الطاغية المخلوع وربيبه الرئيس الحالي.

	وفي منتصف العام 2011 كذلك، كان نظام حكم تسلطي آخر في المشرق، من معسكر الممانعة والمقاومة، يستغل جيشه لا لدحر المحتل الجاثم على أرضه منذ العام 1973، ولكن لإخضاع شعبه الذي تمرد هو الآخر على طول المعاناة. وقد امتد الصراع في سوريا بسبب تعقيدات الموقف الإقليمي والدولي بتكلفة تقدر بآلاف الشهداء وعشرات آلاف المصابين والمعتقلين، ومئات ألوف اللاجئين.

	وبسقوط الاستبداديتين الثالثة (ليبيا) والرابعة (اليمن)، وبانتصار الثورة الشعبية في البلدان العربية الأربعة على احتمالات الثورة المضادة بواسطة فلول نظم الحكم التسلطي الساقطة، وأعداء الحرية في الداخل، وفي المحيطين الإقليمي والعالمي، كان يمكن أن تشكل تونس ومصر وليبيا،  متصل جغرافيا لقيام نهضة إنسانية في الوطن العربي، ويمثل اليمن امتداد لهذا الإقليم الخيّر في الجزيرة العربية، ولكن الصورة في نهايات العام 2012 أضحت أشد تعقيدا.

	ومع ذلك يبقى الأمل في أنه إن ما تتالى سقوط أنظمة الحكم التسلطي في بلدان عربية أخرى في المشرق والمغرب العربي كليهما، فسيمهد هذا التطور التاريخي لإقامة نهضة إنسانية في عموم الوطن العربي، ارتكازا على إقليم قاعدة ممتد من المحيط في الغرب إلى الخليج في الشرق وبحر العرب في الجنوب، عبر تبلور المشهد المفتتح لمسيرة  حسب تقرير  الثالث الذي يفضي إلى إقامة البنى القانونية والمؤسسية الكفيلة بإقامة الحكم الديمقراطي الصالح سبيلا إلى التنمية الإنسانية.

	ويقوى هذا الإمكان بامتداد الثورة الشعبية التحررية أو آثارها إلى مشارق الوطن العربي ومغاربه، وليس بالاحتمال البعيد. ومن حسن الطالع أن قامت بين الانتفاضات الشعبية الأربع (تونس، مصر، ليبيا، واليمن)، وبينها وبين إرهاصات انتفاضات شعبية في أقطار عربية أخرى (سورية، الجزائر والمغرب، كما الأردن، والبحرين)، علاقات تقدير متبادل، ودعم متواتر، ولو على البعد. فقد اندلعت تظاهرات الشباب في ليبيا واليمن بعد أقل من أسبوع من سقوط طاغية مصر في اليوم المشهود 11-2-2011، وفي المغرب بعد عشرة أيام، ثم في البحرين، وحتى في السعودية.

	وفي الثلث الأخير من مارس 2011 بدأت انتفاضة شعب سوريا تتأجج في درعا في جنوب سوريا، وتمتد خارجها إلى أرجاء البلد كافة، كما تظاهر مئات في شرق السعودية، وانطلقت على  مجموعات تطالب بالإصلاح في دولة الإمارات، وقامت مظاهرات في صحار أدت لأن يُعفي  جُل وزرائه.

	في كل هذا ما يؤذن باطراد انفراط عقد الحكم التسلطي في أرجاء الوطن العربي. ويستند هذا الحكم إلى التقدير، وقت الكتابة، بأن السهم قد نفذ، والوقت انقضى، بالنسبة لدولة الحكم التسلطي في الوطن العربي، أو دولة  حسب مصطلح  الثالث، على الرغم من بعض جيوب المقاومة التي ما فتئت تقاوم المصير المحتوم ولو بارتكاب فظائع هي جرائم ضد الإنسانية يندى لها جبين أي إنسان له في الصدر فؤاد، كما في سوريا حيث اطردت الحملة الباغية لسحق  و>المؤامرة> بالعنف المبالغ فيه، حيث كان عدد الشهداء والمصابين والمعتقلين يزداد بمعدلات مخيفة بسبب استعمال أسلحة الجيش، حتى الثقيلة منها، والقناصة الذين يستهدفون المتظاهرين في الرءوس والأعناق والصدور، ولا يرد عليها المتسلط إلا بإقالة حكومة لا حول لها ولا قوة، والوعد بإصلاحات لا تأتي، أو إن أتت لا تستهدف إلا أن تجمِّل واقعا قبيحا، والتبجح بدعم  له بينما ينفض عنه أركان نظامه باطراد، ما يذكر بطاغية ليبيا الذي جمع بين جنون العظمة وإنكار الواقع ما جعل منه ظاهرة كونية فريدة، إلى أن قتل طريداُ. وتحولت بدايات الثورة الشعبية السورية إلى أزمة دولية تحالفت الدبلوماسية الإقليمية والدولية العلنية، والتمويل الخفي الوفير لبعض أطرافها، إلى شبه حرب أهلية تحطم البلد الرائع وتحول مئات آلاف من أهلها إلى لاجئين في ظروف مزرية يعاني أشد فظائعها المستضعفون من النساء والأطفال.

	والمدهش حقا هو أن جميع الطغاة تحت الإسقاط ظلوا يرتكبون جميع الأخطاء التي ارتكب سابقوهم إلى المصير المحتوم، ابتداء من الإدعاء بأن البلد ، بعد سقوط جلاد تونس، أو  بعد سقوط طاغية مصر أيضا، وكانت القائمة التي يجري التنصل منها تطول كلما سقط طاغية آخر، ثم الإدعاء بأن الثوار مُضلّلِون أو مأجورون، ومقاومتهم بالعنف الباطش حتى القنص المميت بالرصاص الحي في الرأس والعنق والصدر، مع التسويف والمماطلة في تحقيق مطالب المنتفضين حتى تتصاعد المطالب إلى سقف ، تعبيرا مهذبا عن الخلع. بينما لم يبد أي منهم استيعابا للدرس الواحد الأكيد: أن لا فكاك للمتسلط متى ما ثار الشعب وصار محصنا ضد التدليس عليه ومحاولات تدجين ثورته. إلا أن الموجة الأولي للثورة، حتى وإن حققت نجاحات أولية، قد تتعرض للاختطاف أو الإجهاض، ولو بواسطة من يدعون مناصرتها. والتاريخ يعلمنا أن الثورات الشعبية تأتي على موجات، وإن انكسرت الموجة الأولى من الثورة الشعبية على شاطئ الاستبداد والفساد فستلحقها تاليات.

	وهكذا قد تفشل موجة ثورية من دون إفراغ الإمكان الثوري للشعب، وقد يفضي النجاح الأولي للثورة إلى حالة استعصاء ومغالبة. فقد تتعرض الثورة الشعبية، ولو بعد تحقيق انتصارات أولية، للاختطاف أو الإجهاض، لاسيما إن لم ينته الثوار إلى الإمساك بمقاليد الحكم مباشرة. وتزيد فرص النجاح في هذه الحالة باستمرار اليقظة الثورية ،واطراد الفعل الثوري الضاغط على السلطة الانتقالية الحاكمة لضمان نيل غايات الثورة. إلا أن دخول حالة الاستعصاء هذه، لا يعني على الإطلاق أن الحراك التحرري قد انتهي أو خاب من دون طائل.

	فيقين الكاتب أن شعوب الوطن العربي, علي منحني ثوري تحرري لن يتوقف حتي نيل غايات المد التحرري العربي في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.

	ثانيا- سمات المد التحرري العربي واحتمالات تطوره:

	من استقراء التاريخ العربي المعاصر، نقترح أن نميز بين المراحل السبع التالية في إطار نظري أولي لعملية التحرر في الوطن العربي، وربما في غيرها من بلدان العالم التي ترزح تحت نير الحكم التسلطي.

	وليست هذه المراحل بالضرورة منفصلة تشريحيا، بل قد تتداخل حدودها، كما لا يوجد ضمان لأن يجري الانتقال من مرحلة لأخرى بسلاسة ويسر، بل إن هناك نقطة انكسار محتملة في وسط السلسلة يمكن، إن قامت، أن تعصف بباقي مراحل العملية التحررية، وتفتح الباب على مسارات تعسة.

	(أ ) الركود أو الاستقرار القلق، مرحلة ما قبل الحراك التحرري:

	هي حالة من الاستقرار الشكلي، أشبه بالسكون عند مستوى متدن من الرفاه الإنساني، وهو استقرار مفروض على الشعب بأشكال شتى من ممارسة القوة الناعمة (الرشى المالية في بلدان الوفرة، والإعلام المدار)، والعنيفة (أساسا البطش البوليسي).

	هي حالة من الاستقرار تحت القهر المقيد للحريات والحقوق الأساسية، وباللجوء إلى البطش البوليسي عند اللزوم، وتقوم على الإفقار القصدي، من خلال تزاوج السلطة والثروة وسيادة الرأسمالية المنفلتة الاحتكارية، مؤديا إلى استشراء البطالة والفقر وسوء توزيع السلطة والثروة، في بلدان الفاقة. بينما تدور في فلك تزاوج السلطة والثروة وتقييد الحقوق والحريات الأساسية وسيادة الرأسمالية المنفلتة الاحتكارية، مؤديا إلى سوء توزيع السلطة والثروة، في بلدان أخري تنعم بالوفرة المالية.

	بقية الدراسة بالنسخة الورقية للمجلة: العدد 50- أبريل 2013
</fulldescription>
<pubDate>Sun , 21 Apr 2013 01:40:25 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/457/المد-التحرري-وفرص-النهضة-الإنسانية-في-الوطن-العربي.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>نظام الحكم فى الدستور الجديد</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/451/نظام-الحكم-فى-الدستور-الجديد.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/17/2013-635018196301961992-196_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
تعددت الرؤى  حول طبيعة نظام الحكم قبل إقرار الدستور الجديد بين القوى السياسية، وتحددت في  ثلاثة تيارات، أولها يرى أن الأنسب للنظام السياسى الجديد بعد ثورة 25 يناير هو النظام البرلماني، باعتباره مدخلاً لبناء نظام ديمقراطي يمثل إرادة الشعب ويعبر عنها ويعكس توجهات القوى المختلفة، وليبدد مخاوف أن يعود النظام الرئاسى الذى عانت منه مصر قبل ثورة 25 يناير بسبب الصلاحيات الواسعة للرئيس. </description>
<fulldescription>

	

	تعددت الرؤى حول طبيعة نظام الحكم قبل إقرار الدستور الجديد بين القوى السياسية، وتحددت في ثلاثة تيارات، أولها يرى أن الأنسب للنظام السياسى الجديد بعد ثورة 25 يناير هو النظام البرلماني، باعتباره مدخلاً لبناء نظام ديمقراطي يمثل إرادة الشعب ويعبر عنها ويعكس توجهات القوى المختلفة، وليبدد مخاوف أن يعود النظام الرئاسى الذى عانت منه مصر قبل ثورة 25 يناير بسبب الصلاحيات الواسعة للرئيس. ويستدل على أهمية الأخذ بالنظام البرلماني بنموذج دول أوروبا الشرقية، والتي حققت فيها النظم البرلمانية نجاحات واضحة فى قدرتها على التحول الديمقراطى. وثانيها يتخوف من ضعف المنظومة الحزبية وافتقارها للقواعد والكوادر الحزبية التي تؤهلها لخوض التجربة(1)، وقوة تنظيم التيار الإسلامى مقارنة بالتيارات الليبرالية واليسارية والوسطية، مما يؤدى إلى مزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي، ويهدد التداول السلمي للسلطة، ويسترشد في ذلك بفشل النظم البرلمانية في دول أمريكا اللاتينية ونجاح النظم الرئاسية بها. وثالثها يرى أن الأنسب هو النظام المختلط، للاستفادة من مزايا النظامين البرلماني والرئاسي وتلافى عيوبهما، بما يتناسب مع طبيعة وخصوصية التجربة المصرية(2). في هذا الإطار، تعمل الدراسة على تحليل كيفي لمحتوى مواد نظام الحكم والعلاقة بين السلطات فى نصوص الدستور الجديد، الذي تم إقراره في 25 ديسمبر 2012(3)، بعد إعلان نتيجة الاستفتاء، مع إلقاء الضوء على القضايا الخلافية في نظام الحكم، وذلك كما يلي:

	أولا : دور رئيس الجمهورية:

	

	الرئيس هو رئيس السلطة التنفيذية؛ يرعى مصالح الشعب، ويحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه، ويراعى الحدود بين السلطات، ويؤدى اليمين أمام مجلسى النواب والشورى، ويكون أداء اليمين أمام مجلس الشورى عند حل مجلس النواب(4). وله صلاحيات هي: يدعو كلا من مجلس النواب ومجلس الشورى للانعقاد للدور العادي السنوي، ويجوز أن يدعو لانعقاد أي من المجلسين اجتماعاً غير عادى لنظر أمر عاجل(5)، ويجوز له تعيين عدد لا يزيد علي عُشر الأعضاء المنتخبين في مجلس الشورى(6)، ويختار رئيسا لمجلس الوزراء ويكلفه بتشكيل الحكومة(7)، ويتولى الرئيس سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء؛ عدا ما يتصل منها بالدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية(8)، ويضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة، ويشرفان على تنفيذها(9)، ويجوز للرئيس تفويض بعض اختصاصاته لرئيس مجلس الوزراء أو لنوابه أو للوزراء أو للمحافظين(10)، ويحق له دعوة الحكومة للاجتماع للتشاور في الأمور المهمة ويطلب ما يراه من تقارير(11)، ويمكنه اتهام رئيس مجلس الوزراء أو أي من أعضاء الحكومة، بما قد يقع منهم من جرائم خلال تأدية أعمال مناصبهم أو بسببها. وفى جميع الأحوال، لا يصدر قرار الاتهام إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب(12)، وله أن يلقى بيانا حول السياسة العامة للدولة فى جلسة مشتركة لمجلسى النواب والشورى عند افتتاح دور انعقادهما العادي(13).

	يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات،ويصدق عليها بعد موافقة مجلسي النواب والشورى(14)، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء(15). ويعين الموظفين المدنيين والعسكريين ويعزلهم، والممثلين السياسيين للدولة ويقيلهم، ويعتمد الممثلين السياسيين للدول والهيئات الأجنبية(16)، ويخوله الدستور صلاحية العفو عن العقوبة أو تخفيفها(17)، ولرئيس الجمهورية أن يدعو الناخبين للاستفتاء فى المسائل المهمة التى تتصل بمصالح الدولة العليا(18)، ويعين النائب العام بناء على اختيار مجلس القضاء الأعلى(19)، ويصدر قرار تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، ويبين القانون الجهات التى ترشحهم وطريقة تعيينهم والشروط الواجب توافرها(20)، ويرأس مجلس الأمن القومي(21)، ويعين رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية بعد موافقة مجلس الشورى(22)، ويعرض مشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية، وللانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصدارها(23)، وتقدم تقارير الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية إلى كل من الرئيس، ومجلس النواب ومجلس الشورى(24)، لرئيس الجمهورية طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور(25). ولا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا بقرار مسبب، وبعد استفتاء الشعب، وإذا لم توافق الأغلبية المشاركة فى الاستفتاء على الحل يتعين على رئيس الجمهورية أن يستقيل من منصبه(26). ولا يجوز حل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ(27).

	الدور التشريعي للرئيس:

	يحق لرئيس الجمهورية اقتراح القوانين(28)، ويبلغ مجلس النواب رئيس الجمهورية بكل قانون أقر ليصدره خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إرساله، فإذا اعترض عليه رده إلى المجلس خلال ثلاثين يوما من ذلك التاريخ، وإذا لم يرد القانون في هذا الميعاد، أو أقره مجلس النواب ثانية بأغلبية ثلثي عدد الأعضاء، استقر قانونا وأصدر(29). وعند غياب المجلسين، إذا طرأ ما يستوجب الإسراع باتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يجوز لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات لها قوة القانون، تعرض على مجلس النواب ومجلس الشورى، بحسب الأحوال، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انعقادهما(30).

	تنظيم العلاقة بين الوزارة والبرلمان:

	يختار رئيس الجمهورية رئيسا لمجلس الوزاء ويكلفه بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإذا لم تحصل على الثقة، يكلف رئيس الجمهورية رئيسا آخر لمجلس الوزارء من الحزب الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على الثقة يختار مجلس النواب رئيسا لمجلس الوزا رء ويكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة، وإلا يحل رئيس الجمهورية مجلس النواب ويدعو لانتخاب مجلس جديد(31).

	اتخاذ الإجراءات لمواجهة حالات الخطر:

	يعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأى الحكومة، حالة الطوارئ؛ ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس النواب، وإذا حدث الإعلان في غير دور الانعقاد وجبت دعوة المجلس للانعقاد فورا للعرض عليه، وفى حالة حل المجلس يعرض الأمر على مجلس الشورى؛ وتجب موافقة أغلبية عدد أعضاء كل من المجلسين على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة تجاوز ستة أشهر، لا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة بعد موافقة الشعب في استفتاء عام (32).

	ثانيا : دور الحكومة:

	تتكون الحكومة من رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ، ويتولى رئيس مجلس الوزاء رئاسة الحكومة، ويشرف على أعمالها، ويوجهها(33)، وللحكومة حق اقتراح القوانين(34). يحق لرئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم حضور جلسات المجلسين، أو إحدى لجانهما، ويكون حضورهم وجوبياً بناء على طلب أي من المجلسين، ولهم أن يستعينوا بمن يرون من كبار الموظفين. ويجب أن يستمع إليهم كلما طلبوا الكلام، وعليهم الرد على القضايا موضع النقاش، دون أن أن يكون لهم صوت معدود عند أخذ الرأي(35)، وإذا ترتب على تعديل مجلس النواب للموازنة العامة للدولة زيادة في إجمالي النفقات، وجب أن يتفق المجلس مع الحكومة على تدبير مصادر للإيرادات تحقق إعادة التوازن بينهما(36)، ويجب على أعضاء الحكومة الإجابة على الأسئلة الموجهة لهم من مجلس النواب(37)، ويتعين على الحكومة الرد على طلب الإحاطة أو البيان العاجل أو الاستجواب(38)، وإذا قرر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، أو من أحد الوزراء، وأعلنت الحكومة تضامنها معه قبل التصويت، وجب أن تقدم الحكومة استقالتها، وإذا كان قرار سحب الثقة متعلقاً بأحد أعضاء الحكومة وجبت استقالته(39).

	يأخذ رئيس الجمهور رأى الحكومة قبل إعلان حالة الطوارئ(40)، وإذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لسلطاته حل محله رئيس مجلس الوزراء(41)، ولا يجوز الجمع بين عضوية الحكومة وعضوية أي من مجلسي النواب والشورى(42). وتمارس الحكومة عدة اختصاصات هي: الاشتراك مع رئيس الجمهورية في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها، توجيه أعمال الوزارات والجهات والهيئات العامة التابعة لها والتنسيق بينها ومتابعتها، وإعداد مشروعات القوانين والقرارات، وإصدار القرارات الإدارية ومراقبة تنفيذها، وإعداد مشروع الموازنة العامة للدولة، وإعداد مشروع الخطة العامة للدولة، وعقد القروض ومنحها، ومتابعة تنفيذ القوانين، والمحافظة على أمن الوطن وحماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة(43). ويصدر رئيس مجلس الوزراء اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين(44)، ولوائح الضبط بعد موافقة مجلس الوزراء(45)، واللوائح اللازمة لإنشاء المرافق والمصالح العامة وتنظيمها بعد موافقة مجلس الوزراء، فإذا رتب ذلك أعباء جديدة على الموازنة العامة للدولة، وجبت موافقة مجلس النواب(46). ويجوز لأى من أعضاء الحكومة إلقاء بيان أمام أى من مجلسى النواب والشورى، أو إحدى لجانهما، ويناقش المجلس، أو اللجنة، هذا البيان، ويبدى ما يراه بشأنه(47)، ويجب على الحكومة أخذ رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومشروعات القوانين المتعلقة بها(48). ويجوز انعقاد أى من المجلسين فى اجتماع غير عادى لنظر أمر عاجل،بدعوة من الحكومة (49)، وإذا تقدمت الحكومة أو أحد أعضائها بالاستقالة وجب تقديم كتاب الاستقالة إلى رئيس الجمهورية(50).

	ثالثا : دور السلطة التشريعية:

	تتكون السلطة التشريعية من مجلس النواب ومجلس الشورى، ولا يجوز الجمع بين عضوية مجلس النواب ومجلس الشورى؛ وينوب العضو عن الشعب بأسره، كما تختص محكمة النقض بالفصل فى صحة عضوية أعضاء المجلسين(51). ويحق لكل عضو فى مجلس النواب، اقتراح القوانين(52). وكل مشروع قانون يقره أحد المجلسين يبعث به إلى المجلس الآخر، ولا يكون قانوانا إلا إذا أقره المجلسان(53). ويبلغ مجلس النواب رئيس الجمهورية بكل قانون أقر، فإذا اعترض عليه يلزم لإقراره ثانية أغلبية ثلثى عدد أعضاء مجلس النواب(54). يحق لأى من أعضاء المجلسين إبداء اقتراح برغبة فى موضوع عام إلى رئيس مجلس الوزارء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء(55)، ويجوز لعشرين عضوا من مجلس النواب، أو عشرة من مجلس الشورى، على الأقل طلب مناقشة موضوع عام لاستيضاح سياسة الحكومة بشأنه(56). ولكل مواطن أن يتقدم بالمقترحات المكتوبة إلى أى من مجلسى النواب والشورى بشأن المسائل العامة وله أن يقدم إلى أى منهما شكاوى، يحيلها كل مجلس إلى الوزراء المختصين، وعليهم أن يقدموا الإيضاحات الخاصة بها إذا طلب المجلس ذلك، ويحاط صاحب الشكوى بنتيجتها(57). يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية(58)، ويشترط موافقة مجلس النواب لنفاذ الموازنة العامة للدولة، ويجوز له أن يعدل النفقات الواردة في مشروع الموازنة، عدا التي ترد تنفيذا لالتزام محدد على الدولة، واذا ترتب على تعديله للموازنة زيادة فى إجمالى النفقات، وجب أن يتفق المجلس مع الحكومة على تدبير مصادر للإيرادات تحقق إعادة التوازن بينهم(59)، وتجب موافقة مجلس النواب على نقل أى مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة العامة، وعلى كل مصروف غير وارد بها، أو زائد على تقديراتها، وتصدر الموافقة بقانون(60)، ولا يجوز للسلطة التنفيذية الاقتراض، أو الحصول على تمويل، أو الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة، إلا بعد موافقة مجلس النواب(61)، ويعرض الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة على مجلس النواب؛ ويعرض معه التقرير السنوى للجهاز المركزى للمحاسبات وملاحظاته على الحساب الختامى. ويتم التصويت على الحساب الختامى بابا بابا؛ ويصدر بقانون. وللمجلس أن يطلب من الجهاز المركزى للمحاسبات أية بيانات أو تقارير أخرى(62)، ولمجلس النواب أن يشكل لجنة خاصة، أو يكلف لجنة من لجانه، بفحص نشاط إحدى الجهات الإدارية أو الهيئات، أو المشروعات العامة؛ وذلك من أجل تقصى الحقائق في موضوع معين، وابلاغ المجلس بحقيقة الأوضاع المالية أو الإدارية أو الاقتصادية، أو إجراء تحقيقات في أى موضوع يتعلق بعمل من تلك الأعمال أو غيرها، ويقررالمجلس ما يراه مناسبا في هذا الشأن(63). لكل عضو من أعضاء مجلس النواب أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء، أو أحد نوابه، أو أحد الوزراء أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصاتهم، وعليهم الإجابة عن هذه الأسئلة(64)، ويحق لكل عضو في مجلس النواب أن يقدم طلب إحاطة أو بيانا عاجلا، إلى الحكومة في الأمور العامة العاجلة ذات الأهمية. ويتعين على الحكومة الرد(65)، ولكل عضو في مجلس النواب توجيه استجواب لرئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء؛ لمحاسبتهم عن الشئون التي تدخل في اختصاصاتهم(66)، ولمجلس النواب أن يقرر سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء. ولا يجوز عرضه لسحب الثقة إلا بعد استجواب، وبناء على اقتراح عُشر أعضاء المجلس، ويصدر المجلس قراره بأغلبية الأعضاء(67). وإذا قرر رئيس الجمهورية حل المجلس ولم يتم إجراء الاستفتاء فى الميعاد المحدد، يعود المجلس إلى الانعقاد من تلقاء نفسه(68).

	ينفرد مجلس الشورى عند حل مجلس النواب، باختصاصاتهما التشريعية المشتركة؛ وتعرض القوانين التي يقرها مجلس الشورى خلال مدة الحل على مجلس النواب، فور انعقاده، لتقرير ما يراه بشأنها(69)، ويعرض إقرار الذمة المالية لرئيس الجمهورية، الذي يقدمه عند توليه المنصب وعند تركه وفى نهاية كل عام؛ على مجلس النواب(70)، وإذا لم تحصل الحكومة على الثقة، يكلف رئيس الجمهورية رئيسا آخر لمجلس الوزراء من الحزب الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على الثقة يختار مجلس النواب رئيسا لمجلس الوزراء ويكلفه رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة، وإلا يحل رئيس الجمهورية مجلس النواب ويدعو لانتخاب مجلس جديد، وفى حالة حل مجلس النواب يعرض رئيس مجلس الوزراء تشكيل حكومته وبرنامجها على مجلس النواب في أول اجتماع له(71)، ويصدق رئيس الجمهورية على المعاهدات بعد موافقة مجلسي النواب والشورى وتجب موافقة المجلسين بأغلبية ثلثي أعضائهما على معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة(72)، ولا يعلن رئيس الجمهورية الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء(73)، ويجب عرض إعلان حالة الطوارئ على مجلس النواب، وإذا حدث الإعلان في غير دور الانعقاد وجبت دعوة المجلس للانعقاد فورا للعرض عليه، وفى حالة حل المجلس يعرض الأمر على مجلس الشورى؛ وتجب موافقة أغلبية عدد أعضاء كل من المجلسين على إعلان حالة الطوارئ(74)، وإذا قدم رئيس الجمهورية استقالته، وجه كتاب الاستقالة إلى مجلس النواب(75)، ويكون اتهام رئيس الجمهورية بارتكاب جناية أو بالخيانة العظمى؛ بناء على طلب موقع من ثلث أعضاء مجلس النواب على الأقل؛ ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وبمجرد صدور هذا القرار يوقف رئيس الجمهورية عن عمله، ويحاكم أمام محكمة خاصة(76).

	يباشر رئيس مجلس النواب مؤقتا سلطات رئيس الجمهورية عند خلو المنصب للاستقالة أو الوفاة أو العجز الدائم عن العمل أو لأى سبب آخر، ولا يجوز للقائم بأعمال الرئيس أن يترشح لهذا المنصب، ولا أن يطلب تعديل الدستور ولا أن يحل مجلس النواب، ولا أن يقيل الحكومة(77). وعند إلقاء أى من أعضاء الحكومة بيان أمام أى من مجلسى النواب والشورى، أو إحدى لجانهما، يناقش المجلس، أو اللجنة، هذا البيان، ويبدى ما يراه بشأنه(78)، وإذا ترتبت أعباء جديدة على الموازنة العامة للدولة، نتيجة اللوائح التي يصدرها رئيس الوزراء، وجبت موافقة مجلس النواب(79). ولمجلس النواب بناء على طلب موقع من ثلث أعضائه على الأقل، اتهام رئيس مجلس الوزاء أو أى من أعضاء الحكومة، بما قد يقع منهم من جرائم خلال تأدية أعمال مناصبهم أو بسببها. وفى جميع الأحوال لا يصدر قرار الاتهام إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب(80). ويعرض مجلس النواب أو رئيس الجمهورية مشروعات القوانين المنظمة لمباشرة الحقوق السياسية، وللانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصدارها، فإذا قررت المحكمة عدم دستورية نص أو أكثر وجب إعمال مقتضى قرارها، ولا تخضع هذه القوانين للرقابة اللاحقة(81)، وتقدم تقارير الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية إلى كل من رئيس الجمهورية، ومجلس النواب ومجلس الشورى، وعلى مجلس النواب أن ينظرها ويتخذ الإجراء المناسب حيالها(82).

	يشترط موافقة مجلس الشورى على تعيين رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، ولا يعزلون إلا بموافقة أغلبية أعضاء المجلس(83). ويجب على مجلس النواب ومجلس الشورى والحكومة أخذ رأى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومشروعات القوانين المتعلقة بها(84)، إذا صدر طلب تعديل الدستور من مجلس النواب، يجب أن يوقعه خُمس الأعضاء على الأقل، ويناقش مجلسا النواب والشورى طلب التعديل ويصدر كل مجلس قراره بقبول طلب التعديل كليا أو جزئيا بأغلبية عدد أعضائه(85). إذا وافق المجلسان على طلب تعديل الدستور يناقش كل منهما النصوص المطلوب تعديلها، وتكون الموافقة بثلثي أعضاء كل مجلس(86). وأعطى الدستور صلاحية استثنائية لمجلس الشورى القائم بتشكيله الحالى، وهى تولى سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انعقاد مجلس النواب الجديد، وتنتقل السلطة التشريعية كاملة إلى مجلس النواب، فور انتخابه لحين انتخاب مجلس الشورى الجديد(87).

	رابعا : القضايا الخلافية حول نظام الحكم في الدستور الجديد:

	يمكن الإشارة لعدة قضايا خلافية، لأخذها في الاعتبار عند تعديل الدستور وهى: وفقا للدستور يراعى رئيس الجمهورية الحدود بين السلطات، فكيف وهو سلطة تنفيذية يتوسط بين السلطات، ويجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب بدون استفتاء الشعب إذا فشلت الحكومة فى الحصول على ثقة المجلس ثلاث مرات متتالية(88). ويتوسع الدستور فى منح رئيس الجمهورية سلطة تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين، ولم يقصرها مثلا على كبار الموظفين كما هو الحال فى النظام المختلط فى فرنسا. واختصاص الرئيس بتعيين الموظفين العسكريين، يهدد استقلال المؤسسة العسكرية، ويمس حياديتها والعمل لصالح الشعب(89). كما يعين الرئيس رؤساء الهيئات الرقابية التى رقابتها على جميع مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسة الرئاسة، وبالتالي يجب ضمان استقلالها، كان الأفضل أن يعينهم المجلس الأعلى للقضاء أو يرشحهم مجلس النواب. ولا يوجد اتهام لرئيس الجمهورية فى حالة مخالفته للدستور إنما فقط فى حالة ارتكاب جناية أو خيانة عظمى(90). ويعد اشتراط موافقة مجلس الشورى على أى مشروع قانون يصدر عن مجلس النواب له جانب إيجابي يتمثل في المناقشة المتعمقة ودراسة مواد المشروع، وآخر سلبي هو إطالة أمد العملية التشريعية وتعطيل إصدار القوانين.

	تصدر التشريعات بأغلبية عدد أعضاء البرلمان على الأقل، أما القوانين المكملة للدستور فكان يجب أن تصدر بأغلبية خاصة لأنها تؤثر على الحقوق والحريات الخاصة للمواطنين، وكذلك إقرار الموازنة العامة أو تعديلها أو نقل مبالغ أو زيادة النفقات والحساب الختامى والإقتراض أو الحصول على تمويل، وإعطاء حق الموافقة على إعلان الحرب وإعلان حالة الطوارئ لأغلبية أعضاء مجلس النواب يسمح لحزب الأغلبية أن ينفرد بهذه القرارات الخطيرة فيجمع بين السلطة التنفيذية والهيمنة على القرارات المصيرية لمجلس النواب. وإذا كان إسقاط عضوية النائب فى البرلمان تتطلب أغلبية الثلثين للأعضاء فلا يتصور أن تصدر قرارات خطيرة كإعلان الحرب والطوارئ بأغلبية أقل من الثلثين لعدد أعضاء المجلس.أغفل الدستور تحديد الحالات التى يلجأ فيها الرئيس لاستفتاء الشعب، فيجب إحاطة حق الرئيس فى اللجوء إلى الاستفتاء بضمانات تحول دون الالتجاء إلى هذا الطريق للخروج على الشرعية وأحكام الدستور، وجعل رئيس الجمهورية مصدر قرار تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، دون تحديد الجهات التي ترشحهم، يؤدى إلى أن يتحكم فعليا في عملية التعيين، وهو ما يشكل تدخلاً من السلطة التنفيذية في السلطة القضائية، وذلك بعد أن كان المجلس الأعلى للقضاء هو الذي يقوم بالترشيح ليختار الرئيس بين المرشحين. نقل سلطة التشريع لمجلس الشورى يكرس الاعلان الدستورى الصادر فى22 نوفمبر 2012 الذى يحصن مجلس الشورى والتأسيسية من الحل، وبالإضافة لعدم جواز استباق حكم المحكمة الدستورية العليا فى شأن عدم دستورية القانون الذى تم على أساسه انتخاب مجلس الشورى لأن فى ذلك اعتداء على سيادة القانون، فالنص (91)، يحصن تشكيل مجلس النواب من رقابة القضاء بالمخالفة للأعراف الدستورية وقواعد المشروعية، كما أنه يصادر حق المحكمة الدستورية فى الحكم بعدم دستورية قانون الانتخابات، رغم النص الخاص بالرقابة السابقة للمحكمة الدستورية ووجوب إعمال مقتضى قرارها؛ فهو لا يلزم السلطة التشريعية بعد تعديل النصوص التى قررت المحكمة عدم دستوريتها إعادتها للمحكمة ثانية.

	يتبين أن نظام الحكم نظام مختلط يجمع بين عناصر كلٍ من النظام الرئاسى والبرلمانى، مع غلبة لسمات النظام الرئاسى، بالنظر إلى السلطات التنفيذية التى منحها الدستور للرئيس، بالإضافة إلى الاختصاصات التشريعية له، ولا رقابة لمجلس النواب عليه، وكثرة الإحالة إلى القانون تجعل التطبيق والممارسة يتوقف إلى حد كبير على الأغلبية البرلمانية وأسلوب تمرير القانون. وينبغى أخذ القضايا الخلافية فى الاعتبار وإعطائها درجة من المناقشة عند تعديل الدستور لصياغة قواعد أكثر انضباطا للعملية السياسية.

	

	المراجع

	1- أ.د. إكرام بدرالدين، 'العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ومستقبل النظام السياسي المصري'، ورقة مقدمة إلى مؤتمر الانتخابات التشريعية القادمة ونظام سياسي جديد لمصر، (القاهرة: شركاء التنمية للبحوث والاستشارات والتدريب، ومؤسسة كورنارد إديناور، 17 و18 سبتمبر 2011 )، ص 4.

	2 - حنان أبوسكين وآخرون ، (مستقبل مصر بعد 25 يناير) : (الأبعاد السياسية والاقتصادية )، وررقة عمل مقدمة إلى مؤتمر الاستثمار الاجتماعى ومستقبل مصر ، ( القاهرة : المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 29-31مايو 2011 )، ص 4 .

	3 - دستور جمهورية مصر العربية، القاهرة، الهيئة العامة للاستعلامات، 25 ديسمبر 2012.

	4 - الهوامش من رقم 4 وحتى 87 مصدرها مواد الدستور المصرى.

	88 - أ.د. نيفين مسعد، مسوَّدة الدستور تحصِّن وضع رئيس الجمهورية، ديسمبر 2012 .

	http://www.akhbar-sa7.com/news_d

	89- زياد العليمى ، لهذا نرفض الدستور، المصرى اليوم ، 13 ديسمبر 2012.

	90 - د. عمرو هاشم ربيع، لماذا سنقول لا فى استفتاء الدستور؟، المصرى اليوم، 10 ديسمبر 2012

	91 - المادة 129.
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 17 Apr 2013 06:01:10 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/451/نظام-الحكم-فى-الدستور-الجديد.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>حـــوار مـا قبــل الرحـيـل مــــع المفكر جمال البنا </title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/448/حـــوار-مـا-قبــل-الرحـيـل-مــــع-المفكر-جمال-البن.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/17/2013-635018172810077992-7_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
وصَّف نفسه ربما من باب تواضع العلماء بأنه كاتب إسلامى مع أن الحقيقة هى أنه مفكر إسلامى معاصر من طراز رفيع كرس قلمه، وأعمل عقله فى بحر الإسلام الواسع منذ أكثر من نصف قرن ، فى العام 1946 دعا الأستاذ جمال البنا ، الأخ الأصغر للشيخ حسن البنا، إلى فهم جديد للدين فى كتابه «ديمقراطية جديدة»، ومع انتهاء الألفية الثانية كان الرجل يصدر للعالم  دعوته للإحياء الإسلامى، والتى مطلبها الأول الحرية انطلاقا من « أننا نطلب الحرية لأنها هى التى تمكنا من المطالبة بما نريد، وهى تحول دون، وقوع عدوان عليها بحيث تظل المطالبة مسموعة، وباقية» على حد قوله .</description>
<fulldescription>

	

	أجراه : إمـيـل أمــين

	

	وصَّف نفسه ربما من باب تواضع العلماء بأنه كاتب إسلامى مع أن الحقيقة هى أنه مفكر إسلامى معاصر من طراز رفيع كرس قلمه، وأعمل عقله فى بحر الإسلام الواسع منذ أكثر من نصف قرن ، فى العام 1946 دعا الأستاذ جمال البنا ، الأخ الأصغر للشيخ حسن البنا، إلى فهم جديد للدين فى كتابه ، ومع انتهاء الألفية الثانية كان الرجل يصدر للعالم دعوته للإحياء الإسلامى، والتى مطلبها الأول الحرية انطلاقا من  على حد قوله .

	وقد اتسمت رحلة المفكر الراحل جمال البنا التى امتدت لثلاثة وتسعين عاما بالاجتهادات والرؤى الفكرية، والرؤى التى أثار الكثير منها الجدل، غير انك لا تملك، وإن اختلفت عنه إلا أن تحترم أطروحاته القائمة على الحرية، والباحثة عن العدل، والساعية لعودة  جوهر مشروعه للإحياء الإسلامى فى الألفية الثالثة، وفى داره بأحد أحياء القاهرة الإسلامية العتيقة كان لنا معه هذا الحوار :

	&lt; الإسلام دين العالمية لا العولمة كما تقول.. ماذا يعنى ذلك ؟

	ــ هذا ليس من تعبيراتى ، بل من تعبيرات القرآن الكريم الذى تحدث عن رب العالمين، وكلمة العالمين جاءت، وتكررت فى القرآن نتيجة لأمرين: الأول هو أن القرآن يتحدث عن الكون بأجمعه سمائه، وأرضه، ونجومه، وكواكبه من ناحية، ويتحدث أيضا عن بنى ادم أى البشرية كلها من ناحية ثانية ، أما العولمة فهى فكرة مجردة تستهدف جعل العالم سوقا، والإنسان فيه مستهلك، ويضحى فى هذا السوق بكل الخصوصيات، وتبقى المادية هى الحكم، والمسيطر، والسيف المسلط على رقاب الإنسانية .

	&lt; من جديد، بوصفك مفكرا إسلاميا .. لماذا تأخر المسلمون، وتقدم غيرهم ؟

	ــ قبل أن يتساءل الأمير شكيب أرسلان على هذا النحو تساءل قبله جمال الدين الأفغانى، وغيره من المفكرين السابقين، واللاحقين، وأنا أعزى هذه الظاهرة إلى سببين: الأول هو سوء نظام الحكم، ففى حقيقة الحال الإسلام لم يعرف حكما إسلاميا حقا خلال ألـ 1440 عاما إلا سنوات قليلة لـ 10 سنوات حكم الرسول، و سنتان، ونصف السنة حكم أبى بكر، و 10 عمر بن الخطا)، وعندما طعن عمر طعنت الخلافة، وطعنت الصورة المثلى للحكم الإسلامى سيما بعد أن حول معاوية بن أبى سفيان الخلافة إلى مُلك عضود .

	أما الأمر الأخر فهو أن المسلمين أغلقوا الأبواب على أنفسهم، وانعزلوا عن العالم فى حين أن الإسلام فى مرحلته الحضارية الزاهية فتح الباب على مصراعيه لمختلف العقائد حتى المخالفة للإسلام فترى جماعات  فى القرن الرابع يقولوا الشريعة دنستها الجهالات، وأودت بها الغشاوات، ولابد من غسلها بالفلسفة اليونانية، وقد قاموا على أربعة مجلدات لرسائل اخوان الصفا ثم ترجموا التراث اليونانى، هذا الفكر لم يقابل بفكر المحتسب كما اليوم، ولم يتهمهم احد بالعمالة أو الخيانة ، لذا كانت الأمم تسارع للدخول فى الإسلام لسماحته، ورحابته ، هؤلاء دخلوا حاملين معهم ارث حضارى، فالحضارات مثل الوراثة البيولوجية تورث، وبهذا اكتسب المسلمون حضارات، وأفكار، وعلوم من كافة أرجاء الكون ، أما فى عصور الظلام فنرى فكر الإبعاد، والإقصاء هو السائد فى نظر غالبية المسلمين .

	&lt; من بين ما يثير الجدل عند العامة فى أقوالك إنه إذا كانت العقيدة ثابتة فالشريعة متطورة .. ماذا تقصد بذلك ؟

	ــ كل النصوص عن الشريعة إنما نزلت لحكمة ، هذه الحكمة هى العدل بصورة عامة ، غير أن تطور الأزمنة، وتبدلها يغير من أوضاع تلك الأحكام، ويصبح ما أريد به تحقيق العدل عندما نزل النص لم يعد يحقق العدل فى زمن تطورات المجتمع ، عندئذ يكون علينا العودة إلى الأصل ، إلى السبب الذى نزل من اجله النص، وهذا ما فعله الخليفة عمر بن الخطاب عندما أوقف مصرف المؤلفة قلوبهم ، ونفس الأمر عندما أوقف تطبيق الحدود فى عام ألرماده ، إذن هناك فهم للنص، وليس إعمال لحروف النص، والقرآن يقول 

	&lt; ماذا عن القول بوجود تضاد مابين العقل، والنقل فى الإسلام كما يزعم بعض المفكرين الغربيين ؟

	العقل لا يستطيع فهم العقيدة تماما ، فلو أن العقل يستطيع أن يصل للصورة المثلى للنقل لما أرسل الله أنبياء أو رسلا لاكتفى بالفلاسفة، وهم ارقى من استخدام العقل ، لكن العقل يقف عند باب الله تعالى لا يستطيع أن يدخله أو يفهمه لان الله خالق الكون بأسره، والكون بأسره ذرة فى نظر الخالق لذا ليس من المعقول أن يتوصل لطبيعة الله، ولا يحيط بصفاته أو خصوصياته فلابد إذن من رسول من الله تعالى يعرف البشر بقدر ما يستوعب العقل البشرى عن الله تعالى، وهذا ما يقوم به العقل، وتتكلم عنه العقيدة أما الشريعة فمجالها العقل كله .

	&lt; ماذا يعنى بالنسبة لك أمر 

	&lt; هل تعنى حركات المصادرة للإعمال الفكرية أننا نعيش ردة فكرية فى العالمين العربى، والإسلامى؟

	ــ هى ردة بالنسبة لما كانت عليه مصر، والعالم العربى فى الأربعينات. هذه كانت المرحلة الليبرالية التى ظهر فيها مفكر يصدر كتاب 

	&lt; ما السبب فى تلك الردة فى تقديرك ؟

	ــ السبب هو تحول رجال الدين إلى أوصياء على الدين، فما أن يموت الأنبياء حتى يسعى القيمون على المؤسسات الدينية للوصاية على الدين، والمتدينين، وهذا جزء من تطور كل الأديان ، ولهذا لم تتخلص اوروبا من تلك الردة الفكرية إلا بعد انتفاضتها على المؤسسة الدينية، وظهور عصر النهضة، نحن من أسف أغلقنا باب الاجتهاد كمسلمين منذ القرن الرابع أو الخامس الهجرى، وهكذا أعطى المسلمون العقل أجازة نحو ألف عام شل، فيها العقل الإسلامى، والنتيجة كما ترى .

	&lt; كيف نطالب العالم باحترامنا، ونحن لا نحترم أصحاب الفكر فينا ؟

	ــ نحن أسوأ دعاية للإسلام، وللأديان كافة ، وهنا أتذكر مقولة الدكتور مراد هوفمان الألمانى الذى اعتنق الإسلام، والتى صرح فيها بالنص ، ومعنى ذلك أنه ربما لو كان قد عرف المسلمين فى، وقت سابق لما كان قد أسلم .

	&lt;ماذا عن مبررات مصادرة كتابك عن المرآة المسلمة بين تحرير القرآن، وتقييد الفقهاء> ؟

	ــ أنا أكاد أجن بشأن ما يسوقونه من حجج فى مصادرة هذا الكتاب، وقبله كتاب أخر عن فشل الدولة الإسلامية، وعندهم أن ما قلته بشان حجاب المرأة هو السبب ، وأنا مصمم على رؤيتى أن الشئ الوحيد الذى جاء به القرآن عن زى المرأة هو إغلاق فتحة الصدر، والقرآن لم يذكر صراحة، وعلى، وجه التحديد مكانا يغطى إلا فتحة الصدر ، ولم يتكلم عن زى او نماذج لباس بعينها ، والقرآن يعلم أن ظروف المرآة تتغير بتغيير الزمان، والمكان، والأعراف، والتطور، والظروف المناخية هذه هى مبررات المصادرة .

	&lt; هل يعنى هذا أن الأزهر أضحى محكمة تفتيش عصرية ؟ والى أين يقودنا هذا النسق الفكرى فى زمن العولمة ؟

	طبعا ما من شك ، أصبح محكمة تفتيش يضع قضاتها العمائم على رؤوسهم، أما إلى أين نمضى فالى الامام خطوة، والى الوراء خطوتان، ولهذا فإننا نخسر العنصر الثمين الذى لا يعوض، وهو الوقت ، فبعد أن كانت الفجوة بيننا، وبين الدول المتقدمة نحو مئتى عام، اليوم تتسع، وتتعمق بسبب القائمين على المؤسسات الدينية الذين من مصلحتهم بقاءها فى، وضعها الساكن الراهن، وبما لها من نفوذ، ومكاسب مالية، وأدبية، وبهذا يتحول الإسلام إلى اكليروس، وكنيسة، وهو ما لم يكن، ولم يوجد فى تاريخ الإسلام أو فى منهجيته الروحية أبدا .

	&lt; كيف تقيم دور الأزهر عبر التاريخ، وفى الآونة الأخيرة ؟

	مرت على مصر أوقات كان فيها علماء الأزهر هم الزعماء الطبيعيون للشعب، ولما، وجدوا أن العهد التركى أضحى ظالما، وطاغية قاموا عام 1805 بتولية محمد على الحكم، وقد تقرب أليهم فى بادئ الأمر، ورأوا فيه الاستعداد للتعاون معهم فخلعوا عليه خلعة الولاية على أن يحكم بالعدل، وإلا عزلوه، وحاربوا الوالى التركى، وعندما بعث إليهم الباب العالى من يقول لهم 

	&lt; هل يفهم من هذا عدم رضائك على الأزهر ؟

	لا فائدة فى الأزهر بالمرة ، وأنا مؤمن بكلام الإمام محمد عبده من حيث ضرورة 

	&lt; ما هى أبعاد مشروعكم الحضارى لدعوة الإحياء الإسلامى التى تطالبون بها ؟

	ــ ينطلق مشروع الأحياء الإسلامى، ويتمحور حول فكرة رئيسية هى ، والبرهنة على هذه الفكرة بدلائل من القرآن الكريم، وتريد دعوة الإحياء العودة مرة أخرى إلى إسلام الإنسان، وترى أن روح العصر الحديث تساعد ، وتؤكد على ضرورة إعادة تأسيس منظومة المعرفة الإسلامية على أسس .

	&lt; ماذا عن المعالم الرئيسية لمشروع إسلام الإنسان كما ترونه ؟

	ــ المبادئ كلها موجودة فى صميم القرآن ، غير أن من أهمها :

	الإنسان المستخلف هو الغاية التى جاء لها الإسلام فالإنسان هو الغاية، والإسلام هو الوسيلة ، المساواة فى الحقوق، والواجبات بين الناس جميعا، وبلا استثناء هى أساس مجتمع الإنسان المستخلف ، العودة إلى القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية، والسنة يجب أن تضبط بضوابط القرآن، واعتبار الحكمة أصلا من أصول الإسلام ، ومن الأفكار التى قد يراها البعض مثيرة للجدل استبعاد فكرة أن الإسلام يسيطر على كل شيء فالإسلام على أهميته القصوى ليس إلا بعدا، واحدا من أبعاد متعددة للحقيقة كالعلوم، والفنون، والآداب، والفلسفة التى تنطلق كل من منطلقها الخاص، وتقدم عطاءها الذى، وإن اختلف عن عطاء الدين فإنه لا يزاحمه كما لا يستبعده الدين ، أضف إلى ذلك حرية الفكر، والاعتقاد مطلقة، والعلاقة مابين الأديان هى علاقة تعايش بجانب تحرير المرأة من الدونية التى جاءت بها بضعة أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وتقرير مساواتها بالرجل .

	&lt; هل يعنى هذا المشروع أن منظومة المعرفة فى الإسلام القائمة الآن فى حاجة لإعادة قراءة جوهرية ؟

	ــ هذا صحيح إلى أبعد حد، ولا سيما، وان تلك المنظومة، وضعت فى ظل الدولة الإمبراطورية الإسلامية مثل العباسية، والتى عاصرها أحمد بن حنبل الذى عاش فى زمن المأمون. لذا أنا دائما أتساءل هل كان من الممكن لهؤلاء ألائمة الذين، وضعوا منظومة المعرفة الإسلامية أن يتحرروا من حكم، وطبيعة تلك الدولة الإمبراطورية ؟

	بالطبع لم يكن ممكنا، وإن كان بعضهم حاول، وتعرض لخسف، وعسف شديدين. هؤلاء، وضعوا إحكامهم فى ظل دولة الخلافة الإمبراطورية فجاءت مجافية لأحكام القرآن، والرسول، ومطيعة لأحكام السلطان سواء بحسن نية أو بالضرورة ، كل هذا التراث لا يمثل حاضر اليوم، ولا يربطنا به شيء . لماذا نتقيد به إذاً ، ونعطل عقلنا، ونفكر بعقل الأسلاف، والذين كانت تقتضى الضرورات أن يسافر أحدهم شهورا للبحث عن حديث، واليوم تحصل من الإنترنت على ما تشاء بلمح البصر؟ .

	&lt; هل تخشى على الإسلام من المؤسسات الدينية الإسلامية ؟

	ميزة الإسلام أنه لا مؤسسة دينية له ، الإسلام اختلف عن كل الأديان الأخرى فى أنه استبعد المؤسسة الدينية، وندد بحكم الأحبار، والرهبان، وفى سنوات الإسلام الأولى فى زمن الفكر الإسلامى النقى غير الملوث استعصى على كل صور التطويع التى أريدت له من قبل الحكام، والسلاطين. ليس فى الإسلام رجال دين ، بل رجال علم أو فقه أو شريعة .

	&lt; فى نظرك ما هى الآليات اللازم توافرها لقيام نهضة إسلامية عربية على أبواب القرن الحادى، والعشرين ؟

	ــ فى مجال الفكر، والاعتقاد تأتى الحرية دون قيد أو شرط كآلية أولى ، فحرية الفكر الدينى بالنسبة للمجتمع كالهواء بالنسبة للفرد ، إذا امتنع الهواء عن الفرد اختنق، والقرآن الكريم فى هذا السياق كان، واضحا، وضوح الشمس فى ضحاها، والقمر إذا تلاها فيقول> فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر >، وفى موضع أخر يقول 

	أما فيما يتعلق بالعمل، والدنيا فالشعار هنا هو العدل، وليس الحرية ، كانت النظرية الرومانية القديمة، والرأسمالية الحديثة ترى أن صاحب المال حر فى أن يفعل بماله ما يشاء  فإذا اختلطت الشريعة بما هو خلاف للعدل سواء بطريق التفسير أو التأويل أو بأى طريق أخر، وجب على هذا العنصر الدخيل الخروج فورا، وإذا لم يدخل فى الشريعة شئ من العدل فيجب إدخالها على الفور .

	&lt; قضية الضبطية القضائية للأزهر هل تراها فى إطار الرقابة المشروعة أم أنها مطرقة على حرية الفكر، والإبداع ؟

	ــ أراها، وصمة عار بالنسبة لهم، ووسيلة تقييد بالنسبة لحرية الفكر، وعودة إلى زمن الحكم الدينى فى أوروبا فى القرنين الخامس عشر، والسادس عشر، وعودة لزمن محاكم التفتيش، وآخر ما يود هؤلاء، وضعه لجنة تحدد الفتوى، وتعطى تراخيص لمن يكون له حق الفتوى .

	&lt; فى الوقت الذى يعادى فيه جمهور علماء المسلمين العلمانية تأتى أنت لتقول إن العلمانية ليست ضد الدين .... كيف يستقيم هذا التضاد ؟

	ــ بداية أود أن ألفت إلى أن تعبير العلمانية ربما لا يكون دقيقا بما هو كافٍ، والأفضل استخدام لفظ الدنيوية كترجمة أدق من العلمانية ، هذه الدنيوية لها معنيان الأول أنها تفصل بين الدين، والسلطة بما فى ذلك الحكم، والسياسة ، وهناك معنى آخر أعمق من هذا، وهو أن هذه العلمانية لا تؤمن إلا بالحياة الدنيا. لذا فهى دنيوية هذا معنى فلسفى، وقلما يتصوره إلا القلة من المفكرين فإذا كان المعنى الأول هو الشائع أى الفصل بين الدين، والسلطة فالإسلام ليس فيه مؤسسة دينية أو كنيسة حاكمة يستلزم الأمر فصلها عن الدنيا، لذا فإنه ليس هناك صراع مع العلمانية بهذا المفهوم ، أما إذا أريد بالعلمانية الحياة الدنيا فحسب فهذا بالطبع ليس ضد الإسلام فحسب، بل ضد كل الأديان .

	وأظن أن اللبس فى الفهم يرجع لسوء إدراك ما جرى فى أوروبا من ثورة على تسييس الفكر الدينى، وعلى المؤسسة التى أرادت أن تحكم باسم الله لا على الدين نفسه، سيما وأن هناك أحزاب دينية لا تزال قائمة فى أوروبا حتى الآن مثل الحزب الاشتراكى المسيحى فى ألمانيا، وغيرها فى إيطاليا .

	&lt; هناك جدل حول الإسلام، وكونه دين أمة أو كونه دين دولة .... ما الفرق بين الوصفين فى تقديرك ، والى أيهما تنحو ؟

	ــ أميل كثيرا لفكرة الإسلام دين أمة، وليس دين دولة ، سيما، وأن فكرة الدولة ترتبط دائما بآليات، وأدوات القهر، والجبر فلا دولة بدون جيش أو شرطة أو سجون، وضرائب ، هذه أبرز خصائص الدولة المعاصرة ، أما الدولة الإسلامية التى قامت فى المدينة لا تتوافر لها تلك الصفات ، كانت دولة مؤسسها الرسول مما يبعدها طولا، وعرضا عن فكرة الدولة القاهرة، وحتى لو، وجدت تلك الخصائص لتفهمنا ذلك فى إطار أن رئيسها رسول موحى إليه، وهذا ما لم، ولن يتكرر ثانية، والقرآن حدد، واستخدم أدوات القصر فى رسالة الرسول أنه مبلغ، وليس مسيطر، ولا حفيظ، ولا، وكيل فإذا كان الرسول حامل الدعوة ليس له سيطرة فمن يجرؤ على القول بفكرة إسلام الدولة أو دولة الإسلام ؟

	&lt; هناك من يدعى أن فكر المواطنة غربى، وافد، وأظن أنه جذر عميق فى الإسلام، وإليه يعزى نجاح المجتمع الإسلامى الأول... هل أنا مخطئ أم مصيب ؟.

	ــ مصيب بكل تأكيد سيما، وأن الذى، وضع أساس المواطنة هو الرسول نفسه، وقد، وفد إلى المدينة، ووجد أن هناك ثلاث فئات من السكان الأنصار أهل المدينة الأصليين، و المهاجرين من عرب قريش الذين هربوا من مكة، واضطهادها، واحتموا فى الأنصار فى المدينة، واليهود الذين كانت لهم جاليات قوية، ودخلوا مع الأنصار فى تحالفات.، وفى تلك الأيام لم يكن هناك مجال لكتابة شئ سوى القرآن غير أن الرسول كتب، وثيقة بعض الكتب التراثية تسميها صحيفة الموادعة، والبعض الأخر اسماها دستور المدينة قال فيها .

	خطبة عظيمة، وإن كانت بلغة قديمة يصعب أن تفهم اليوم ، وهنا نجد أول صورة للمواطنة التى لم يصل إليها المجتمع الحديث حتى الساعة ... لماذا ؟ لأنه اعتبر المهاجرين الغرباء عن المدينة، والذين لا علاقة لهم بها مثلهم مثل أهلها بالمرة، وهذا حق لا يناله المهاجرون اليوم فى أى بقعة من بقاع العالم .

	ورغم أن إشكالية اختلاف الدين كانت فى ذلك الوقت أكبر إشكالية إلا أن الوثيقة أمنت لليهود البقاء على دينهم دون إجبار على تغييره، وكانوا يحتكمون إلى الرسول عند الاختلاف. هذه الوثيقة هى الأساس العضوى، والجذرى لفكر المواطنة فى العالم الحديث، ولا أمارى إن قلت إن الثورة الفرنسية رغم علاماتها التقدمية لم توجد ما أوجدته، وثيقة المدينة، ولكن لأننا نعيش فى عالم الجهالة فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، ولا نسمع إلا عن السلبيات، ولا يشير أحد إلى عالم الإيجابيات فى الإسلام .

	&lt; يرى البعض أن المرأة المسلمة تعيش حالة من الإحجام على عكس ما تمتعت به فى صدر الإسلام من الإقدام ..... ما السبب ؟

	ــ حينما أتذكر المرأة الأولى فى الإسلام أتذكر تلك المحاربة ، المتاجرة، والمشاركة فى نشر الدعوة ،أتذكر المرأة التى اجتمع المسلمون فى بيتها 

	والحق أن التساؤل ليس فقط عن السبب لما جرى لوضع المرأة المسلمة ، التساؤل ينسحب على كافة أوجه الإسلام كالحكم، والفقه، والشريعة، والتى خضعت جميعها لضروريات الإمبراطورية الإسلامية فى عصور شتى كل منها اختصم من سماحة الإسلام الأولى ، الرسول كان بتعبير اليوم 

	&lt; إذا طلب إليك اليوم توصيف علاقة الغرب بالإسلام، والإسلام بالغرب ... كيف توصف هذه العلاقة الآن سيما فى اضطراباتها الأخيرة ؟

	ــ هناك فهم ملتبس من الناحيتين ، الغرب من أيام الحملات الصليبية لديه صورة مغلوطة، وسيئة عن الإسلام، ونحن منذ أيام الاستعمار لدينا صورة سيئة عن الغرب ، وما أود قوله إن الغرب ليس هو الحكام ، هؤلاء يتغيرون، ويتبدلون فيما البشر هناك فى غالبيتهم طيبون، ولو فهموا الإسلام جيدا لربما أصبحوا كلهم مسلمين، بل وأحسن من المسلمين التراثيين، والوارثين إن جاز التعبير.، ولكن هناك من يعبث، ويصطاد فى الجو الملتبس لترويج بضاعته الفاسدة ،مثل صناع الأسلحة الذين لا فائدة لهم فى أن يعم السلام بل فائدتهم الحقيقية فى شيوع الحروب، وانتشارها، ونحن نعلم أن الاقتصاد الأمريكى فى جانب بالغ من الأهمية منه مرتهن بصناعة الأسلحة ناهيك عن صناع اللهو، والفاحشة الذين يريدون للشر أن ينتشر، وصناع الأدوية المدلسة، والمغشوشة، والذين يستعملون دولنا كحقول تجارب هؤلاء، وغيرهم كثر لعبوا دورا بالغ السوء فى تلبد الأجواء بين الإسلام، والغرب ، لكن رغم ذلك لا يمكننا القول إن هذه عوامل أصيلة فى الشعوب الغربية، ولهذا لا يجوز لنا أن نتهم شعوب العالم الغربى عن بكرة أبيها بكراهيتها للاسلام سيما، وأنها تأخذ خلفياتها من، وسائل الإعلام المسيطر عليها من قبل جهات لا تخفى على أحد من مصلحتها تشويه صورة الإسلام، والمسلمين فى عيون الغرب، والغربيين حتى تظل لها السيادة، والريادة، والكلمة العليا المسموعة .

	&lt; لكم، وجهة نظر تجاه الجاليات الإسلامية فى الغرب ... رؤية، وسطية .. ما ملامحها ؟

	مع تدفق المهاجرين فى أواخر القرن العشرين إلى أوروبا، وأمريكا ظهرت على السطح جاليات، وأقليات إسلامية، هذه سعت بأقدامها للغرب، وللموضوعية، والإنصاف نقول لقد فتح لها الغرب أبوابه ليعملوا فيها، ويتعلموا منها، ويتكسبوا أرزاقهم من خلالها لذا كان لابد من أن تقوم علاقة بينهم وبين هذه العوالم، والعواصم، إذ ليس معقولا، ولا مقبولا أن يقفوا ضد هذا البلد أو ذاك الذى أكرم، وفادتهم أو ينفصلوا عنه ، التعايش هنا ضرورى، والجسور حتمية ، ومن أسف فإن بعضهم كان يعيش على معونات تلك الدول، وفى ذات الوقت يقوم بسبها، وقذفها بل، ويحرض ضدها بالعنف ، وأظن أن، وجهة نظرنا بيناها فى كتاب لنا حاول الأزهر مصادرته، واسمه  هذا الكتاب يقع فى عشرة فصول ، الفصل الرابع فيه عنوانه بين ، ويتناول، واقع حال الأقليات الإسلامية فى المجتمع الأوروبى فبعض تلك الأقليات الإسلامية فى المجتمع الأوروبى لجأ للتقوقع مثل الأكراد فى ألمانيا، وبعضها انتهى به الحال إلى 

	&lt; إلى أى مدى فى اعتقادك ساهم صمويل هنتنجتون المفكر، والمنظر الأمريكى فى الإساءة للعلاقة بين الشرق، والغرب من خلال أطروحته لصدام الحضارات ؟

	ــ هنتنجتون أساء تكييف الصراع أو كيفه بطريقة الكاوبوى ، وليس بطريقة العالم ، توازن القوى أمر طبيعى ، كما حدث بالنسبة للفتوحات، والغزوات الإسلامية ، عندما تظهر أمة لها فكر شعبى يكره الطبقية، ويؤمن بالمساواة، ويعلى من قيم العدالة، وبجانبه دول هرمة طبقية تستغل الناس فمن الضرورى أن يحدث نوع من التحرك بحيث إن هذه الدعوة الجديدة الناشئة الشابة تدخل على هذه الثقافات الطبقية القديمة، وتجددها. ميزان القوى هذا كما الأوانى المستطرقة فلابد إذن من الصدام .

	وأنا أرى أنه بالفعل هناك نوع من الصدام غير أن رؤيتى لا تقف عند مرحلة الصدام، بل تتجاوزها فدائما بعد الصدام تأتى مرحلة السلام ثم التلاقح ، الدولة المنتصرة تأخذ من ثقافة الدولة المنهزمة، وهذا ما حدث فى أحسن صورة بالنسبة للغزوات الإسلامية فى عهدها الأول هذه هى النظرية الإسلامية فى مسيرة الحضارات ، أما النظرية الأمريكية فلا تؤمن إلا بالعنف، والوحدة، والانتصار، وبالتصادم غير الخلاق .

	&lt;ألا تجد مبرر عند رجل الشارع إذا امتلكته قناعة بأن العالم العربى، والإسلامى يعيش تكرارا لحالة الحروب الدينية من جديد ؟

	ــ الحروب الدينية لم تكن فى سبيل الدين إلا من ناحية أن البابا هو من قام بتجنيدها، وأرادها ، وأدارها ، البابا أراد أن يحول السيوف الأوروبية من بعد ما كانت تقاتل بعضها بعضا إلى الشرق، ولم يكن لها علاقة بجوهر المسيحية فالمسيحية ديانة محبة لا حرب، والمسيحية فى ذاتها كانت أبعد ما تكون عن المؤسسة الدينية التى حكمت فى، وقت تلك الحروب، وفى تقديرى أن الإرث العدائى أبعد كذلك من زمن الحرب الدينية، وموجود من أيام روما، وقرطاجنة، عندما ظهر هانيبال، وكبد الرومان فى عقر دارهم خسائر فادحة ، غير أن هؤلاء، ولأنهم متمرسين على الكفاح، والقتال عادوا، وانتصروا ، وبحال من الأحوال فإننى أتفهم الحروب الدائرة الآن فى سياق أوسع هو سياق عقلية العسكر الساعية للتطاحن لا عقلية الدبلوماسية المتطلعة للتفاهم أو عقلية المفكرين التى تنشد حالة من الاستقرار الدولى، العسكر تحكمهم الاعتبارات الضيقة، ولا مجال فيها لإعمال العقل .

	&lt; إلى أين تمضى الإمبراطورية الأمريكية فى تقديرك ؟

	ــ حسب المعطيات الوضعية الأرضية أنه لا بقاء مطلق لأى دولة أو إمبراطورية ، فما من أحد خيل إليه أن الإمبراطورية الرمانية، والتى دانت لها الأرض نحو ألف عام يمكن أن تنهار، لكنها أنهارت، وأضحت أثراً بعد عين، وكعب أخيل اليوم بات داخل أمريكا، وفكرها التوسعى الإمبراطورى ، فهى لم تعى دروس الماضى سيما القريب منها مثل ما جرى فى فيتنام، وكان أن أقحمت نفسها فى حرب العراق، ويبدو أن إدارة بوش لا تود أن تبارح موضعها دون أن تشن حرب جديدة مرشحة إيران لأن تكون هدفها، وهذا ما يقودنا للقول بان تلك الإدارة كانت الحد الفاصل فى إنهاء الآمال، والأحلام الإمبراطورية الأمريكية بسبب عسكرتها لكل أوجه الحياة، وغطرستها، وغرورها الامبرطوريين غير المسبوقين .

	&lt; عام 1945 أصدرت أول كتاب لك 

	ــ نعم هو كذلك ، ففى النصف الأول من القرن المنصرم ، كنا نتحدث عن الفقر، والجهل، والمرض ، الآن، ومن أسف أشد تضخموا، وأصبح هناك ما هو أسوأ فساد الحكم .، وهذه كلها تحول دون أن تصل الأمة إلى المجد أو أن تستعيد، وجهها المشرق الغابر ، الأمة لا يمكنها أن تسلك طريق التقدم، وهى جاهلة ، فقيرة ، مريضة ، وأذكر أنه عند إصدارى للكتاب كانت الحياة الليبرالية أفضل من حالنا اليوم بمراحل، فحكم العسكر أخر مصر 10 سنوات، وهزيمة عام 1967 أخرت مصر 100 سنة أخرى على الأقل، ولم تقدر حتى الآن على الخلاص من براثنها النفسية، والأخلاقية .

	&lt; فى ظنك هل من نظام حكم معين قادر على صوغ نهضة عربية إسلامية حقيقية ؟

	ــ أنا أؤمن بفكرة قيام حزب ديمقراطى اشتراكى إسلامى، ورغم أن شكل الطرح عسير إلا أنه ممكن فقط يحتاج إلى عقلية متطورة لتشكيل هذه السبيكة ، ذلك لأن الديمقراطية تمثل الحرية، والاشتراكية تعبر عن العدالة، ثم الإسلام كصبغة أساسية فى منطقة يلعب فيها الدين الدور المؤثر، والفاعل الأول، والأكبر، الإشكالية الحقيقية فى أن تجد منظرِّاً أصيلاً قادراً على تحقيق هذا الطرح، وهو أمر غير مستحيل .
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 17 Apr 2013 03:57:11 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/448/حـــوار-مـا-قبــل-الرحـيـل-مــــع-المفكر-جمال-البن.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الإصلاح المؤسسي ..من هنا نبدأ !!</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/447/الإصلاح-المؤسسي-من-هنا-نبدأ-.aspx</link>
<description>
غالبا ما تعرف الثورات طريقها إلى الاكتمال والنجاح حينما تتم عملية الانتقال الآمن والناجز من مرحلة الفعل الثوري إلى عالم الدولة، وذلك بعدما تستكمل بناء وترسيخ دعائم كافة مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، وتنتهي من وضع الأطر الدستورية والقانونية التي تنظم العلاقة السوية والمتوازنة فيما بين هذه المؤسسات وبعضها بعضاً كما الرئاسة من جانب، وبينها مجتمعة، وبين مواطني هذه الدولة والعالم الخارجي من جانب آخر.</description>
<fulldescription>

	

	غالبا ما تعرف الثورات طريقها إلى الاكتمال والنجاح حينما تتم عملية الانتقال الآمن والناجز من مرحلة الفعل الثوري إلى عالم الدولة، وذلك بعدما تستكمل بناء وترسيخ دعائم كافة مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، وتنتهي من وضع الأطر الدستورية والقانونية التي تنظم العلاقة السوية والمتوازنة فيما بين هذه المؤسسات وبعضها بعضاً كما الرئاسة من جانب، وبينها مجتمعة، وبين مواطني هذه الدولة والعالم الخارجي من جانب آخر.

	وتكاد تشي الحالة المصرية هذه الأيام بتعثر واضح فى عملية إصلاح المؤسسات بعد الإطاحة بنظام مبارك، فعلَّها تقدم نموذجا مهما لتراجع سلطة الدولة واضمحلال قوتها فى ظل بروز تحديات داخلية عديدة خلال المرحلة الانتقالية التى أعقبت ثورة أطاحت بعلاقات القوى التقليدية بين الفاعلين الأساسيين، بينما لا تبدو النخبة السياسية أو حتى مؤسسات الدولة قادرة، حتى الآن، على بلورة أنماط جديدة وملائمة لتلك العلاقات.

	فعلى خلاف الحالة التركية مثلا، يواجه إسلاميو مصر، تحديا جوهريا فى التعاطى مع مؤسسات الدولة كالرئاسة والشرطة والجيش والقضاء، بعد أن دأبوا مضطرين طيلة عقود على البقاء والعمل خارج الأطر الشرعية والهياكل المؤسسية الرسمية للدولة. وحينما أتاح لهم الربيع العربى الولوج لتلك المؤسسات والعمل تحت مظلة هذه الأطر، وقف تحالف حصار الثورة المضادة وملاحقة المعارضة العلمانية، حائلا دون حدوث التأقلم والتكيف، فكان الوقوع فى براثن الحنين إلى التنظيم السرى، والارتكان إلى العمل عبر مؤسسات موازية، ومن ثم جاء التعثر فى الأداء.

	وتبدو النخبة الحاكمة فى مصر ما بعد مبارك، حتى الآن على الأقل،كما لو كانت غير قادرة على بلورة الصيغة الملائمة للعلاقة السوية بينها وبين مؤسسات الدولة، لا سيما الأجهزة الأمنية كالجيش والشرطة والاستخبارات والقضاء. فإذا جاز لنا الادعاء بأن علاقة التبعية التامة والمزمنة من قبل هذه المؤسسات للرئاسة قد تم تفكيكها جزئيا جراء الثورة وتداعياتها، يصعب الجزم بأن نمطا أنسب وأكثر توازنا من العلاقة قد تم تأطيره بعد، وهو ما قد يفسر أجواء الغموض والالتباس التى تخيم على علاقة الرئيس بتلك المؤسسات.

	فرغم تأكيده اعتزال السياسة، قد يضطر الجيش إلى تغيير رأيه بسبب تدهور الأوضاع أو تعرض الأمن القومى لتهديد محقق، أو حتى تفاقم الطلب الشعبى، فقد يقبل القيام بدور خدمى تأمينى فقط إلى حين تتعافى مؤسسات الدولة المدنية من دون التورط فى السياسة، لكنه قد يغدو طرفا سياسيا بشكل متدرج وعن غير قصد، خصوصا بعد أن أبرزت ثورة يناير مدى وهن البنية المؤسسية المدنية للدولة مقارنة بقوة الجيش المصرى ومؤسسته، وبعد أن أكدت مصادر عسكرية أن القوات المسلحة لا تنوى الانقلاب على الرئيس المنتخب، لكنها قد تتدخل بغرض ، والحيلولة دون تشكيل . ونتيجة لذلك، ارتأى البعض أن قلقا تملك الرئيس إثر رأب الصدع فى العلاقة بين الجيش والشعب خلال أحداث بورسعيد الأخيرة، إلى حد بلغ مطالبة البعض بعودة الجيش، وتحرير بعض التوكيلات للفريق السيسى فى داخل البلاد وخارجها لإدارة البلاد. وقد تراءى لمراقبين ارتياب الرئيس من بوادر التفاهم بين الشرطة والشعب، والتى بدت جلية أمام قصر الاتحادية فى الرابع من نوفمبر الماضى، حينما حاصر المتظاهرون القصر الرئاسى اعتراضا على الإعلان الدستورى، وأبت الشرطة تفريقهم بالقوة ، فحملوا رجالها على الأكتاف مرددين  .

	وفى الوقت الذى يحاول إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وصوغ علاقات أفضل مع الشعب، كما كافة مؤسسات الدولة، لم يسلم جهاز الشرطة من مساعى التأثير عليه واستقطابه. فمن جهة، تحاول النخبة الحاكمة إعادة تطويعه لمساعدتها فى الصمود أمام هجوم المعارضة الشرس، والغضب الشعبى المتنامى، جراء تأخر ثمار أداء الرئيس وحكومته.

	ومن جهة أخرى، لا تتورع قطاعات شعبية عن محاسبة الشرطة بأثر رجعى على مواقفها وتجاوزات بعض أفرادها فيما مضى، وبالتزامن مع استمرار تربص وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية برجال الشرطة، لم تتوان جموع شعبية عن مطالبة الجيش بأن يحل محلها على غرار ما جرى فى بورسعيد. وذهبت بعض التيارات أبعد من ذلك بطرحها أفكاراً من قبيل خصخصة الشرطة أو حلها والاستعاضة عنها بشركات أمن خاصة، حتى وصل الأمر بالتيارات الإسلامية إلى الشروع فى تدشين قوات شرطة  ، بموجب ما أشيع عن إعلان النيابة العامة منح الضبطية القضائية للمواطنين استنادا إلى المادة ٣٧ من قانون الإجراءات الجنائية، وهو الأمر الذى اعتبرته النيابة العامة، كما خبراء قانونيون، تجاوزاً يمهد السبيل للحرب الأهلية وظهور دولة الميليشيات.

	ويصعب الزعم بأن مصر بوضعها المؤسسى الراهن تمثل بدعا من دول العالم، حيث يرى مفكرون كثر أن  أو  قد باتا ظاهرة عالمية بامتياز خلال الآونة الأخيرة بفعل العولمة، وثورة الاتصالات، وبروز فاعلين دوليين جدد يتحدون سلطة الدولة ومؤسساتها.

	ففى كتابه المعنون ، يسلط ، رئيس التحرير السابق لمجلة  الضوء على أحد أهم التحديات التى تواجه العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، وهو تغير طبيعة القوة أو السلطة على مختلف مستوياتها، وكيف تنعكس هذه التغيرات ليس فقط على الدول وعلاقاتها ببعضها بعضا، بل على ديناميات العلاقات الجديدة داخل الدول وفي ما بينها. ويخلص نعيم إلى حقيقة مفادها أن 

	ورغم اعتقاده فى أن اضمحلال القوة وأفول السلطة لم يخل من بعض الإيجابيات كتحرير الشعوب وإضعاف الأنظمة السلطوية، يحذر نعيم من المضاعفات السلبية لتفاقم هذه الظاهرة، والتى قد يتمخض عنها حالة من الفوضى أو انهيار الدولة، خصوصا فى الدول النامية التى تفتقد للتوازن والاستقرار المؤسسى كما لرسوخ الإرث القانونى والدستورى.

	ومن منظور مغاير، ربما لا تخلو أجواء التأزم والارتباك التى تلقى بظلالها على مؤسسات وأجهزة الدولة المصرية كالرئاسة، والشرطة، والجيش، والقضاء خلال المرحلة الانتقالية لثورة يناير 2011، من بعض الإشارات الإيجابية، إذ قد تمهد السبيل لإعادة صوغ العلاقات البينية لتلك المؤسسات، فضلا عن علاقاتها بالجماهير على نحو سوى ومتوازن ، بما يفضى فى نهاية المطاف إلى ترسيخ الديمقراطية، وإرساء دعائم دولة المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون. فمن شأن هذا التأزم أن يتمخض عن حراك يسفر بدوره عن إعادة هيكلة هذه المؤسسات، بحيث يتم مأسسة الرئاسة، وتعزيز حرفية الجيش بمنأى عن السياسة، ووضع الشرطة على مسافة واحدة من النظام والشعب، علاوة على تأكيد استقلال القضاء، وتفعيل مبدأ الفصل الحقيقى بين هذه المؤسسات كافة بما لا يعرقل التعاون البناء فيما بينها.

	ولقد بدأت تلوح فى الأفق المصرى، الملبد بالغيوم، بشارات لهذا التطور الإيجابى ، ففى لفتة مهمة وغير مسبوقة على طريق إعادة هيكلة الشرطة وإقرار التصالح بينها وبين الشعب، خرج وزير الداخلية على الملأ معلناً فى مؤتمر صحفى أن تغيرا جوهريا ومحمودا قد طال العقيدة الشرطية، مؤكدا أن جهاز الشرطة لن يكون مواليا لأى طرف، وأنه ملك للشعب، ويعمل لخدمته لا لخدمة النظام، وأنه يقف على مسافة واحدة من الطرفين.

	وفى خطوة مفصلية باتجاه صوغ العلاقات المدنية العسكرية على نحو أفضل، عمدت القوات المسلحة إلى توجيه رسائل واضحة ومباشرة للجميع، حيث أعلن قائدها العام التزامها الحياد وعدم التدخل فى السياسة ما لم يتهدد أمن البلاد أو تشرف الدولة على الانهيار. كما أكد رفضه أية تدخلات أو وصاية على الحملات المتواصلة التى تشنها القوات المسلحة فى سيناء، ،سواء بغرض هدم الأنفاق الحدودية مع قطاع غزة أو لتصفية العناصر المسلحة والجماعات المتطرفة هناك.

	وفى سياق ذى صلة، لم يخل حكم القضاء الإدارى بوقف قرار رئيس الجمهورية الداعى لإجراء الانتخابات البرلمانية، وإعادة القانون الذى ينظمها إلى المحكمة الدستورية العليا، من إشارات مهمة ومبشرة فى آن على عزم القضاء المصرى التحرر من إسار التسييس والاستتباع.
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 17 Apr 2013 03:14:15 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/447/الإصلاح-المؤسسي-من-هنا-نبدأ-.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الإخوان بين يوليو ويناير .. سؤال الدولة</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/442/الإخوان-بين-يوليو-ويناير--سؤال-الدولة.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/4/3/2013-635006120473261345-326_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
شاركت جماعة الإخوان المسلمين في ثورتين، ثورة يوليو 1952، والتي بدأت كانقلاب عسكري، ثم تحولت إلى ثورة شعبية بحكم التأييد الشعبي لها، وثورة يناير 2011، والتي بدأت كثورة شعبية، واستمرت كذلك. واختلف دور جماعة الإخوان المسلمين في الثورتين. ففي ثورة يوليو، طلب تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جماعة عبد الناصر، من جماعة الإخوان المسلمين، تأييد حركة الجيش. وكان جمال عبد الناصر نفسه، عضوا في الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح في بعد ذلك مسئولا عنه، ثم ترك الجماعة بالاتفاق معها، حتى يتمكن من تجميع ضباط من مختلف الاتجاهات، وحتى لا يكون لتنظيم الضباط الأحرار توجه إسلامي ظاهر. وأيدت جماعة الإخوان المسلمين حركة الجيش منذ اللحظة الأولى، بعد اتفاق تم قبل بداية الحركة مع جمال عبد الناصر. وكان من أهم الأدوار التي قامت بها جماعة الإخوان المسلمين، أنها مهدت سريعا لتحول الحركة إلى ثورة تلقى تأييدا شعبيا، لأنها كانت أول كيان شعبي يؤيد الثورة، ويحشد لها.</description>
<fulldescription>

	

	

	شاركت جماعة الإخوان المسلمين في ثورتين، ثورة يوليو 1952، والتي بدأت كانقلاب عسكري، ثم تحولت إلى ثورة شعبية بحكم التأييد الشعبي لها، وثورة يناير 2011، والتي بدأت كثورة شعبية، واستمرت كذلك. واختلف دور جماعة الإخوان المسلمين في الثورتين. ففي ثورة يوليو، طلب تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جماعة عبد الناصر، من جماعة الإخوان المسلمين، تأييد حركة الجيش. وكان جمال عبد الناصر نفسه، عضوا في الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح في بعد ذلك مسئولا عنه، ثم ترك الجماعة بالاتفاق معها، حتى يتمكن من تجميع ضباط من مختلف الاتجاهات، وحتى لا يكون لتنظيم الضباط الأحرار توجه إسلامي ظاهر. وأيدت جماعة الإخوان المسلمين حركة الجيش منذ اللحظة الأولى، بعد اتفاق تم قبل بداية الحركة مع جمال عبد الناصر. وكان من أهم الأدوار التي قامت بها جماعة الإخوان المسلمين، أنها مهدت سريعا لتحول الحركة إلى ثورة تلقى تأييدا شعبيا، لأنها كانت أول كيان شعبي يؤيد الثورة، ويحشد لها.

	ولكن الاختلاف بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين كان حتميا في النهاية، لأن حركة الضباط الأحرار لم تكن تحمل مشروعا إسلاميا، وجماعة الإخوان المسلمين تحمل ذلك الأخير. وحركة الضباط الأحرار، حاولت أن تقنع الإخوان أن مشروعها إسلامي، ولكن هذا لم يكن حقيقيا، وهو ما تأكد في الأيام الأولى للثورة. فقد كانت حركة الضباط الأحرار، تحاول بناء الدولة القوية والجيش القوي، على النمط الحديث المستمد من الغرب. كما أن حركة الضباط الأحرار، شكلت على أساس أن لا يكون لها هوية سياسية محددة، وجمعت اتجاهات مختلفة، وكان منها بالطبع من انتمى لجماعة الإخوان المسلمين، مثل جمال عبد الناصر.

	لذا لم يكن المشروع يوحد بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، ولم تكن حركة الضباط الأحرار مستعدة لفتح الباب أمام تنافس المشاريع المختلفة، ولم تكن مستعدة بالطبع لفتح الباب أمام المشروع الإسلامي فقط، بل كانت في الواقع تميل لحصر القيادة في النخبة العسكرية، لتبني المشروع الذي تحمله الحركة، وهو لم يكن مشروعا واضحا أو محددا من البداية، ولكنه تشكل عبر الوقت. والثابت الوحيد في توجه حركة الضباط الأحرار كان بناء الدولة وتحقيق التنمية، بعيدا عن الممارسة السياسية الديمقراطية، وعلى نمط الدولة الحديثة في الغرب. لذا كان توجه جمال عبد الناصر في الخمسينيات رأسماليا، ثم تحول ببساطة إلى التوجه الاشتراكي في الستينيات، لأن توجهه قام أساسا على توازنات القوى الدولية، وارتبط بالقوة التي تسانده دوليا. فتبنت دولة يوليو التوجه السياسي للقوى الدولية التي تساندها، واستمر هذا في عهد السادات، ثم مبارك، فكان الانتقال بين الرأسمالية والاشتراكية، متوقفا على القوى الدولية التي تساند دولة يوليو وحكامها.

	فدولة يوليو، لم تكن مشروعا للانفصال عن النموذج الغربي السياسي، ولم تكن مشروعا للتحرر الحضاري، ولم تكن مشروعا للاستقلال الكامل عن القوى الدولية، بل كانت فقط مشروعا للتحرر من الاستعمار العسكري. وبهذا لم يكن طريق دولة يوليو مناسبا أو متفقا مع طريق جماعة الإخوان المسلمين، مما جعل الصدام والخلاف حتميا. ولم يخلو عهد من عهود دولة يوليو من صدام مع جماعة الإخوان المسلمين. وكان كل عهد يبدأ بهدنة مع جماعة الإخوان المسلمين، وينتهي بالصدام معها. فبدأ جمال عبد الناصر حركته بمشاركة الإخوان، وانقلب عليهم سريعا، لأنهم في الواقع كانوا قوة موازية لحركته، وربما أكثر قوة وحضورا من حركة الضباط الأحرار. وبدأ أنور السادات عهده، بهدنة مع جماعة الإخوان المسلمين، استمرت في غالب عهده، لأنه اعتمد على إستراتيجية التوازنات السياسية أكثر من إستراتيجية الإقصاء السياسي، ولكن في النهاية اصطدم مع الجماعة لاختلاف المشاريع والتوجهات عندما اصطدم مع كل القوى الأخرى. ولم يكن عهد حسني مبارك مختلفا، فقد بدأ بهدنة مع جماعة الإخوان المسلمين، استمرت لأكثر من عقد من الزمان، ثم انقلب عليها، عندما رأى أن قوتها تتمدد على الأرض، وسوف تصبح منافسا حتميا له.

	وفي جوهر هذا الصراع، كان اختلاف المشروع هو سبب الصراع المستمر والممتد. فدولة يوليو لم تكن مشروعا إسلاميا، ولا مشروعا للاستقلال الحضاري، ولم تكن إلا إعادة إنتاج محلي للدولة القومية القطرية، أي الدولة المستوردة، التي أقامها الاستعمار في مصر، كما أقامها في غالب الدول العربية والإسلامية. لذا، كان الخلاف الأبرز بين جماعة الإخوان المسلمين ودولة يوليو، عبر كل عهودها، هو الموقف الحضاري بين حركة تتبنى الاستقلال الحضاري الكامل، وبناء النهوض الحضاري الإسلامي من جانب، ودولة تتبنى التبعية الحضارية من جانب آخر حتى وإن تبنت الاستقلال السياسي مرحليا، ولم تستطع تحقيقه في النهاية، فلم تعد مشروعا للاستقلال فعلا.

	وعبر كل هذا التاريخ الممتد من الصراعات والصدامات، جاءت ثورة يناير، وشاركت فيها جماعة الإخوان المسلمين، وكانت العمود الفقري، أو الجزء المنظم القوي القادر على حماية الثورة في جميع مراحلها. فكما أن جماعة الإخوان المسلمين، خاصة في مصر، تمثل العمود الفقري للمجتمع، أي النواة الصلبة له، كذلك كانت الجماعة هي النواة الصلبة للثورة الشعبية المصرية، في جميع مراحلها. ولأن الثورة المصرية كانت ثورة شعبية، لذا لم يكن لها قيادة، ولم يكن لها برنامج سياسي محدد، ولم تكن ثورة قامت بها الدولة، ولم تكن انقلابا عسكريا، مما جعل الثورة المصرية ثورة المجتمع كله لينال حريته. فهي ثورة بلا رؤية سياسية محددة، تضع القواعد الأساسية للحرية، وتفتح الطريق أمام تشكل دولة جديدة، ونظام سياسي جديد، حسب الخيارات الشعبية. فثورة يناير تعد ثورة لتحرير الإرادة الشعبية الحرة لتصبح مصدرا للسلطات، مما يمكن المجتمع من تحقيق المستقبل الذي يريده من خلال خياراته الحرة.

	هنا تغير الصراع، وبدأت مرحلة الصراع المفتوح، أي الصراع الذي لا تحكمه قواعد محددة، أو مسار محدد، فهو صراع بين مكونات الماضي وميراثه، وفي نفس الوقت هو صراع بين كل مكونات الحاضر، وأيضا هو صراع حول المستقبل.

	بين يوليو ويناير:

	ظل الصدام مستمرا بعد ثورة يوليو، بين النواة الصلبة للدولة، والنواة الصلبة للمجتمع، أي بين القوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين. وإن كان هذا الصراع ظهر للسطح في مرات وتوارى مرات أخرى، ولكنه كان الصراع الأهم. فالنواة الصلبة للدولة مثلت في الواقع المالك الحقيقي لها، وأصبحت الدولة والنظام السياسي مستندا إلى القوات المسلحة نظريا وعمليا، وأصبحت النواة الصلبة للدولة، هي التي تحمي الدولة وتحمي النظام، وهي التي خرج منها النظام، ويأتي منها رأس النظام. وكانت مشكلة النواة الصلبة للدولة، في وجود النواة ذاتها للمجتمع، تشكل قوة موازية لها، ولها حضور اجتماعي. وكانت مشكلة دولة يوليو أساسا، في وجود مجتمع قوي، يمكن أن يقبل سياسات الدولة أو يرفضها، وكان وجود عمود فقري للمجتمع، ، يمثل تهديدا مباشرا لهيمنة دولة يوليو على المجتمع المصري. فقد كانت استراتيجية دولة يوليو تعتمد على الهيمنة الكاملة على المجتمع، وعلى إضعاف المجتمع في مقابل تقوية الدولة، حتى لا يكون هناك أي توازن بين قوة الدولة وقوة المجتمع، وحتى لا يستطيع المجتمع الوقوف في وجه الدولة، أو في وجه رأس النظام. ولأن دولة يوليو أسست للهيمنة والسيطرة الكاملة، باعتبارها منهجا للسلطة. لذا كان وجود جماعة الإخوان المسلمين يمثل تحديا مباشرا لسلطة وهيمنة الدولة لأن الجماعة تمثل نواة صلبة قادرة على تقوية المجتمع، وتحريكه.

	وبالفعل أثبتت التجربة التاريخية أن دولة يوليو استطاعت تفكيك كل مؤسسات ومكونات المجتمع، واستطاعت إضعاف كل قدرات المجتمع، وتعطيل العمل الأهلي، والقدرات المحلية للمجتمعات، وتعطيل كل قدرة للمجتمع على بناء نفسه، ولكنها فشلت في تفكيك جماعة الإخوان المسلمين، فظلت الجماعة، تمثل نواة صلبة عصية على أي تفكيك، حتى في أحلك المراحل.

	ولم يكن هذا مصادفة، فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين تدرك أن قوتها تكمن في أنها تحمل فكرة، ولها تنظيم. وكانت تدرك أن التنظيم القوي هو القادر على حماية المشروع والحفاظ على الفكرة، والعمل على إبقائها حية. فجماعة الإخوان لم تكن مجرد فكرة، تظهر وتختفي، بل كانت فكرة يحملها تنظيم، فيحافظ التنظيم على بقاء الفكرة. وكانت الجماعة تدرك أن التنظيم القوي، هو القادر على البقاء، رغم كل التحديات التي يواجها. ولهذا ركزت جماعة الإخوان المسلمين على التنظيم القوي المترابط والقادر على الاستمرار والبقاء ومواجهة التحديات، عبر كل الظروف. بهذا، أصبحت جماعة الإخوان المسلمين بالفعل، نواة صلبة في المجتمع، لم يستطع أحد تفكيكها، حتى إذا جاءت ثورة يناير، وخرجت النواة الصلبة إلى الشارع، تشارك في الثورة وتحمي الثورة، وتلتقي مرة أخرى وجها لوجه مع النواة الصلبة للدولة، وفي الشارع، بعد اللقاء الأول، في الأيام الأولى لثورة يوليو، عندما خرجت قوات الجيش إلى الشارع، وخرجت جماعة الإخوان المسلمين إلى الشارع أيضا لتحمي حركة الجيش، وفي هذه المرة، خرجت القوات المسلحة لتحمي حركة الشعب، بمن فيه جماعة الإخوان المسلمين.

	ففي المرة الأولى، كانت الحركة للجيش والتأييد من الشعب، وفي المرة الثانية، أي في ثورة يناير، كانت الحركة للشعب، والتأييد من الجيش. وفي المرة الأولى، خرجت جماعة الإخوان لتأييد حركة الجيش، وفي المرة الثانية خرج الجيش لتأييد الشعب، ومنه جماعة الإخوان المسلمين. وبهذا اكتملت الدائرة، وأصبحنا أمام مرحلة جديدة بالفعل، فلم يكن من الممكن أن تنتهي المرحلة الأولى، بغير هذا اللقاء الرمزي الذي جمع النواة الصلبة للدولة، والنواة الصلبة للمجتمع، مع تغير الأدوار، فأصبح الفاعل حاميا، وأصبح الحامي فاعلا، فبدأت مرحلة جديدة، وصفحة جديدة هي صفحة الصراع بين دولة يوليو ودولة يناير.

	الدولتان وجها لوجه:

	في لحظة سقوط رأس النظام، وانتصار ثورة يناير في الجولة الأولى الجوهرية، أصبحت ثورة يناير وجها لوجه مع دولة يوليو، وأصبحت دولة يناير المفترضة، والتي لم تتشكل بعد، وجها لوجه أمام دولة يوليو. وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين النواة الصلبة للمجتمع، وجها لوجه مع القوات المسلحة، النواة الصلبة لدولة يوليو، وأصبح السؤال المحوري الخفي، والذي لا يظهر على السطح، ولكنه يحرك كل الأحداث هو: هل تغير ثورة يناير دولة يوليو، وهل تبني دولة يناير، وهل تكون جماعة الإخوان المسلمين هي النواة الصلبة لمشروع بناء دولة يناير؟

	ظل هذا السؤال هو الذي يحرك كل الأحداث، فهناك خوف من كل مناصري دولة يوليو من بناء دولة يناير وهناك خوف مضاعف من كل مناصري دولة يوليو من أن تكون جماعة الإخوان المسلمين، هي التي سوف تبني دولة يناير، أو تكون العمود الفقري لمشروع بناء دولة يناير. وإذا كانت الثورة قامت في وجه نظام هو ابن لدولة يوليو، وقامت لتغير أوضاع هي نتاج دولة يوليو، فإن أي دولة تبنيها ثورة يناير، ستكون بالضرورة نموذجا مختلفا ومغايرا لدولة يوليو. هنا ظهرت الأزمة، فليس كل من كان مع الثورة، كان ضد دولة يوليو، وليس كل من كان ضد نظام مبارك، كان بالضرورة ضد دولة يوليو، وليس كل من حمى الثورة، كان ضد دولة يوليو. وبالتأكيد، لم تكن القوات المسلحة، والتي حمت الثورة، ضد دولة يوليو، بل هي في الواقع العملي، النواة الصلبة لدولة يوليو، وأكثر ما يهمها، هو الحفاظ على دولة يوليو. وفي نفس الوقت، فإن قيادات القوات المسلحة، مثل قيادات دولة يوليو، مثل المناصرين لدولة يوليو، يدركون أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل نقيض دولة يوليو.

	وما جعل السؤال ليس صعبا فقط، ولكن بلا إجابة، أن ثورة يناير ليست حركة سياسية لها مشروعها، مما يعني أن ما تنتجه الثورة من دولة جديدة، أمر مجهول، فدولة يناير هي المجهول الذي يخشاه البعض، ويقبل عليه البعض الآخر. ومن يخشاه لا يعرف على وجه التحديد شكله وطبيعته، ومن يقبل عليه ويقبله، لا يعرف على وجه التحديد شكله وطبيعته النهائية، أو مراحل تشكله وصوره المختلفة. فدولة يناير هي مجهول لم يضع أحد له مسارا محددا، أو مراحل محددة، فهي دولة تتشكل حسب التفاعل الحر، والاختيارات الشعبية المتتالية، فهي مجهول يتشكل بحكم التفاعل والصراعات والمواقف والتحديات، وليس طبقا لكتالوج معد سلفا.

	وجماعة الإخوان المسلمين لم تطرح في مختلف برامجها رؤية محددة لدولة مختلفة عن الدولة القائمة، بل طرحت فقط المرجعية الإسلامية، كهوية للدولة والمجتمع، وطرحت تصورا لدولة فاعلة تقوم بدورها في خدمة المجتمع، وتحقق التنمية والنهوض، ولهذا لم تطرح جماعة الإخوان المسلمين مشروع دولة في وجه الدولة القائمة، بل طرحت مشروعا للدولة القائمة. ويبقى السؤال: هل هذا المشروع يغير من طبيعة الدولة لدرجة أنه يبني بالفعل دولة جديدة؟

	والإجابة على ذلك تكمن في طبيعة ثورة يناير، فهي ثورة شعبية سوف تبني المستقبل طبقا للخيارات الشعبية، مما يعني أن مصير الدولة تحدده الخيارات الشعبية، وجماعة الإخوان مثل غيرها، تطرح تصوراتها، وتحقق ما يقبله الناس ويرضون عنه. إذن ما يتحقق في النهاية، ليس هو خيار جماعة الإخوان المسلمين فحسب، ولا هو خيار القوى الإسلامية فقط، بل هو نتيجة التفاعل الحر بين كل التيارات السياسية وعامة الناس، مما يؤدي إلى تحقق بعض تصورات القوى السياسية، والتي تحوز على أكبر درجة من القبول والرضا من عامة الناس.

	ولكن هذا لا ينفي تلك المفارقة التاريخية. فدولة يوليو، والتي بدأت من خلال تحالف بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، ثم تحولت إلى الخصم العنيد لجماعة الإخوان المسلمين، أصبحت بعد الانتخابات الرئاسية تحت قيادة أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين، ورئيس حزب الحرية والعدالة، أول حزب تؤسسه جماعة الإخوان المسلمين، فأصبحت قيادة دولة يوليو لواحد من خصوم دولة يوليو.

	من في المعارضة:

	بعد انتخاب أول رئيس مدني للدولة المصرية، باتت القوى التي تعارض التيار الإسلامي، والقوى التي تعارض الثورة، في تحالف قوي ضد أول رئيس منتخب، وكأن القوى السياسية غير الإسلامية، بما فيها قوى النظام السابق، تمثل المعارضة في وجه حزب الحرية والعدالة، وجماعة الإخوان المسلمين، باعتبارهما الحزب الحاكم. ولكن الصورة الحقيقية على أرض الواقع، لم تكن كذلك، لأن دولة يوليو، ظلت هي القوة الحاكمة على الأرض، وعلى الدولة، وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين، ومعها حزب الحرية والعدالة، والرئيس المنتخب هم من يمثلون المعارضة. فلأول مرة، يبدو الرئيس المنتخب قائدا وزعيما للمعارضة في وجه الدولة القائمة التي تتحكم في مقدرات البلاد.

	فثورة يناير لم تسقط الدولة، وبالتالي لم تسقط دولة يوليو، أي أنها لم تسقط النظام، بل أسقطت رأس النظام فقط، مما فتح الباب أمام التحدي الحقيقي بين ثورة يناير ودولة يوليو، وظلت جماعة الإخوان المسلمين في صف ثورة يناير، وفي مواجهة دولة يوليو، حتى بعد انتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا لدولة يوليو.

	وكل المواجهات التي حدثت قبل وبعد انتخاب الرئيس كانت في الواقع بين دولة يوليو وثورة يناير، وكانت في العمق بين دولة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، وكانت في حقيقتها المستقبلية صراعا بين دولة يوليو، ودولة يناير التي لم تتشكل بعد.

	فتدخل قيادات المجلس العسكري في مرحلة إدارته لشئون البلاد في العملية السياسية، كان حفاظا على دولة يوليو، خاصة من خصمها التاريخي، جماعة الإخوان المسلمين. وكل تدخلات القضاء في العمل السياسي، سواء بحل اللجنة التأسيسية، ثم حل مجلس الشعب، لم يكن إلا دفاعا عن دولة يوليو، ومنعا لبناء دولة يناير، واستمرارا للخصومة بين دولة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، وهي خصومة لا ترتبط فقط بجماعة الإخوان المسلمين، لأنها خصومة بين دولة يوليو وكل القوى الإسلامية، ولكن لأن جماعة الإخوان المسلمين تمثل النواة الصلبة للمجتمع، وبالتالي للقوى الإسلامية، لذا أصبحت المواجهة بين دولة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين في صدارة المشهد، كما كانت عبر كل عمر دولة يوليو.

	الإخوان ودولة يوليو:

	لكن جماعة الإخوان المسلمين اتبعت استراتيجية مختلفة تقوم على المصالحة مع دولة يوليو، ومع النواة الصلبة لدولة يوليو، أي القوات المسلحة، وتجاوز كل التاريخ الماضي، والمضي قدما في بناء النظام السياسي الجديد. وتصورت جماعة الإخوان المسلمين أن تجاوز كل حسابات الماضي ضرورة، والتغاضي عن أي تصفية لحسابات الماضي حتمي، والخروج من الماضي إلى المستقبل ضرورة أيضا، مما يعني أن الجماعة لم تخاصم دولة يوليو، بل هي في الحقيقة لم تخاصم دولة يوليو، حتى في كل عهودها، وافترضت أنها تخاصم الطبقة الحاكمة المستبدة، وتخاصم الاستبداد والفساد، وتعمل من أجل التحرير السياسي الكامل، وتحرير الإرادة الشعبية الحرة.

	وبنت جماعة الإخوان المسلمين استراتيجيتها على أن الدولة ملك المجتمع، وليست جزءا من النظام الحاكم، وأن الدولة عندما تتخلص من النظام المستبد الفاسد، تبقى دولة كل المجتمع، وأنه لا معنى للخصومة مع الدولة. وبسبب هذه الاستراتيجية، كانت جماعة الإخوان المسلمين، بعد سقوط رأس النظام، من القوى التي تريد الحفاظ على الدولة، وتعادي أي محاولة لإسقاطها، ورأتها مسألة استراتيجية لا تنازل عنها، وكأن جماعة الإخوان المسلمين، عملت على الحفاظ على خصمها التاريخي، حتى لا يسقط أو ينهار، لأنها كانت تتصور أن الدولة في النهاية هي منتج للنظام السياسي، فإذا كان النظام السياسي ديمقراطي، وقائم على الإرادة الشعبية الحرة، فالدولة سوف تكون نتاجا لخيارات الشعب الحرة، ولن تكون دولة استبداد وفساد مما يعني أن التخلص من الطبقة السياسية الفاسدة والمستبدة وليس التخلص من الدولة هو هدف الثورة من في وجهة نظر الإخوان. ورغم هذا الموقف الإيجابي من دولة يوليو، إلا أن الصراع بين دولة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين ظل مستمرا حتى بعد انتخاب أول رئيس مدني من جماعة الإخوان المسلمين.

	جوهر المشكلة:

	الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين، عبر كل تصوراتها السياسية، قبل وبعد الثورة، تعاملت مع الدولة، باعتبارها جهازا إداريا، ومؤسسة ملك المجتمع، واعتبرت أن القوات المسلحة، هي مؤسسة الوطنية المصرية، وأن القضاء هو مؤسسة مصرية عريقة، وهكذا. وهي بهذا تصورت الدولة، باعتبارها أداة الإدارة والتنظيم والتنمية والتقدم، أي أنها أداة، واعتبرت أن الدولة ليست مشروعا سياسيا، وأن الطبقة السياسية هي التي تحمل المشروع السياسي، أي مشروع الاستبداد والفساد، وأن الدولة ليست جزءا من هذا المشروع، حتى وإن وظفت بكاملها في داخل مشروع الاستبداد والفساد. واعتبرت جماعة الإخوان المسلمين أن سياسات الالتحاق بالغرب والتبعية، والعلمنة والتغريب، والتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، هي كلها من سياسات الطبقة الحاكمة، وليست جزءا من طبيعة الدولة، وأن نهاية الطبقة الحاكمة، وانتخاب قيادات سياسية بإرادة شعبية حرة، كفيل بتنفيذ السياسات التي يختارها عامة الناس بإرادتهم السياسية الحرة. لهذا لم تعتبر جماعة الإخوان المسلمين نفسها في خصومة مع الدولة، بل اعتبرت أن خصومتها هي مع الطبقة السياسية المستبدة والفاسدة.

	ولكن الطرف الآخر، سواءً في القوى السياسية العلمانية، أو قوى النظام السابق، أو الدولة العميقة التي حكمت قبل وبعد الثورة، كان له رؤية أخرى تقوم أساسا على أن الدولة اكتسبت طبيعتها ومحتواها وهويتها من النظام السياسي القائم قبل الثورة، وأصبحت تحمل المشروع السياسي للطبقة الحاكمة منذ ثورة يوليو، وأصبحت الدولة بهذا لها طبيعة محددة وسياسات وتوجهات محددة، وأن أي تغيير في طبيعة الدولة أو توجهاتها أو سياساتها هو تغيير لدولة يوليو.

	وإذا كانت بعض قوى النظام السابق ظلت تحارب الثورة، حتى تعيد الاستبداد والفساد، فإن قوى أخرى من أنصار النظام السابق، أو من القوى السياسية العلمانية التي تحالفت مع أنصار النظام السابق لم تكن تريد إعادة إنتاج الاستبداد والفساد، بل كانت تريد الحفاظ على الدولة القائمة، دولة يوليو، بكل سياساتها وتوجهاتها. ولأن الثورة قامت ضد الاستبداد والفساد، ولم يكن لها رؤية سياسية محددة، لذا أصبح من الممكن اعتبار أن الحفاظ على طبيعة الدولة القائمة، وسياساتها وتوجهاتها، لا يعادي الثورة، بل يمثل مشروعا سياسيا للحفاظ على دولة يوليو. فهل قامت ثورة يناير لتخلص دولة يوليو من الاستبداد والفساد، أم قامت من أجل التخلص من دولة يوليو نفسها؟

	الإجابة السهلة:

	أسهل إجابة، تحملها جماعة الإخوان المسلمين، أن ثورة يناير جاءت لتحرر الإرادة الشعبية، وهي بالفعل قد حررتها، وأكثر من هذا، أن الثورة الشعبية التي لا تحمل رؤية سياسية سوف تبني نظاما سياسيا جديدا، ومستقبلا جديدا طبقا لهذه الإرادة. وكأن جماعة الإخوان المسلمين تحيل الجواب إلى الإرادة الشعبية الحرة، وتقول إنها لا تحمل مشروع دولة سوف تفرضه على الجميع، ولكنها تعمل من خلال الخيارات الشعبية الحرة لتأسيس المستقبل السياسي الجديد، وأن الدولة القائمة، سوف تظل قائمة، ولن تسقط، ولكن خيارات الدولة سوف تصبح هي خيارات عامة الناس حتى تعبر الدولة عن الإرادة الشعبية الحرة.

	إذن تبديل دولة يوليو بدولة يناير، هو قرار الإرادة الشعبية الحرة، وهذا ما تخشاه قوى دولة يوليو في الواقع، وتتصور أن خيارات هذه الإرادة، يمكن أن تغير دولة يوليو، وتعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين، ولأنها النواة الصلبة للمجتمع، يمكنها حشد الرأي العام لتغيير سياسات وتوجهات وخيارات دولة يوليو، وبهذا تبقى الدولة، ولكنها لن تعود دولة يوليو، بل دولة يناير الجديدة.

	فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين تبني رؤيتها على أهمية الحفاظ على الدولة، وكانت كل خياراتها بعد الثورة قائمة على الحفاظ على الدولة باعتبارها من مقدرات البلاد، فإن جماعة الإخوان المسلمين، فصلت ضمنا بين سياسات وتوجهات وخيارات النظام السابق والدولة، واعتبرت الدولة أداة محايدة لا ترتبط بسياسات وتوجهات وخيارات محددة، وأن التوجهات العامة هي خيار الإرادة الشعبية الحرة، وبالتالي يكون على الدولة تبني الخيارات الشعبية من خلال السلطة المنتخبة، والتي تحمل الخيارات الشعبية، وتحولها إلى توجهات وسياسات وخيارات للدولة، وبهذا تتبنى الدولة ما يختاره عامة الناس من خلال السلطات المنتخبة من الشعب، وهذا بالضبط ما تخشى منه القوى المناصرة لدولة يوليو.

	مرة أخرى وجها لوجه:

	حتى بعد - بل بسبب- انتخاب أول رئيس مدني من جماعة الإخوان المسلمين، عادت المواجهة بين دولة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين لتدشن المرحلة الأخيرة من تلك المواجهة، وتصل إلى مرحلة الحسم، أي المعركة الأخيرة. ولم يكن صعبا على دولة يوليو أن تظهر كما كانت قبل الثورة، وإن تغير شكل الظهور. فالدولة العميقة، سيطرت على كل مفاصل الدولة من خلال شبكة للقيادات العليا والوسيطة والدنيا داخل الدولة، وتحركت أجهزة الدولة المركزية في وجه السلطة المنتخبة، خاصة القوات المسلحة والقضاء والشرطة. وعندما خرجت القوات المسلحة من اللعبة السياسية حفاظا على نفسها، ولأنها النواة الصلبة للدولة، ظلت المؤسسات الأخرى تدير المعركة مع السلطة المنتخبة.

	ثم أقامت قوى النظام السابق تحالفا واسعا مع أغلب القوى السياسية غير الإسلامية، سواءً التي أيدت الثورة فعليا، أو التي أيدتها ظاهريا لتبني بذلك تحالف دولة يوليو، وهو التحالف الذي يعمل على هزيمة القوى الإسلامية، والحفاظ على الطابع القومي القطري العلماني للدولة، والحفاظ على سياسات الدولة وتحالفاتها الغربية، وموقفها المهادن للاحتلال الإسرائيلي. فتلك السياسات، هي التي شكلت الدولة القومية القطرية العلمانية القائمة على إعادة إنتاج النموذج السياسي للدولة في الغرب، وهي دولة يوليو. ورغم التباين بين سياسات دولة يوليو عبر العهود المختلفة، إلا أنها ظلت دولة قومية قطرية منفصلة عن الموروث الحضاري الإسلامي، ومرتبطة بالعلمانية السياسية، وإن لم تعاد الدين، ولكن استغلته أغلب الوقت، وبذلك أصبحنا أمام تحالف سياسي، علماني المضمون، يواجه التيار الإسلامي، ولكنه لا يواجه القوى الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال التنافس السياسي الحر، ولكن من خلال السيطرة على الدولة، والسيطرة على المال والاقتصاد والإعلام، وهي نفس أدوات النظام السابق، مما يعني أن أول مشكلة تواجهها الثورة في الواقع هي أن النظام السابق، رغم سقوط رأسه، ظل يملك كل أدوات السيطرة التي كانت بيده قبل الثورة، وأصبحت معركة إسقاط أدوات النظام السابق، وفك سيطرته على الدولة، وتغييب الدولة العميقة، من أهم معارك الثورة.

	ولكن المشكلة أن كل القوى السياسية أصبحت خارج تلك المعركة، بل وتقف مع خصوم الثورة لتحمي الدولة القائمة التي كرست النزعة القومية العلمانية مما يعني أن معركة تفكيك شبكة النظام السابق، وتفكيك الدولة العميقة، واستعادة الدولة الرسمية، لم تعد معركة أي قوى، إلا القوى الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين وهو ما يعني ضمنا أن قوى الثورة انقسمت فأصبحت هناك قوى تدافع عن بقاء دولة يوليو، حتى وإن استمرت تحت سيطرة الدولة العميقة، أي تحت سيطرة دولة خفية، وليست تحت قيادة السلطة المنتخبة؛ وقوى أخرى تدافع عن تحرير الدولة من بقايا النظام السابق، وتفكيك الدولة العميقة، ووضع الدولة تحت قيادة السلطة المنتخبة حتى تصبح خاضعة لخيارات عامة الناس.

	وأصبحنا بهذا أمام ثورة وثورة مضادة، وكل طرف يمكن أن يعتبر نفسه مع الثورة، وليس مع الثورة المضادة، ولكن التاريخ سيقول إن المربع الذي تقف فيه قوى النظام السابق، هو الثورة المضادة، وعليه يكون المربع الآخر هو مربع الثورة. وهكذا أصبحت جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية، وبعض القوى الأخرى القليلة في مربع الثورة، وأصبحت أغلب القوى العلمانية وغير الإسلامية وقوى النظام السابق في مربع الثورة المضادة، وبدأت مرحلة الصراع العميق بين دولة يوليو ودولة يناير.

	الدولة في قلب الصراع:

	في مرحلة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة حاولت بعض القوى العلمانية السيطرة على مسار الثورة من خلال التظاهر ضد المجلس العسكري، وكانت في الواقع تزيد الدولة ضعفا، وتساهم في إسقاط البقية الباقية من هيبة الدولة. وكانت جماعة الإخوان المسلمين ترفض أي شكل من أشكال إسقاط الدولة، أو إسقاط هيبة الدولة، لأنها كانت تدرك أن سقوط الدولة، يعرقل مسار الثورة، وأن إصلاح وتغيير الدولة هو المنهج المناسب حتى لا تعم الفوضى. وكانت قوى النظام السابق تحول كل تظاهر إلى تظاهر عنيف وفوضى، لأنها كانت ترى أن الفوضىهي سبيلها الوحيد لتعود لصدارة المشهد السياسي، وتتحكم في مسار الثورة.

	وبعد انتخاب أول رئيس مدني من جماعة الإخوان المسلمين، تحالفت قوى النظام السابق مع العديد من القوى العلمانية، ووظفت العديد من الحركات الشبابية، سواء الثورية أو الرياضية لتنشر حالة من الفوضى، وتقود ثورة مضادة لتسقط ثورة يناير، وتعييد إحياء ثورة يوليو على حسابها دفاعا وحفاظا على دولة يوليو، والتي تسيطر عليها قوى النظام السابق. ووظفت قوى النظام السابق نخبة الدولة العميقة لتقود تمرد عملي على القيادة المنتخبة، وتم توظيف أجهزة الدولة ووسائل إعلام لتقود حربا لا هوادة فيها ضد كل سلطة منتخبة مادامت القوى الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، هي التي تتصدر المشهد السياسي.

	ولأن الصراع بين دولة يوليو ودولة يناير الوليدة، والصراع بين القوى الإسلامية وقوى النظام السابق والقوى العلمانية، والصراع بين التحالف العلماني مع قوى النظام السابق وجماعة الإخوان المسلمين، يدور كله حول الدولة؛ لذا أصبحت الدولة في مرمى هذه الصراعات جميعا، وأصبحت هوية وطبيعة وسياسات وتوجهات الدولة، هي جوهر الصراع. مما جعل الدولة تزداد ضعفا، وتفقد سيطرتها على المجال العام وأصبحنا أمام نتيجة مزدوجة الأثر فضعف الدولة وفقدانها للسيطرة وسقوط هيبتها يساعد على إفشال أي عملية تغيير وإصلاح، ويعرقل عمل القيادات الإسلامية المنتخبة، ويدخل ضمن سيناريو إفشال الحركة الإسلامية. وفي نفس الوقت، فإن عملية إضعاف الدولة، تضعف دولة يوليو، وتفكك أوصالها، وتجعلها محلا لرفض شعبي واسع مما جعل إفشال جماعة الإخوان المسلمين يؤدي أيضا إلى إفشال دولة يوليو.

	وتلك هي المفارقة التاريخية التي لا يستطيع أحد تجاوزها، وهي نفس المفارقة التاريخية التي ظهرت في كل مواقف جماعة الإخوان المسلمين، والتي أدركت أن إضعاف دولة يوليو يؤدي إلى إضعاف أي سلطة منتخبة، وإن إسقاط الدولة سيؤدي بالضرورة إلى إسقاط أي سلطة منتخبة، فلا معنى لأي سلطة منتخبة من دون دولة.

	مصير الإخوان ودولة يوليو:

	هذا ما جعل الأمور أكثر تعقيدا مما يظهر على السطح، لأن حركة الثورة المضادة تضرب الدولة والإخوان معا، رغم أن حركة الثورة المضادة تهدف إلى الحفاظ على دولة يوليو، ومنع جماعة الإخوان المسلمين من تغيير طبيعة الدولة القائمة. وجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة يدركان أنه لا تغيير أو إصلاح إلا من خلال الدولة حتى وإن كانت دولة يوليو التي تناصب الجماعة العداء.

	ولم يعد من الممكن التخلص من السلطة المنتخبة بدون هدم البقية الباقية من الدولة، خاصة أن دولة يوليو وصلت إلى أضعف مرحلة لها قبل الثورة، وبعد الثورة أصبحت الدولة في مواجهة حالة احتجاج واسعة تقضي على البقية الباقية من وجودها العملي والرمزي.

	ولأن جماعة الإخوان المسلمين لا تتبنى نظرية هدم الدولة وبناء دولة جديدة بالكامل، ولا تتبنى أي نظرية للتغيير الكلي والفجائي للدولة والسياسات العامة، لذا فإن الجماعة تتبع منهج التغيير والإصلاح المتدرج حسب الظروف والاعتبارات العملية مما يعني أن جماعة الإخوان لا تتبنى فكرة هدم دولة يوليو بالكامل، ولا تتبنى فكرة الانتقام من دولة يوليو، بل تتبنى منهج تحرير الإرادة الشعبية حتى تتشكل طبيعة وتوجهات الدولة طبقا للخيارات الشعبية.

	ومع الوقت، تصبح جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية الأخرى هي التي تحافظ على الدولة، في حين أن القوى العلمانية وقوى النظام السابق وشبكة الدولة العميقة ووسائل الإعلام وتحالفات المال هي التي تسقط الدولة التي من المفترض أنها تريد الحفاظ عليها بدون تغيير. معنى هذا، أن القوى التي تريد الحفاظ على دولة يوليو، وتمنع قيام دولة يناير، تندفع في النهاية لإسقاط الدولة، وهي في الواقع تسقط دولة يوليو. والقوى التي تريد بناء دولة يناير تحافظ على دولة يوليو، لأن بغير وجود دولة يوليو لن تبنى دولة يناير. ويصبح من يريد المحافظة على الدولة القائمة يسقطها، ومن يريد بناء الدولة الجديدة يحافظ على الدولة القائمة. ولهذا يتغير المشهد تدريجيا لصالح القوى التي تريد بناء دولة يناير، لأن الإسقاط الكامل للدولة، ينهي الجميع، ويقضي على الدولة والمجتمع، وقوى النظام السابق وحلفاؤها، يدركون أن الإسقاط الكامل للدولة يغرق السفينة بكل من فيها، مما يعني أن عملية إسقاط الدولة لإغراق القوى الإسلامية تتبع سياسة حافة الهاوية، حيث تدفع قوى النظام السابق والجميع إلى حافة الهاوية، متوقعة أن تستسلم القوى الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن تسقط الدولة. ولكن جماعة الإخوان المسلمين، تتبع منهجا يقوم على التقدم إلى الأمام وعدم التراجع، ويقوم فقط على التهدئة والتصعيد دون تراجع، لأن الجماعة تعلم أنها إذا تراجعت أمام دولة يوليو ستكون نهايتها هذه المرة.

	لذا، فإن الجماعة تمتص سياسة حافة الهاوية، مما يمنع نجاح سيناريو الفوضى، وسياسة حافة الهاوية من قبل القوى العلمانية وقوى النظام السابق. ويبقى الخطر الحقيقي حال إذا تمادى طرف وأسقط الدولة فعلا، وأغرق السفينة بكل من فيها، ولا يستطيع أحد تحقيق ذلك إلا في غيبة الرأي العام، لأن إسقاط الدولة يعني إسقاط المجتمع أيضا.

	خاتمة المعركة:

	كل طرف في المعركة لديه مصادر قوته، وجماعة الإخوان المسلمين تعتمد على التنظيم، الذي لا يمكن استنزافه، بعدما خاض العديد من المعارك وبقى مستمرا، وتعتمد الجماعة أيضا على رصيدها الشعبي، والذي يحاول استنزافه تحالف القوى العلمانية، وقوى النظام السابق. الذي يستند أساسا على قدراته المالية والاقتصادية والإعلامية. وحرب الاستنزاف هذه في كل الأحوال، تستنزف الطرفين، حتى يدرك طرف أنه خسر بأكثر مما ينبغي، ويدرك أن الطرف الآخر قادر على الاستمرار.

	وفي المعركة بين الإخوان ودولة يوليو، فمن الواضح أن الأولى لن تتراجع ولن تتهور، ولن تدخل في حرب مفتوحة، بل سوف تستمر في التقدم والبناء، ومقاومة محاولات إسقاط سلطتها المنتخبة. وتراهن الجماعة على تعبئة الرأي العام، حتى تكشف مخططات النظام السابق، وتحرم تحالف النظام السابق من التأثير على الرأي العام. وتتعرض جماعة الإخوان المسلمين إلى استنزاف قاعدتها الشعبية، ولكنها تستعيد قدرا معتبرا منها تدريجيا. ويبدو في النهاية أن الطاقة الشعبية المتجذرة في المجتمع لا يمكن استنزافها بشكل كامل، لأنها تجدد نفسها، كما فعلت الجماعة في مراحل عدة.

	لذا، فإن المواجهة الحقيقية بين دولة يوليو ودولة يناير هي معركة مستمرة يحكمها في الواقع مطالب عامة الناس، والضغوط التي يمارسونها على الدولة، وتظل جماعة الإخوان تستخدم استراتيجيتها الأكثر نجاحا بعد الثورة، وهو الدفاع عن الإرادة الشعبية الحرة، والاستجابة لها مما يجعل القوة الحقيقية التي سوف تبدل دولة يوليو بدولة يناير الجديدة هي الإرادة الشعبية الحرة، محمية بجماعة الإخوان المسلمين، وتحالف القوى الإسلامية، ضد تحالف قوى النظام السابق والقوى العلمانية.

	

	

	

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 03 Apr 2013 06:23:14 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/442/الإخوان-بين-يوليو-ويناير--سؤال-الدولة.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>هل كان محمد عبده علمانياً؟!</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/441/هل-كان-محمد-عبده-علمانياً؟.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/3/31/2013-635003478628559283-855_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
لقد تميز المشروع الفكري التجديدي للإمام محمد عبده في المجال السياسي بالدعوة إلى مدنية الدولة والحكومة، ونفي السلطة الدينية عن الحاكم، ومناداته بحرية الفكر من قيد التقليد، وتأكيده على أهمية الحريات السياسية (حرية الرأي والانتخاب والتعبير)، ورفعها إلى مستوى الحقوق المقدسة، هذا بجانب انفتاحه على الحضارة الغربية. </description>
<fulldescription>

	

	

	هل كان محمد عبده علمانياً؟!

	

	

	ارتبط مفهوم العلمانية بفلسفة الحداثة في النموذج الغربي الحديث، وهو ما جعل البعض يعانق بينهما؛ بحيث لا يمكن فصل الحداثة عن تبني قيم العلمانية. وقد تعددت تعريفات الحداثة؛ ففي أحد تعريفاتها أنها عبارة عن سعي دائم للتجديد والابتكار، ورفض للجمود أو التقليد.. إنها قدرة المفكر على ممارسة تجربة فريدة، وليست الحداثة بهذا المعنى انقطاعًا عن التراث الفكري السابق للمفكر أو رفضًا لقيم التراث، بل على العكس إنها استثمار للعناصر الحية فيه، و أغناء لها بدافقات جديدة تمنحها المزيد من الحياة والقوة([1]).

	ولقد تميز المشروع الفكري التجديدي للإمام محمد عبده في المجال السياسي بالدعوة إلى مدنية الدولة والحكومة، ونفي السلطة الدينية عن الحاكم، ومناداته بحرية الفكر من قيد التقليد، وتأكيده على أهمية الحريات السياسية (حرية الرأي والانتخاب والتعبير)، ورفعها إلى مستوى الحقوق المقدسة، هذا بجانب انفتاحه على الحضارة الغربية.

	كل هذه الأمور دفعت فصيلاً من المثقفين إلى ادعاء أن الإمام محمد عبده من دعاة الفكر العلماني في العصر الحديث، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك إلى اعتباره من أهم رموز الفكر العلماني في الثقافة العربية الحديثة.

	إلا أن المتتبع إلى فكر الإمام يرى عكس ذلك، بل يراه حريصًا على ضبط الإيقاع بين مرجعيته الإسلامية وانفتاحه على التنوير الغربي، وهو ما جعل مدرسة الإمام تتسم بطابع التجديد وليس التغريب أو التقليد.

	فإعجابه ببعض مظاهر التمدن في الغرب لم يمنعه من توجيه سهام النقد لهذه الحضارة من منظور ثقافته الإسلامية، ففي مجموعة مقالات للإمام رد فيها على هانوتو وزير خارجية فرنسا، تناول فيها الأخير الحديث عن الإسلام والمدنية الغربية.

	قال: (هل خطر ببال (مسيو هانوتو) أن يجعل (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) كما أوصى الإنجيل؟ وهل رأى مثالاً لذلك في المدنية الآرية التي ناخت مع الدين المسيحي؟ العيان يدلنا على أن شيئًا من ذلك لم يكن، فإن هذه المدنية إنما هي مدنية الملك والسلطان، مدنية الذهب والفضة، مدنية الفخفخة والبهرج، مدنية الختل والنفاق، وحاكمها الأعلى هو الجنية عند قوم، والليرة عند قوم آخرين، ولا دخل للإنجيل في شيء من ذلك)([2]).

	ويعقب الإمام على كلام (ميسو هانوتو) قائلاً: (إن أوروبا لم تتقدم إلا بعد أن فصلت السلطة الدينية عن السلطة المدنية).

	فيقول، وهو كلام صحيح، ولكن لم يدر ما معنى جمع السلطتين في شخص عند المسلمين، لم يعرف المسلمون في عصر من العصور تلك السلطة الدينية التي كانت للبابا عند الأمم المسيحية، عندما كان يعزل الملوك، ويحرم الأمراء، ويقرر الضرائب على الممالك، ويضع لها القوانين الإلهية.

	وقد قررت الشريعة الإسلامية حقوقًا للحاكم الأعلى، وهو الخليفة أو السلطان، ليس للقاضي صاحب السلطة الدينية، وإنما السلطان مدبر البلاد بالسياسة الداخلية، والمدافع عنها بالحرب، أو السياسة الخارجية، وأهل الدين قائمون بوظائفهم وليس له عليهم إلا التولية والعزل، ولا لهم عليه إلا تنفيذ الأحكام بعد الحكم، ورفع المظالم إن أمكن.

	وهذه الدولة العثمانية قد وضعت في بلادها قوانين مدنية، وشرعت نظامًا لطريقة الحكم وعدد الحاكمين ومللهم، وسمحت بأن يكون في محاكمها أعضاء من المسيحيين وغيرهم من الملل التي تحت رعايتها.

	وكذلك حكومة مصر أنشئت فيها محاكم مختلطة، ومحاكم أهلية بأمر الحاكم السياسي، وشأن هذه المحاكم وقوانينها معلوم لا دخل بشيء من ذلك للدين، فالسلطة المدنية هي صاحبة الكلمة الأولى كما يطلب (ميسو هانوتو)([3]).

	وفي هذا التميز بين مشروع الإمام محمد عبده والعلمانية الغربية يشير &quot;ألبرت حوراني&quot; إلى أن الإمام قد أخذ على العموم بالفكرة التي أخذها من الأولين، وهي تفيد بأنه لا يمكن للعقيدة المسيحية في صياغتها التقليدية أن تصمد أمام اكتشافات العصر الحديث، إلا أن الإمام يرفض من جهة ثانية القبول بمادية المفكرين الليبراليين وأفكارهم اللاهوتية([4]).

	بل إن انتماء الإمام محمد عبده واعتزازه بالإسلام جعل لورد &quot;كرومر&quot; السياسي الإنجليزي يصفه بالمتعصب لدينه، فعندما سئل عن الشيخ: هل كان متساهلاً في الإسلام؟ قال: بل هو متعصب له ولكن بالعقل([5]).

	بيد أن هذا الانتماء للهوية الإسلامية كان سببًا لنقد الإمام ومدرسته، فالدكتور أنور عبد الملك يوجه نقدًا لفكر محمد عبده فهو يراه مفتقرًا للإبداع والعمق النظري، وله نتائج خطيرة، منها حظر ممارسة أي فكر يريد أن يستقل عن الدين، وهو بتحديثه للدين التقليدي رد له فعاليته وجعله الرابطة الوحيدة التي توحد الأمة، مع أن تاريخ الفكر المصري المعاصر عبارة عن محاولات عقلانية من كل نوع تُواجَه دومًا بالدعوة إلي الدين([6]).

	ثم يتناول الإمام الحديث عن الإسلام كدين وتشريع ومدى تحقق مقولة (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر) فيه، والتي هي من أهم مقولات الفكر العلماني على طبيعة الإسلام، فيقول: (ظهر الإسلام لا روحيًا مجردًا ولا جسديًا جامدًا، بل إنسانيًا وسطًا بين ذلك، آخذًا من كل القبليين بنصيب، فتوافر له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يوفره غيره، ولذلك سمّى نفسه دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم وعدوه المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية، ثم لم يكن من أصوله (أن يدع ما لقيصر لقيصر)، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصرًا على ماله، ويأخذ على يده في عمله([7]).

	جاء هذا الدين على الوجه الذي ذكرنا، فهدى ضالاً، وألان قاسيًا، وهذب خشنًا، وعلم جاهلاً، ونبه خاملاً، وأثار إلى العمل كسلاً، وأصلح من الخلق فاسدًا، وروج من الفضيلة كاسدًا، ثم جمع متفرقًا، ورأب متصدعًا، وأصلح مختلاً، ومحا ظلمًا، وأقام عدلاً، وجدد شرعًا، ومكن للأمم التي فيها نظام امتازت به عن سواها ممن لم يدخل فيه، فكان الدين بذلك عند أهله كمالاً للشخص، وألفة في البيت، ونظامًا للملك، وظهرت به آثار النعمة عليهم في جميع شئونهم، ولم يفت العلم حظه من عنايته، بل كان قائده في جميع وجوه سيره)([8]).

	ثم يستشهد الإمام بمقولة الخليفة الثاني سيدنا عمر بن الخطاب، وهو في المدينة من بلاد العرب: (ولو أن سخلة (ولد الشاة) بوادي الفرات أخذها الذئب لسئل عنها عمر)؛ لدلاله على دور الدين في الشأن السياسي كموجه للخير، وهادٍٍ إلى الطريق المستقيم، ووازع إيماني يدعو إلى القسط، ويردع عن الظلم([9]).

	وعندما تكلم الإمام عن مشروع النهضة، كيف ننهض؟ وما المرجعية لنهضتنا؟، نجده يقول: (أهل مصر قوم أذكياء يغلب عليهم لين الطباع واشتداد القابلية للتأثير، ولكنهم حفظوا القاعدة الطبيعية، وهي أن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يتغذى من عناصر الأرض ويتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة بدون عيب في طبقة الأرض وجودتها، ولا في البذرة وصحتها، وإنما العيب على الباذر. أنفس المصريين أشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعًا فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا تنبت ويضيع تعبه ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم، فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فسادًا، وإن قيل إن لهم شيئًا من المعلومات، فما لم تكن معارفهم وآدابهم مبنية على أصول دينهم فلا أثر لها في نفوسهم).

	ويضيف الإمام: (إن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها؛ فإن إتيانهم من طريق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحدًا)([10]).

	ويبرئ الإمام الدين من وضعية المسلمين وغياب المدنية من حياتهم، ويرجعه إلى سوء فهم المسلمين له، فيقول: (وا أسفاه لم يبق من الدين إلا هذه الثقة به، أما الدين نفسه فقد انقلب في عقل المسلم وضعه، وتغير في مداركه طبعه، وتبدلت في فهمه حقيقته، وانطمست في نظره طريقته، وحق فيه قول على كرم الله وجه: (إن هؤلاء القوم قد لبسوا الدين كما يلبس الفرو مقلوبًا)([11]).

	بل إن انتماء الإمام محمد عبده جعل البعض يقرأه قراءة أصولية من منطلق أنه مفكر متدين، أو كاتب ديني، أو ما إلى ذلك، فهو أزهري، وصاحب وظيفة دينية، و منطلقاته إيمانية، كان مؤمنًا في سلوكه اليومي وكتاباته، ويدل على ذلك ما قام به، مثلاً عندما قامت جمعية (العروة الوثقى) التي صاغ عهدها الإمام حيث إن عضو الجمعية يقسم بالله على أن يحكم بكتاب الله في أعماله وأخلاقه ويجيب الدعوة إلى الله، ويبذل ما في وسعه لإحياء الأخوة الإسلامية، وأن لا يقدم إلا ما قدمه الدين ولا يؤخر إلا ما أخره الدين)([12]).

	ولعل أصولية الإمام إذا ما طرحت مع أفكاره الأخرى نجد أنها لم تكن أصولية راديكالية تضاهي أصحاب الأفكار المغلقة، بل يمكن القول إنها كانت سلفية معتدلة تسعى إلى الحفاظ على الموروث، ليس من خلال إعادة إنتاجه، ولكن عن طريق تجديده لمواءمة الواقع ومستجداته، والانفتاح على النظر الغربي للوجود، فالأصولية عند الإمام أصولية منهجية تستدعي الوعي، وتعبر عن حاجتنا للأمن وللثقة بالذات في حقل الأمم القوية([13]).

	بل إنه يمكن القول إن الإمام صاحب نزعة براجماتية عملية، أتاحت لعلماء الدين المستنيرين تقديم تفسير مقبول للدين يقوم على تأويل المذهب الإسلامي وفق تطلعات اليوم؛ وبذلك أتاح للدولة أن تشرع القوانين وتتقدم في طريق الحياة العصرية([14]).

	
	
	
		
			([1]) إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر، مجموعة كتاب، مركز دراسات العالم الإسلامي، 1991، ص231.
	
	
		
			([2]) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، الإصلاح الفكري، تحقيق وتقديم الدكتور محمد عمارة، ص221.
	
	
		
			([3])المصدر السابق، 249.
	
	
		
			([4]) إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر، مجموعة كتاب، مركز دراسات العالم الإسلامي، 1991 ص 240.
	
	
		
			([5]) الشيخ محمد عبده والتنوير، د. عاطف العراقي قرن من الزمان على وفاته، دار الرشاد، ص106.
	
	
		
			([6]) الإمام محمد عبده رائد الاجتهاد والتجديد في العصر الحديث، السيد يوسف، دار الثقافة العربية، ص213.
	
	
		
			([7]) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، الإصلاح الفكري، تحقيق وتقديم الدكتور محمد عمارة، ص 240.
	
	
		
			([8]) المصدر السابق، ص 240.
	
	
		
			([9]) المصدر السابق، ص241.
	
	
		
			([10]) فكر التنوير بين العلمانيين والإسلاميين، د. محمد عمارة، جمعية المركز العالمي للتوثيق، ص37.
	
	
		
			([11]) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، الإصلاح الفكري، تحقيق وتقديم الدكتور محمد عمارة، ص241.
	
	
		
			([12]) الخطاب التربوي والفلسفي عند محمد عبده، د.على زيعور، دار الطليعة ص 150.
	
	
		
			([13]) (المصدر السابق ص151).
	
	
		
			([14]) الإمام محمد عبده رائد الاجتهاد والتجديد في العصر الحديث، السيد يوسف، دار الثقافة العربية، ص 214.
	

</fulldescription>
<pubDate>Sun , 31 Mar 2013 05:07:10 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/441/هل-كان-محمد-عبده-علمانياً؟.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>الإصلاحات السياسية فى الجزائر: تحدّيات و آفاق</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/438/الإصلاحات-السياسية-فى-الجزائر-تحدّيات-و-آفاق.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/3/29/2013-635001789150988571-98_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
عرفت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة موجة من الإصلاحات السياسية والتحولات 

الديمقراطية نتيجة لثورات شعبية عنيفة أفرزت جملة من التحدّيات على مستوى البنى 

السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لأنّها اصطدمت بالواقع الذي ظلّ لمدة 

طويلة حبيس أنظمة حكم شمولية – تسلّطية قائمة على دكتاتورية الحزب الواحد، و«

الشرعية الثورية»، و«قيادة كاريزمية»، ونخبة محدودة العدد تحتكر مجريات الحياة 

السياسية والاقتصادية. غير أنّ اللافت للانتباه، هو تأخّر المّد الديمقراطي في الوطن العربي 

رغم الإصلاحات التي بادرت بها بعض الدول منذ نهاية القرن الماضي، على غرار الجزائر 

والأردن.</description>
<fulldescription>

	

	

	

	مقدمة

	

	عرفت بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة موجة من الإصلاحات السياسية والتحولات

	

	الديمقراطية نتيجة لثورات شعبية عنيفة أفرزت جملة من التحدّيات على مستوى البنى

	

	السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لأنّها اصطدمت بالواقع الذي ظلّ لمدة

	

	طويلة حبيس أنظمة حكم شمولية - تسلّطية قائمة على دكتاتورية الحزب الواحد، و

	

	الشرعية الثورية>، و، ونخبة محدودة العدد تحتكر مجريات الحياة

	

	السياسية والاقتصادية. غير أنّ اللافت للانتباه، هو تأخّر المّد الديمقراطي في الوطن العربي

	

	رغم الإصلاحات التي بادرت بها بعض الدول منذ نهاية القرن الماضي، على غرار الجزائر

	

	والأردن.

	

	إنّ تعطّش الشعوب العربية إلى الحرية والمشاركة في اتخاذ القرارات وتأسيس الحكم

	

	الراشد، بعد المعاناة الطويلة من ويلات الاستعمار وتسلّط الحكام بعد الاستقلال، يجعل من

	

	الديمقراطية مطلبا شعبيا، وعاملا للاستقرار، وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية،

	

	والاجتماعية، هذا المطلب الذي أخذ أحيانا شكلا عنيفا ومواجهات دامية، كما حدث ويحدث

	

	حاليا في تونس، ليبيا، مصر، اليمن، وسوريا.

	

	إن الأوضاع الداخلية، الإقليمية والدولية الراهنة، تجعل من الخيار الديمقراطي خيارا لا مفّر

	

	منه بالنسبة لجميع البلدان العربية، وهو ما يستوجب البحث والتفكير في الحلول

	

	والاستراتيجيات الناجعة من أجل بناء نظم سياسية تعبّر فعلا عن الإرادة الشعبية وترقى

	

	بمستوى الوعي بالحريات والمواطنة، بعيدا عن التبعية للعالم الخارجي.

	

	ومهما يكن من أمر، يتّجه الوطن العربي عموما نحو بلورة أنماط سياسية جديدة للحكم

	

	والخروج من 'أزمة' الثقافة السياسية التي كانت سائدة منذ تحقيق الاستقلال وبناء

	

	مؤسسات الدولة. هذه 'الأزمة' التي ساهم فيها بقسط كبير، الخطاب السياسي الرسمي الذي

	

	كان يرفض الفكر الديمقراطي باعتباره فكرا غربيا مستوردا، ويخدم المصالح 'الامبريالية'،

	

	وفي المقابل، يمجّد ويقدّس 'الايديولوجية القومية-العربية'، و'الشعبوية'، وغيرها من

	

	الشعارات الجوفاء التي تُعرّض منتقديها للسّجن أو المنفى أو'الإقامة الجبرية' بتهمة '

	

	الخيانة ألعظمى'. والجزائر على غرار العديد من البلدان العربية شهدت هي الأخرى حراكا

	

	لإقامة إصلاحات ديمقراطية، في ظلّ جملة من التحدّيات والمعوّقات السياسية والاقتصادية

	

	والاجتماعية والثقافية.

	

	منذ أن كرّس دستور 23 فبراير 1989 النظام الديمقراطي والتعددية السياسية بصفة

	

	رسمية، لا يزال النظام السياسي الجزائري يبحث عن صيغة ديمقراطية مناسبة لاكتساب

	

	شرعية مقبولة من طرف جميع القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في المجتمع، لأنّ

	

	الديمقراطية لا تعني مجرد الإقرار بالتعددية السياسية، ولكنها تعني كذلك مجموعة من

	

	الإجراءات والقواعد، تصّب كلها في إعطاء فرصة للمواطنين للتعبير عن أفكارهم بكل حرية.

	

	كما أنّها تعني كذلك القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية مكمّلة للإصلاحات

	

	السياسية باعتبار أنّ الديمقراطية هي مشروع مجتمع متكامل.

	

	من الناحية المنهجية، حاولنا تشخيص الوضع السياسي في سياقه التاريخي الذي يتميّز

	

	أساسا بأحداث 'الربيع العربي'، وما أفرزه من إصلاحات ديمقراطية في العديد من البلدان

	

	العربية، من جهة، وكنتيجة للانسداد السياسي من جهة أخرى. كما سعينا لوصف وتحليل

	

	طبيعة العوامل الظاهرة والخفية التي تعيق الإصلاحات السياسية في الجزائر، وكذا السياق

	

	العام التي صدرت فيه على المستويات الداخلية، الإقليمية والجيوسياسية. وقد اخترنا

	

	مجموعة من المؤشرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، التي نعتقد أنّها

	

	كفيلة بقياس وضع الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر. وأخيرا، حاولنا استشراف آفاق

	

	ومستقبل الإصلاح السياسي الجزائري. 

	

	وبالنظر إلى الدراسات السابقة، التي عالجت موضوع الإصلاح الديمقراطي في الجزائر يبرز

	

	اتّجاهان أساسيان:

	

	الاتجاه الأول: يتفاءل بمستقبل هذا الإصلاح، ولا سيما منذ صدور دستور 1989، الذي فتح

	

	آفاقا جديدة للتغيير السياسي.

	

	الاتجاه الثاني: يتشاءم من إمكانية وقدرة هذه الإصلاحات على تحقيق الانتقال الديمقراطي

	

	وتجسيد دولة القانون، مادام أنّ الإصلاح لم يشمل أركان النظام السياسي القائم.

	

	إنّ الهدف من هذه الدراسة هو الوقوف على أهّم تحدّيات ومعوّقات الإصلاحات السياسية التي

	

	بادرت بها الدولة الجزائرية منذ 1989 إلى يومنا هذا، والنظر في آفاق تجسيدها، كما

	

	سنحاول معالجة الموضوع معالجة أكاديمية وموضوعية في ضوء المتغيّرات الدولية

	

	والإقليمية.

	

	وعليه تكون إشكالية البحث على النحو التالي:

	

	ما هي التحدّيات والمعوّقات التي تواجه الإصلاحات السياسية في الجزائر وما هي سبل

	

	تجاوزها؟

	

	وقد بنينا هذه الإشكالية على الفرضيات التالية:

	

	ــ أنّ هذه الإصلاحات لم تحقق من الناحية الفعلية تغييرا جذريا في طبيعة نظام الحكم،

	

	مادامت أنّها لم تمتّد إلى تغيير في أساليب الحكم والإدارة والتسيير.

	ــ أنّ الإصلاحات السياسية هي بمثابة الشرعية البديلة عن 'المشروعية الثورية' .

	ــ أن النخب السياسية الحاكمة تسعى من خلال الإصلاحات الديمقراطية إلى الحفاظ على

	

	مصالحها السياسية وامتيازاتها المادية التي تجنيها من 'الريع النفطي'.

	ــ أن الإصلاحات السياسية هي وليدة 'أزمة' على مستوى السلطة وعلى مستوى المجتمع

	

	معا.

	من البديهي أنّه في كل المجتمعات التي تتحرّر من مرحلة طويلة من الاستبداد تعدّ عملية

	

	البناء الديمقراطي فيها عملية شاقة وطويلة وتتعرض لمقاومات بيئية على جميع الأصعدة.

	

	والسؤال المطروح إذاً: ما هي قدرات الجزائر وسائر الأقطار العربية على بناء مشروع

	

	ديمقراطي قائم على الحداثة، وعلى مسايرة العولمة، وهي التي لها تراكم وعجز يقدّر

	

	بعشرات السنين في هذا المجال؟

	ومن ضمن التساؤلات في هذا السياق:

	ما هي طبيعة ومضمون الإصلاحات السياسية في الجزائر؟، وما هي النتائج المترتبة عنها

	

	على مستوى الدولة والمجتمع؟ هل يمكن إدراج هذه الإصلاحات في سياق أحداث 'الربيع

	

	العربي' من أجل تجنّب 'ربيع عربي' في الجزائر؟، وهل ستؤدي هذه الإصلاحات إلى تحقيق

	

	الاستقرار السياسي والتحوّل الديمقراطي المنشود؟، وما هي حقيقة الحراك والتغيير

	

	الديمقراطي في الجزائر؟، وما هي أسباب وطبيعة المعوّقات التي تحول دون تجسيدها؟، وما

	

	هي الضمانات السياسية والدستورية لكي تصبح هذه الإصلاحات ذات جدوى وفعالية؟، وما

	

	هو المشهد السياسي مستقبلا ؟

	انطلاقا من هذه التساؤلات سوف نركز في هذه الدراسة على الموضوعات التالية:

	أولا: الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر منذ صدور دستور 23 فبراير 1989، وأهّم محطات

	

	الإصلاح والظروف العامة التي وردت فيها.

	ثانيا: أهّم المعوّقات السياسية التي حالت دون تجسيد هذه الإصلاحات، دون تجاهل الجوانب

	

	الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

	ثالثا: آفاق الإصلاحات السياسية وما يجب القيام به مستقبلا لتجاوز العقبات السياسية

	

	وتحقيق التحوّل الديمقراطي الحقيقي.

	أولا: أهّم محطّات الإصلاح السياسي منذ 1989:

	لقد كشفت أحداث 5 أكتوبر 1988 عن عمق 'أزمة' المجتمع الجزائري، وعلى وجود عدم

	

	توازن بين 'مشروع الثورة الاشتراكية' الذي كان يحمله الخطاب الرسمي، والوسائل

	

	الموضوعة في سبيل إنجازه. كما أنّ الدولة الاشتراكية، ومن خلفها جميع المؤسسات،

	

	عجزت عن تحقيق 'السعادة الفردية لكل مواطن جزائري' كما ورد في النصوص والمواثيق

	

	الثورية.

	وتعود في اعتقادنا أسباب هذه الأحداث التي شكّلت منعرجا هاما في التاريخ السياسي للجزائر

	

	إلى ما يلي:

	ــ رفض النظام السياسي القائم آنذاك، بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني، واقتسام السلطة،

	

	وفسح المجال للحريات السياسية، في ظّل غياب قيادة رشيدة.

	ــ انتشار الرشوة والفساد والمحسوبية على نطاق واسع ــ وفي جميع مؤسسات الدولة .

	ــ إهمال دور العنصر البشري في التنمية، ولا سيما الكفاءات الجامعية.

	ــ تهميش المجتمع المدني ووجود نسيج اجتماعي متفكك.

	ــ ويمكن أن نضيف انخفاض أسعار النفط إلى أقّل من عشرة دولارات، ممّا أثّر بشكل صارخ

	

	على الميزانية العامة للدولة التي تعتمد أساسا على مداخيل المحروقات.

	عموما، كانت أحداث أكتوبر1988، بغّض النظر عن مدبّريها وخلفياتها، كافية للإطاحة بنظام

	

	الحزب الواحد، وإنهاء عهد الاشتراكية، وإعادة بناء علاقات جديدة بين السلطة والمجتمع.

	في ظل هذه الظروف السياسية صدر دستور 23 فبرير 1989(1) بعد الخطاب التاريخي الذي

	

	ألقاه الرئيس 'الشاذلي بن جديد' في 10 أكتوبر 1988، والذي أقر فيه بضرورة الإصلاحات

	

	السياسية والاقتصادية ، كما اعترف فيه لأوّل مرّة بوجود اتجاهات و'حساسيات' مختلفة

	

	داخل أجهزة الدولة والحزب (2).

	ما هي الطبيعة القانونية لدستور 1989 والمبادئ التي يقوم عليها؟

	يعرّف المشرع الجزائري دستور 23 فبراير 1989 بالعبارات التالية:

	'إن الدستور هو القانون الأساسي الذي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية،

	

	ويحمي مبدأ حرية اختيار الشعب، ويضفي الشرعية على ممارسة السلطات، ويكفل الحماية

	

	القانونية، ورقابة عمل السلطات العمومية في مجتمع تسوده الشرعية، ويتحقق فيه تفتّح

	

	الإنسان بكل أبعاده'.

	وانطلاقا من هذا التعريف، نلاحظ أن المشرّع يركز على بناء دولة القانون، والفصل بين

	

	الجانبين القانوني والايديولوجي، خلافا لمرحلة نظام الحزب الواحد التي تميزت بالخلط بين

	

	هذين الجانبين، حيث كانت الايديولوجية تغلب على القانون، ممّا أدّى إلى تناقضات في

	

	التشريعات والمؤسسات نفسها. أمّا دستور 1989، فقد جاء خاليا من الشحنة الايديولوجية،

	

	ويرّكز أكثر على المبادئ العامة التي تقوم عليها دولة القانون، على غرار الأنظمة

	

	الديمقراطية. ويمكن اعتباره 'دستور- قانون'، لأنّه 'يقتصر على ذكر الجوانب القانونية

	

	المتعلقة بتنظيم السلطة وتحديد صلاحياتها، وتكريس نظام الحريات وحقوق الأفراد'(3).

	وقد أخذ المشرّع الدستوري في 1989 ببعض المبادئ العامة التي نصّت عليها الدساتير

	

	السابقة، وفي نفس الوقت تبنّى مبادئ جديدة لم تعهدها الجزائر سالفا، والتي تعبّر عموما

	

	عن الانفتاح السياسي والبناء الديمقراطي. وأقرّ الدستور لأوّل مرّة منذ الاستقلال مبدأ '

	

	التعددية الحزبية'، وفسح المجال للتنافس السياسي، والتداول على السلطة. كما نصّ على

	

	مبادئ 'الفصل بين السلطات' و'حرية التفكير والابتكار'، و'حرية الرأي والتعبير'. وأكدّ

	

	على مبدأ 'السيادة للشعب' (المادة 06)، ومبدأ 'استقلالية القضاء'، ومبدأ 'الرقابة

	

	الدستورية' ومبدأ 'الإسلام دين الدولة'.

	إلاّ أنّ دستور 1989 لم يكن خاليا من الاختلالات والفجوات الناتجة أساسا عن التسرّع في

	

	إعداده لأنّه وضع على أنقاض نظام الحزب الواحد. ومن أهّم هذه الفجوات: عدم النّص على

	

	حالة استخلاف رئيس الجمهورية عند تزامن استقالته مع حّل البرلمان، ممّا أدّى إلى نوع من

	

	الارتباك السياسي، والفراغ الدستوري بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في يناير

	

	1992، مباشرة بعد 'تعليق المسار الانتخابي'.

	ولتفادي هذه الثغرات كان من الضروري القيام بتعديلات دستورية جوهرية من أجل تثبيت

	

	أركان الدولة ونظامها الجمهوري، بعد مرور مرحلة انتقالية صعبة على المستويين السياسي

	

	والأمني. وبالفعل استأنفت الدولة مسار الإصلاحات السياسية بالمبادرة بتعديلات دستورية

	

	في 28 نوفمبر 1996(4)، التي تلاها قانون الانتخابات في 6 مارس 1997(5)، ثم قانون

	

	الأحزاب (6) في نفس التاريخ. هذه الإصلاحات جاءت لوضع حّد للمرحلة الانتقالية التي

	

	استمّرت من 1992 إلى 1996.

	وقد أكّد دستور 1996 على البعد التاريخي والحضاري لمؤسسات الدولة من خلال نّصه في

	

	الديباجة على أنّ المكوّنات الأساسية لهوّيتنا هي: الإسلام والعروبة والأمازيغية، وعلى وضع

	

	مقاييس جديدة لتأسيس الأحزاب السياسية، وإعادة تنظيم المؤسسة التنفيذية، وإحداث '

	

	محكمة عليا للدولة' تختّص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها '

	

	بالخيانة العظمى'، وكذا رئيس الحكومة، عن الجنايات والجنح التي يرتكبها بمناسبة تأديته

	

	لمهامه. كما ينّص الدّستور على إنشاء غرفة برلمانية ثانية هي 'مجلس الأمة'، وتعزيز

	

	دور المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان) في الرقابة على الحكومة.

	وقد أعقبت هذه المرحلة التي تخلّلتها 'أحداث دامية' و سمّيت بـ'العشرية السوداء' موجة

	

	جديدة من الإصلاحات السياسية في سنة 2000، تحت شعار 'إصلاح هياكل الدولة'، شملت

	

	العديد من القطاعات على غرار العدالة، والتربية، والتعليم والتوظيف العمومي، والجماعات

	

	المحلية.

	وترتكز استراتيجية الإصلاح في مطلع القرن الحالي على مجموعة من الأهداف:

	ــ إصلاح العدالة بهدف إقامة دولة القانون؛

	ــ مواصلة إصلاح هياكل الدولة؛

	ــ تنمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني؛

	ــ إصلاح قانون الأسرة؛

	ــ إصلاح المنظومة التربوية؛

	ــ تعميق الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

	وفي أبريل 2011 أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن جملة من الإصلاحات السياسية

	

	خصّت تعديل بعض النصوص التشريعية التي لها علاقة بالممارسة الديمقراطية وتدعيم دولة

	

	القانون. وقد شملت قطاعات الإعلام، وقانون الأحزاب السياسية، والنظام الانتخابي، والتمثيل

	

	النسوي في المجالس المنتخبة، وحالات التنافي مع العضوية النيابية، والجمعيات المدنية.

	

	وحظيت هذه الإصلاحات بمصادقة البرلمان بغرفتيه في انتظار تعديل الدستور لاحقا.

	غير أنّ هذه الإصلاحات أثارت جدلا كبيرا في أوساط الطبقة السياسية حول محتواها

	

	وأبعادها، فحسب قيادات بعض الأحزاب المعارضة، 'السلطة لا تملك الشّرعية التي تؤهّلها

	

	لقيادة هذه الإصلاحات'، مادام أنّه لم يسبقها حوار ومشاورات واسعة مع الفاعلين

	

	السياسيين، وممثلي المجتمع المدني، على الرغم من أنّ السلطة قد عيّنت 'لجنة خاصة'

	

	للإشراف على هذه العملية. ويعاب على هذه الإصلاحات أيضا أنها شملت النصوص

	

	التشريعية الفرعية، وكان المفروض المبادرة بتعديل القانون الأساسي المتمثل في الدستور،

	

	وإعادة انتخاب مؤسسات دستورية جديدة.

	ثانيا: معوّقات الإصلاح الديمقراطي في الجزائر

	ممّا لا شك فيه أنّ نجاح أي إصلاح مرهون بتوافر مجموعة من العوامل والأجواء السياسية

	

	والسياق العام المناسب. إلاّ أنّ المتتبّع للمشهد السياسي الجزائري يلاحظ غياب الظروف

	

	الموضوعية لتجسيد الإصلاحات الديمقراطية، بسبب وجود عوائق متعددة، اقتصادية،

	

	واجتماعية وثقافية. هذا ما أدّى إلى نوع من الركود والتعثّر في التجربة الديمقراطية

	

	الجزائرية، فما هي هذه العوائق؟

	الخطاب السياسي الجزائري 

	من الثابت أنّه توجد علاقة وثيقة بين الإصلاح والأزمة، بمعنى أنّ الأزمة هي التي توّلد

	

	الإصلاحات، وتدفع بالحكام إلى اتخاذ إجراءات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية لمواجهة

	

	هذه الأزمة. ويعتقد الأستاذ بلحاج صالح أنّ الخطاب الديمقراطي العربي هو 'خطاب أزمة'

	

	لسببين رئيسيين: 

	

	تشنّجات وتوّترات في وعي الأفراد وإدراكهم> (7).

	والنظام السياسي الجزائري، هو الآخر، يعاني من 'أزمة متعددة الجوانب'، وفي طليعتها '

	

	أزمة الشّرعية'، وقد عبّرت أحداث أكتوبر 1988، كما جاء آنفا في سياق هذه الدراسة، عن

	

	عمق هذه الأزمة من خلال التصادم بين مشروع السلطة وما يكتنفه من غموض من جانب،

	

	والمجتمع الذي يعيش في أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة نم جانب اخر. وقد انجرّت عن

	

	هذه الأحداث تداعيات هامة على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، عجّلت بالإصلاحات

	

	السياسية الديمقراطية.

	وحتى الساعة، لا يزال النظام السياسي القائم يبحث عن مشروعية بديلة 'للمشروعية

	

	التاريخية'، و'المشروعية الثورية'، التي ميّزت مرحلة نظام الحزب الواحد، والعهد

	

	الاشتراكي. وبطبيعة الحال إذا كان النظام يفتقد ــ أو ناقص ــ الشّرعية، فإنه من الصعوبة

	

	للغاية بمكان نجاح الإصلاحات التي يبادر بها مهما تكن طبيعتها.

	ضعف الاندماج السياسي

	إن الاندماج السياسي عامل أساسي مساعد على الاستقرار السياسي، ونجاح الإصلاحات.

	

	وفي الوقت الذي عرف فيه المجتمع الجزائري تحوّلات كبرى على مستوى التركيبة

	

	الاجتماعية للسكان، وعلى مستوى الوعي السياسي والثقافي، لم تعرف الدولة تجديدا في

	

	النخب الحاكمة، ممّا ولّد قطيعة بين هذه النخب والمجتمع الذي يتشكل في غالبيته من

	

	الشباب. وفي ظلّ هذه الظروف تغيب الثقة والدّعم الشعبي للسّلطة في مبادراتها للتغيير،

	

	فيسود الملل، وتفشل الإصلاحات.

	تكريس مؤسسة الرئاسة في النظام السياسي

	إن المتتّبع للإصلاحات السياسية في الجزائر يلاحظ أنها كانت دوما بمبادرة من المؤسسة

	

	التنفيذية التي تحظى بمكانة خاصة في مختلف الدساتير منذ الاستقلال. هذا ما جعل العديد من

	

	المختّصين في القانون الدستوري يصنّفون النظام السياسي الجزائري ضمن الأنظمة

	

	الرئاسية المغلقة، نظرا للسلطات الواسعة التي يتمتّع بها رئيس الجمهورية، والتي تمتّد إلى

	

	مجال التشريع وإصدار حّق 'الفيتو' على القوانين التي يصدرها البرلمان، كما هو الحال في

	

	الدستور الحالي (دستور 1996). هذا التركيز الشديد للسلطة يتنافى في حدّ ذاته مع مفهوم

	

	الدولة الحديثة من جهة، ويقصي البرلمان من المساهمة في المبادرة بالإصلاحات ومتابعة

	

	تجسيدها من جهة أخرى.

	التعددية السياسية تعددية شكلية:

	إن الساحة السياسية الجزائرية تعرف إعادة هيكلة مستمرة لخريطة الأحزاب السياسية، إلاّ

	

	أنّ التعددية في حدّ ذاتها لم تجد بعد طريقها الصحيح، لأنّ 'بعض الأطراف' في الدولة لم

	

	تتعوّد، من منطلق النزعة التسلّطية، على وجود هيكل سياسي آخر يزاحمها، والبعض الآخر،

	

	'خائف على تشتّت الوحدة الوطنية'، فيما يتّجه فريق آخر إلى المطالبة بالإسراع في تجسيد 

	

	التعددية السياسية، ومبدأ التداول على السلطة. في هذا السياق صدر القانون العضوي الذي

	

	يحكم الأحزاب السياسية في 6 مارس 1997، فأعاد النظر في الإجراءات التنظيمية وشروط

	

	إنشاء الأحزاب السياسية، ولعلّ أبرزها منع توظيفها لعناصر الهوية الوطنية لأغراض

	

	سياسية.

	وعلى الرغم من الحرية النّسبية التي تتمتع بها الأحزاب السياسية عند تأسيسها أو ممارسة

	

	نشاطها، فإنّ تدخّل الدولة، عن طريق وزارة الداخلية التي تمنح الاعتماد للأحزاب أو بواسطة

	

	وزارة العدل التي تقوم بمنعها من النشاط في حالة مخالفتها للقوانين، يثير النقاش حول حرية

	

	نشاط الأحزاب، وحياد الإدارة، وبسط نفوذها عليها، ولذلك كان من الأفضل إعطاء صلاحية

	

	اعتماد الأحزاب السياسية إلى 'لجنة قانونية مستقلة' عن وزارة الداخلية لتدعيم الطابع

	

	الديمقراطي، وضمان الشفافية في اعتماد الأحزاب.

	إلاّ أن التباطؤ في إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتأخّر في إصلاح قانون الأحزاب لم يسمح

	

	لهذه الأخيرة، ولا للانتخابات التعددية، بإفراز نخب سياسية جديدة، حيث بقيت معظم هذه

	

	الأحزاب تدور في فلك السّلطة، ولم تفلح في تشكيل قوّة بديلة، حيث تحوّلت مع مرور الوقت

	

	إلى أداة توظّفها السّلطة في المناسبات السياسية والانتخابية من أجل استمرارها في الحكم،

	

	بالإضافة إلى أنّها أصبحت 'مجرد أوعية لأصحاب المصالح والمطامع الشخصية'، إلى

	

	درجة 'أنّ الأحزاب الصغيرة باعت رؤوس القوائم للمرّشحين الذين لا علاقة لهم بها'(8).

	ويعود، في اعتقادنا، هذا الإخفاق الحزبي إلى الأسباب التالية:

	ــ هناك عدد كبير ومبالغ فيه من الأحزاب السياسية، وهذا ليس في صالح المعارضة بقدر ما

	

	يخدم الحزب الحاكم. فهذه 'الفسيفساء' من الأحزاب، انعكست سلبا على حظوظ فوزها في

	

	الانتخابات، وعلى تمثيلها وتصويتها داخل البرلمان.

	ــ تتميز معظم الأحزاب بغياب الممارسة الديمقراطية في داخلها، بحكم سيطرة عقلية '

	

	الزعامة' والجهوية الضيّقة والروابط العشائرية. هذا ما أسهم في خلق 'أزمة داخلية' في

	

	العديد من الأحزاب، أدّت في النهاية إلى الانقسام في صفوفها وبروز صراعات بين القيادات

	

	التاريخية أو المؤسسّين و'الحركات التّصحيحية'، على غرار 'حزب جبهة التحرير

	

	الوطني'، و'التجمع الوطني الديمقراطي'، و'حركة الإصلاح'. وكنتيجة لغياب الديمقراطية

	

	في هذه الأحزاب وقيامها على 'الشخصانية' و'التعصّب'، وبسبب الانقسامات بداخلها،

	

	يعرف معظمها هجرة جماعية من صفوفها ونفور المواطنين لا سيما الشباب من الانخراط

	

	فيها، نظرا لإصابتهم بخيبة أمل.

	ــ تفشي سلوكيات غير ديمقراطية بداخل الأحزاب السياسية، حيث أضحت 'الشكارة'(9)

	

	أحد المتغيّرات الأساسية لتصدّر القوائم الانتخابية، على حساب اعتبارات الجدارة والكفاءة.

	

	ويقود هذه العملية 'البقارة'، وهم رجال أعمال ومقاولون لا علاقة لهم بالسياسة. كما يلاحظ

	

	عدم احترام الضوابط القانونية والأخلاقية من قبل العديد من الأحزاب، لا سيما بمناسبة عقد

	

	مؤتمراتها وتجديد هياكلها، وافتقادها إلى التنظيم والقدرة على التجنيد، وتنشيط الحملات

	

	الانتخابية، والتحكّم في أبجديات التسويق والاتصال السياسي. فمن غير المعقول إذاً أن تطالب

	

	هذه الأحزاب بالديمقراطية على مستوى السلطة السياسية، في حين أنّ سلوكياتها

	

	وممارساتها بداخل هياكلها، لا تمّت بصلة للديمقراطية.

	تفتقر جّل الأحزاب السياسية إلى برامج أو أيديولوجية ورؤى واضحة حول مختلف القضايا

	

	الوطنية مثل السياسة الأمنية، والاستثمارات الأجنبية، والمنظومة التربوية، والبطالة،

	

	وأولويات التنمية وسبل معالجتها، كما يتميّز خطابها بالغموض والتشابه في المضمون.

	ــ استمرار السّلطة في توظيف 'حزب جبهة التحرير الوطني'، كرمز من الرموز التاريخية

	

	والوطنية، ما يعطي الانطباع أنّه 'البديل الوحيد' ولا مجال للتعدّدية . 

	عموما تبقى التعددية الحزبية تعددية شكلية، ولا ترقى إلى درجة تكريس مبدأ 'التداول على

	

	السلطة'، وتحوّلت معظم هذه الأحزاب إلى 'أحزاب شكلانية' و'مناسباتية'، تدور في

	

	محيط السلطة، ولا تستجيب لتطلّعات المواطنين، هذا ما أسهم في تقزيم دورها وإضعافها

	

	أمام الرأي العام.

	الانتخابات: وسيلة لتجديد الشرعية:

	يعدّ حق الاقتراع العام الحّر(10) مكسبا من مكاسب التحوّل الديمقراطي في الجزائر منذ بداية

	

	الإصلاحات السياسية في 1989، إذ تعبّر الانتخابات التعدّدية عن الانفتاح السياسي، وبناء

	

	مؤسسات ديمقراطية بعيدا عن الانقلابات والعنف. ونتساءل في هذا الصدد، هل أدّت

	

	الانتخابات التعدّدية في الجزائر إلى التداول السلمي على السّلطة، على مستوى المؤسسات

	

	المركزية والمحلية؟ وهل أفرزت نخبا سياسية جديدة؟ وما هي حقيقة المشهد الانتخابي؟

	من خلال متابعتنا لمختلف الاستحقاقات منذ الإقرار بمبدأ التعدّدية الحزبية، نستخلص ما يلي:

	ــ أن الانتخابات التعدّدية لم تؤد بعد إلى تغيير جذري على مستوى التركيبة الاجتماعية

	

	والسياسية للسّلطة، وبالتالي لم تفرز نخبا سياسية جديدة.

	ــ أنّ الانتخابات لا تعكس في مجملها مشاركة شعبية واسعة باستثناء الانتخابات الرئاسية،

	

	الأمر الذي يدفع إلى القول إنّ العزوف الانتخابي هو تعبير عن يأس المواطنين من حدوث 

	

	تغيير عبر آلية الانتخاب، ونتيجة مباشرة للتشكيك في نزاهة الانتخابات، حيث بلغت نسبة

	

	المشاركة 48.38 % خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في 10 مايو2012، ونسبة

	

	42.84 % في الانتخابات المحلية التي نظّمت في 29 نوفمبر 2012.(11)

	ــ أنّ الانتخابات تحوّلت إلى مناسبة لتجديد شرعية المؤسسات القائمة على المستوى

	

	الداخلي وتجاه الرأي العام الدولي.

	ــ أنّ نتائج مختلف الانتخابات في السنوات الأخيرة كرّست فوز قطبي النظام السياسي المشكّل

	

	من 'حزب جبهة التحرير الوطني'، و' التجمع الوطني الديمقراطي'، وتقاسمهما المقاعد،

	

	وإبعاد أحزاب المعارضة، وهو مؤشّر على استمرار حالة الاحتقان التي تطبع المشهد

	

	السياسي . (12)

	ــ تراجع التيار السياسي الإسلامي في الجزائر، حيث أظهرت الانتخابات التشريعية والمحلية

	

	التي جرت في سنة 2012 إخفاق، و'نكسة' 'تكتّل الجزائر الخضراء' الذي يضّم ثلاثة

	

	أحزاب إسلامية، هي 'النهضة'، و'الإصلاح'، و'حركة مجتمع السلم'، وهي نتائج

	

	مخالفة لكلّ التوّقعات بالنظر إلى التوّجه العام للانتخابات التي جرت في الوطن العربي بعد

	

	ثورات' الربيع العربي'، والتي حقّق فيها 'الإسلام السياسي' نجاحات معتبرة. 

	تفشّي البيروقراطية:

	بالعودة إلى مرحلة نظام الحزب الواحد، طغت على الإدارة الوظيفة السياسية، فتحولت إلى

	

	جهاز في خدمة الحزب الحاكم، حيث لم يكن هناك فصل بين العمل السياسي والعمل الإداري.

	

	ومنذ دخول الجزائر في مرحلة التعدّدية السياسية، أوكلت للجهاز الإداري مهّمة تقديم

	

	الخدمات العمومية للمواطن في إطار الحياد السياسي. ونظرا لبقاء أساليب الإدارة والتسيير

	

	على حالها، لم يتمكّن الجهاز البيروقراطي من مواكبة موجة التغيّر والإصلاح، حتّى أصبح

	

	وسيلة للتخلف، بدلا من أن يكون وسيلة لتقديم الخدمات وتحقيق التنمية.

	والجزائر باعتبارها دولة ريعية، انتهجت فيها الإدارة، حين تسييرها لملّفات التنمية

	

	الاقتصادية والاجتماعية، أسلوبا بيروقراطيا روتينيا بعيدا عن الأساليب الحديثة في التسيير،

	

	ممّا أدّى في نهاية المطاف إلى نوع من الركود في وتيرة تجسيد المشاريع التنموية، وهذا

	

	خلافا لما هو سائد في البلدان المتقّدمة حيث تعتبر البيروقراطية، حسب مفهوم ماكس فيبر،

	

	بمثابة جهاز تنفيذي إيجابي بأتّم معنى الكلمة.

	استفحال ظاهرة الفساد

	تنتشر في الجزائر، كما هو الشأن في سائر البلاد العربية والعالم الثالث، وبشكل لافت

	

	للانتباه، ظاهرة الفساد بكلّ أشكاله، حيث تأسسّت 'إمبراطوريات مالية وتجارية' شكلّت

	

	عبئا على التّنمية الاقتصادية، وعلى التحوّل الديمقراطي نفسه. ويحدث هذا في ظل غياب

	

	آليات حقيقية للرقابة والمحاسبة، سواء من طرف البرلمان أو الأحزاب السياسية أو السلطة

	

	القضائية أو منظمات المجتمع المدني.

	إنّ الفساد والاستئثار بالسّلطة والثروة بجميع الوسائل غير المشروعة تحوّل إلى نوع من '

	

	نظام للحكم'، وبالتالي أصبح عائقا أساسيا لأيّ إصلاح، حيث تحوّل من مشكلة أخلاقية إلى

	

	إشكالية سياسية، واللافت للإنتباه أنّ عملية الإصلاحات السياسية أسندت إلى الأجهزة

	

	البيروقراطية وجماعات المصالح التي أسهمت في الفساد، فسعت إلى تعطيلها للحفاظ على

	

	امتيازاتها ومصالحها. وفي 06 فبراير 2005 صدر أوّل قانون جزائري لمكافحة الفساد،

	

	وصحبته حملة واسعة لمراقبة العمليات المالية والمصرفية المشبوهة. وفي هذا الصدد،

	

	بادرت الدّولة إلى التّوقيع على العديد من الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد، ومن ضمنها '

	

	اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة ' في سنة 2000، و'اتفاقية الأمم المتّحدة

	

	لمكافحة الفساد' في عام 2003.

	وعلى الرغم من هذه القوانين لازالت الجزائر تحتّل مراتب متقدّمة في سلّم الفساد

	

	الدولي(13)، نظرا لتفشي هذه الآفة على مستوى كافة مؤسسات الدولة، ممّا يعيق إنجاز

	

	المشاريع والمخططات التنموية من جهة، ويزيد من الاحتقان الشعبي ويمّس بمصداقية

	

	الدولة، وبجدّية الإصلاحات الديمقراطية، من جهة أخرى.

	غياب روح المواطنة كأساس للبناء الديمقراطي:

	يحظى 'مبدأ المواطنة' في البلدان العريقة في الديمقراطية بأولية على كافة الحقوق، لأنّه

	

	السبيل الوحيد لتنمية إمكانات النضال السياسي السلمي، وتكريس الحقوق السياسية

	

	والاقتصادية والاجتماعية. إنّه يسمح للمواطن بشرعية العمل السياسي الجماعي، والتأثير في

	

	مضمون القرارات الجماعية الملزمة لجميع المواطنين، لما فيه تحقيق مصالحهم المشروعة.

	

	ولا يخفى على أحد أنّه من معوّقات التحوّل الديمقراطي في الجزائر وسائر الأقطار العربية

	

	غياب روح المواطنة، وضعف روح الولاء للدّولة، في مقابل تنامي روح 'الولاء للعشيرة' أو

	

	'القبيلة' و'الزبونية السياسية'.

	غموض العلاقة بين السياسي والعسكري:

	شكّلت ولازالت مسالة العلاقة بين الجيش والدولة في الجزائر إحدى المسائل الشائكة، لأنّها

	

	تترجم غموض العلاقات بين السياسي والعسكري، كما أنّها تطرح بالضرورة مسألة طبيعة

	

	نظام الحكم وإشكالية الحدود الفاصلة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. وتعود

	

	جذور هذه الإشكالية إلى مرحلة ما قبل الاستقلال، عندما كان الصراع محتدما بين 'قيادة

	

	أركان جيش التحرير الوطني' التي كانت بمثابة الذراع الأيمن لجبهة التحرير الوطني من

	

	جهة، و'الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية' من جهة ثانية. والحقيقة أن غموض هذه

	

	العلاقة يشكل في حدّ ذاته عائقا نحو التحوّل الديمقراطي، بحيث أنّ الجيش والأجهزة الأمنية،

	

	باعتبارها مؤسسات فعلية، كانت دوما في قلب الأحداث السياسية، وشكّلت العمود الفقري

	

	للنظام السياسي القائم.

	إلاّ أنّه ينبغي التأكيد على وجود تراجع نسبي لنفوذ المؤسسة العسكرية، بعد الإصلاح

	

	الديمقراطي في 1989، في مقابل تزايد نفوذ السّلطة المدنية، ممّا قد يمهّد لإرساء مبدأ 'حياد

	

	الجيش' عن السياسة مستقبلا. هذا ما ذهب إليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2009 ،

	

	بمناسبة استقباله للجنرال الأمريكي 'ويليام ورد'، رئيس القيادة العسكرية لإفريقيا (

	

	أفريكوم)، عندما صرّح' أنّ الجيش هو تحت سيطرة السّلطة المدنية، وأنّ المشروعية

	

	الثورية التي كانت وراء تأثير العسكر في الجزائر قد انتهت في 2004'. وبرّر تدّخل الجيش

	

	في الحياة السياسية خلال 'العشرية السوداء'، بأسباب أمنية، لأجل إنقاذ البلاد من العنف

	

	الذي ميّز تلك الفترة.

	لكنّنا نعتقد أنّ نفوذ المؤسسة العسكرية لازال واردا ، ليس فقط لأسباب ظرفية مرتبطة

	

	بتسيير'الأزمة الأمنية'، و'مكافحة الإرهاب'، ولكن أيضا بسبب وجود 'اتفاق ضمني'

	

	بين السّلطة السياسية والجيش منذ 'تعليق المسار الانتخابي' في يناير 1992، حيث شكّلت

	

	المؤسسة العسكرية، ومعها الأجهزة الأمنية المختلفة خلال هذه المرحلة عاملا أساسيا في

	

	تحقيق الاستقرار السياسي، وضبط التوازنات بين مختلف القوى والنخب المتصارعة على

	

	السلطة، وهو نفس الدور الذي لعبته هذه المؤسسة خلال أحداث أكتوبر 1988، عندما

	

	استنجدت بها السلطة السياسية آنذاك 'لحماية مؤسسات الدولة من الانهيار'.

	والسؤال الذي يبقى مطروحا : متى تتحوّل المؤسسة العسكرية في سائر الوطن العربي من

	

	مؤسسة 'في خدمة الدولة' إلى مؤسسة في 'خدمة دولة القانون'؟

	استرجاع السلم المدني كشرط أساسي لتجسيد الإصلاحات:

	إن وجود العنف في أي مجتمع هو تعبير عن غياب الحوار الديمقراطي، وتغييب حقوق

	

	المواطنة، وتسلّط الحكام، وانتهاج سياسة التهميش، وتزوير الإرادة الشعبية، واللّجوء إلى

	

	الانقلابات السياسية والعسكرية، كسبيل للوصول إلى سدّة الحكم. وتعود جذور الأزمة الأمنية

	

	في الجزائر إلى مطلع سنة 1992، حينما أوقفت السلطة المسار الانتخابي وأعلنت عن '

	

	حالة الطوارئ'. ومن أجل إعادة السّلم المدني لم تكتف الدولة بانتهاج سياسة 'الكّل

	

	الأمني'، بل بادرت في نفس الوقت بسياسة الحوار مع الجماعات المسلّحة، والتي كانت

	

	بدايتها 'بقانون الرحمة'(14) في عام 1994، بمبادرة من الرئيس زروال، إلاّ أنّه لم يحقّق

	

	النتائج المرجوة منه في إيقاف النزيف الدّموي بسبب عدم إشراك كل أطراف الصراع، وفي

	

	مقدّمتها 'الجبهة الإسلامية للإنقاذ 'المحظورة.

	وبعد فشل قانون 'التوبة والرحمة'، وتدّهور الوضع الأمني، وتفاقم الأزمة السياسية، لجأت

	

	السّلطة السياسية بالتّنسيق مع السّلطة العسكرية، إلى اتخاذ تدابير جديدة لإعادة بعث الحوار

	

	السياسي مع 'الجماعات الإسلامية المسلحة'. وبالفعل، بعد مجيء الرئيس عبد العزيز

	

	بوتفليقة للحكم في 1999، بادر بقانون 'الوئام المدني'(15)، بعد المصادقة عليه من طرف

	

	البرلمان وتزكيته بواسطة الاستفتاء الشعبي.

	إلاّ أنّ سياسة 'الوئام المدني' لم تكن سوى الشّق الأمني للمصالحة الوطنية، لذلك كان من

	

	الضروري استكمالها بالشّق السياسي. ونتيجة لذلك برزت سياسة جديدة هدفها ترقية هذا

	

	الوئام إلى نوع من المصالحة الشاملة، وهذا ما حدث بالفعل، بعد إعادة انتخاب الرئيس عبد

	

	العزيز بوتفليقة في 08 أبريل 2004، حيث تضمّن 'الميثاق من أجل السّلم والمصالحة

	

	الوطنية' الذي صدر في أغسطس 2005 مجموعة من التدابير والآليات القانونية لإعادة

	

	إدماج 'التائبين' في المجتمع، والتكفّل 'بضحايا المأساة الوطنية' و'المفقودين'16. ولم

	

	تكتف هذه المبادرة بمعالجة المأساة الأمنية، بل شملت كذلك مسائل وطنية أخرى، منها '

	

	أزمة منطقة القبائل'، وتحضير'قانون جديد للإعلام'، و'تقنين دور الزوايا'، و'إعادة

	

	تفعيل دور المساجد'.

	ومهما يكن من أمر، تعرف الجزائر حاليا تحسّنا ملحوظا على المستوى الأمني، حيث تم إلغاء

	

	العمل 'بقانون الطوارئ' الذي كان ساري المفعول منذ يناير 1992، ولن تتحقق الإصلاحات

	

	السياسية إلاّ بعد استعادة الاستقرار الأمني واستتباب السّلم بصفة شاملة.

	لا تنمية سياسية بدون تنمية اقتصادية:

	منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي انتقلت الجزائر، رسميا، من الاقتصاد الاشتراكي

	

	الموّجه إلى نمط جديد من التسيير الاقتصادي يقوم على تحرير الاقتصاد والتجارة والاتجاه

	

	تدريجيا نحو 'نظام اقتصاد السوق'. فصدر في 14 أبريل 1990 القانون رقم 90-10، الذي

	

	يتعلق بتحويل رؤوس الأموال بين الجزائر والخارج من أجل تمويل المشاريع الاقتصادية، في

	

	إطار سياسة تراجع الدولة عن احتكار التجارة الخارجية، وتجارة الجملة.

	ومن أجل تصحيح الاختلال في الميزان التجاري وتحقيق التنمية الاقتصادية، شرعت الحكومة

	

	منذ 2004 في تجسيد برنامج 'الإنعاش الاقتصادي' الذي يتضمن سلسلة من الإجراءات

	

	الاستعجالية، نذكر من بينها: تخفيض نسبة الرسوم الجمركية، وتخفيض ديون البلديات،

	

	وتهيئة المناطق الصناعية، وإعداد برنامج استعجالي لتنمية جنوب البلاد.

	غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتحقيق التنمية الاقتصادية، نظرا لعدم توافر الأرضية

	

	اللاّزمة لتجسيدها، وغياب استراتيجيات صناعية على المدى الطويل، ووجود اختلالات

	

	هيكلية لها علاقة بعدم التنويع في الصادرات، حيث تمثّل المحروقات وحدها 98% من

	

	إجمالي الصادرات،(17) في ظلّ الإهمال الواضح للقطاع الفلاحي، ووجود تبعية غذائية

	

	للخارج، بالإضافة إلى عدم استغلال الإمكانيات المادية والبشرية التي تزخر بها البلاد

	

	استغلالا عقلانيا.

	إضافة إلى هذه المعوقات يعاني الاقتصاد الجزائري من غياب ضوابط وقواعد تتحكم في

	

	النفقات العمومية، كما يعاني من مشكلة التحكّم في الواردات من جهة، وعدم التنوّع في

	

	الصادرات من جهة أخرى ، ووجود نسبة تضخّم مرتفعة نسبيا.(18) وعلى الرغم من تخلص

	

	الدّولة الجزائرية من ثقل المديونية الخارجية، إلاّ أنّها لازالت تعاني من التبعية في المجال

	

	التكنولوجي، واستيراد التجهيزات والبضائع المتنوّعة من الخارج . هذه التبعية قد تحدّ من

	

	الإرادة السياسية، وتهدّد الأمن الغذائي.

	وكانت نتيجة هذه الاختلالات الاقتصادية، وسيادة النمط الاستهلاكي، وضعف التنمية

	

	الاقتصادية بصفة عامة، انعكاسات اجتماعية، وتبلور قوى طفيلية، واقتصاد موازى،(19)،

	

	وانتشار الفساد، وارتفاع نسبة البطالة التي تتراوح ما بين 10 إلى 12% بالنسبة لمجموع

	

	السكان في سّن العمل، وما بين 20 إلى 25% في أوساط الشباب(20).

	الريع النفطي: نعمة أم نقمة؟

	إنّ السمة الأساسية التي تتميز بها اقتصاديات الأنظمة العربية مجتمعة هي سوء توزيع

	

	الثروات، لاسيما في البلدان التي تعتمد على الريع النفطي كمموّل رئيسي لميزانية الدولة.

	

	وفي غياب الرقابة والمحاسبة تحظى الأقلية الحاكمة في هذه البلدان بالنصيب الأوفر من هذه

	

	الثروة، بينما تحرم غالبية فئات المجتمع منها، هذا ما أسهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة الفقر

	

	في الوطن العربي.

	والجزائر باعتبارها دولة ريعية تعتمد بنسبة كبيرة على الجباية النفطية في تمويل ميزانيتها،

	

	وقد أصبح هذا الريع، مع مرور الوقت، 'نعمة' بالنسبة للنخبة الحاكمة من جهة، و'نقمة'

	

	على الشعب من جهة أخرى. هذه النخبة، تحاول بشتى الوسائل الحّد من فعالية الإصلاحات

	

	الديمقراطية، وعدم السماح بتبلور نخب سياسية جديدة قد تنافسها البقاء في السلطة،

	

	وتعصف بامتيازاتها، حيث أصبح الريع هو الذي يضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. عموما،

	

	إنّ الاقتصاد الجزائري، و بعد مرور 50 سنة من الاستقلال، لم يتحرّر بعد من السياسة، هذا

	

	ما دفع بالمتشائمين للاستنتاج أنّه لا يمكن التفاؤل بنجاح الإصلاحات السياسية والاقتصادية

	

	مادامت الجزائر' دولة ريعية'.

	في آخر المطاف، يمكن القول إنّ الريع النفطي بدلا من أن يكون عاملا لتحقيق الديمقراطية،

	

	تحوّل إلى عائق في وجه التّنمية الاقتصادية، والتغيير السياسي، وهذه إحدى المفارقات في

	

	الجزائر والدول العربية النفطية، بصفة عام، ولذلك حان الوقت للبحث عن استراتيجية

	

	اقتصادية جديدة تقوم على التنوّع في مصادر تراكم الثروة، وعدم الاعتماد بشكل أساسي على

	

	اقتصاد ريعي قائم على عوائد النفط، وإعداد برنامج للتنمية يلبي احتياجات الطبقات الفقيرة،

	

	ويضمن التوزيع العادل للثروة.

	المعوقات الاجتماعية والثقافية

	تشكل البيئة الاجتماعية والثقافية إحدى العناصر الأساسية في التحوّل الديمقراطي في أيّ

	

	مجتمع، حيث لا يمكن تحقيق الديمقراطية، في ظلّ محيط اجتماعي وثقافي يسوده الانحطاط

	

	والتخلف. ولا نخوض في العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والمجتمع، نكتفي في هذا المقام

	

	بإبراز المشكلات الاجتماعية والثقافية التي تعيق الإصلاح الديمقراطي في الجزائر، لأنّ

	

	التحدّيات المرتبطة بالممارسة الديمقراطية لا تكمن في العوامل السياسية لوحدها، بل تمتّد

	

	كذلك إلى طبيعة المنظومتين المجتمعية والثقافية.

	وحسب تقارير'منظمة الأمم المتحدة للتعاون والتنمية'، ستعرف الجزائر مع مطلع هذا

	

	القرن 'أزمة متعددة الأشكال'، ستكون لها آثار سلبية على مستوى نوعية معيشة الأفراد،

	

	وعلى التنمية الوطنية.

	ولعلّ أبرز العناصر الهيكلية الاجتماعية والثقافية التي تعيق الإصلاحات الديمقراطية هي:

	1- تهميش العناصر التي تؤمن بالعصرنة والحداثة، على غرار منظمات المجتمع المدني،

	

	ولاسيما منظمات الشباب والنساء والمثقفين.

	2- تأثير البنية التقليدية الاجتماعية التي تحكم سلوكات الأفراد والجماعات، والتي تتميّز

	

	بالطابع المحافظ وترفض مفاهيم الديمقراطية والإصلاح والتغيير والرأي المخالف.

	3- سيادة العلاقات القبلية والعشائرية على حساب الولاء للدولة، وتنمية روح المواطنة التي

	

	هي شرط أساسي للانفتاح والتحديث السياسي. هذه العلاقات تطفو على السّطح بشكل ملفت

	

	للانتباه كلمّا اقتربت المواعيد الانتخابية، خاصة المحلية منها.

	4- ضعف مؤسسات المجتمع المدني التي تعتبر بمثابة مدارس لتعليم الديمقراطية، وتوعية

	

	المواطنين في جميع المجالات. وفي 12 يناير 2012، صدر قانون جديد ينظم نشاط الجمعيات

	

	المدنية، يهدف إلى إزالة العراقيل التي تواجه عملية إنشائها، وتوفير ضمانات لنشاطاتها،

	

	وتوضيح ميادين تدّخلها وشروط تمويلها. وهو يهدف إلى الارتقاء بالسلوك المدني لدى

	

	المواطن، وتشجيعه على التجمّع، كوسيلة لطرح أفكاره، وممارسة الحوار، وتعميق المطلب

	

	الديمقراطي. غير أنّ هذا القانون لقي انتقادات من قبل أحزاب المعارضة لأنّه يكرّس هيمنة

	

	الدّولة واستقطابها للمجتمع المدني، لاسيما بالنسبة للمنظمات غير الحكومية والجمعيات

	

	الخيرية الإسلامية.

	وعلى الرغم من العدد الهائل للجمعيات المدنية الجزائرية، إلاّ أنّها لم ترق بعد إلى المستوى

	

	المطلوب، نظرا للقيود البيروقراطية التي تفرضها عليها السلطات الإدارية بشأن تأسيسها

	

	ونشاطها وتمويلها، بالإضافة إلى تبعية أغلب هذه المنظمات إلى الأحزاب السياسية، على

	

	غرار التنظيمات الطلابية والجمعيات الخيرية ونقابات الموظفين، فضلا عن تمّركز معظمها

	

	في المدن الكبرى.

	5- إن مشاركة المرأة الجزائرية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يعكس

	

	وزنها الحقيقي في المجتمع، حيث تشكّل المرأة نسبة 49% من التركيبة الديمجرافية 

	

	للسكان. هذا التهميش يرجعه البعض إلى خصوصيات التاريخ السياسي والثقافي للجزائر،

	

	وإلى القيم المحافظة و'الذكورية' التي تطبع المجتمع، وجزءا هاما من الطبقة السياسية.

	ومن أجل إدماجها في الحياة السياسية صدر قانون عضوي في يناير 2012، رفع التمثيل

	

	النسوي في المجالس المنتخبة، حيث يفرض هذا القانون تخصيص 'كوتا' محددّة للنساء في

	

	قوائم الترشيحات و المجالس. وبموجبه ارتفع عدد النساء الممّثلات في البرلمان بعد

	

	انتخابات 10 مايو 2012 إلى 146 امرأة من مجموع 380 عضوا، أي بنسبة 31.39% من

	

	التركيبة العامة للمجلس الشعبي الوطني. وقد أكدّت الانتخابات المحلية التي جرت في نهاية

	

	2012 هذا الاتّجاه، حيث توّسعت مشاركة المرأة في الفضاء السياسي. وللتذكير، لم يكن عدد

	

	النساء الممثّلات في برلمان 2007 يتعدّى 29 امرأة من بين 379 نائبا. غير أنّه يعاب على

	

	هذا التطوّر الكمّي في التمثيل النّسوي أنّه جاء أحيانا على حساب النّوعية، والكفاءة

	

	السياسية.

	6- تشكّل الأمية عائقا في وجه الإصلاحات السياسية، لأنّه لا يمكن تصوّر نجاحها في مجتمع

	

	يتفشى فيه الجهل. وعلى الرّغم من الجهود التي تبذلها الدولة في مجال محو الأمية والتربية

	

	والتعليم، إلاّ أنّها تظّل غير كافية(21).

	7- كما نلاحظ غياب نظام فعّال للاتصالات، حيث يهيمن نظام 'الاتّصال الشفهي' على حساب

	

	'الاتّصال الحديث' المبني على التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، هذا ما يفسح

	

	المجال واسعا للإشاعات وتحريف فحوى ومضمون الإصلاحات.

	وفي التحليل الأخير، لا يفوتنا أن نشير إلى وجود قوى خفيّة 'محافظة' داخل السلطة، تعمل

	

	على بقاء الأوضاع على حالتها الراهنة لضمان استمرارها في مقاليد الحكم، حيث نجد تناقضا

	

	بين أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية، متذرّعة باحترام 'الثوابت الوطنية'، ومكوّنات '

	

	الهوّية الوطنية'.

	ثالثا: آفاق الإصلاحات الديمقراطية:

	لقد رأينا من خلال هذه الدراسة أنّ الإصلاحات السياسية في الجزائر إصلاحات متعثرة،

	

	وتواجه تحدّيات كبيرة على جميع الأصعدة، سواء على مستوى المبادئ الديمقراطية، أو

	

	المؤسسات وهياكل الدولة، أو المجتمع المدني، وبناء المواطنة، والحكم الراشد.

	إنّ الطريق إلى الديمقراطية هو طريق شاق، لأنّ الأزمات التي خلّفها نظام الحزب الواحد

	

	عميقة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن القطيعة، بل ينبغي الحديث عن تحوّل ديمقراطي

	

	تدريجي. فمعالجة مسائل الصراع داخل السلطة، والوصاية السياسية، وإعادة الثقة للمجتمع،

	

	ومعالجة مشاكله الاقتصادية والاجتماعية، تحتاج إلى كثير من الوقت والتدبير وإعادة بناء

	

	المؤسسات على قاعدة جديدة ومتينة. كما أنّ التحوّلات التي شهدها العالم العربي في

	

	السنوات الأخيرة تفرض على الجزائر تبّني إصلاحات جذرية على كافة المستويات

	

	والمؤسسات، لأنّ الرهانات كبيرة، خاصة أنّ الجزائر تزخر بالإمكانات المادية والبشرية

	

	الهائلة، ولأنّ خطاب 'شراء السّلم الاجتماعي' من أجل احتواء الاحتجاجات الاجتماعية،

	

	بواسطة تدابير ظرفية 'ترقيعية' لن يدوم.

	ومن أجل كل هذا ينبغي معالجة التحدّيات والمعوّقات التي تواجه الإصلاحات السياسية

	

	معالجة شاملة و ذات آفاق واعدة، من خلال مجموعة من الأولويات والتدابير نوجزها فيما

	

	يلي:

	1- ضرورة إعادة هيكلة العلاقات السياسية بين الدولة والمجتمع بالاعتماد على مؤسسات

	

	متينة. ومن أجل ذلك من الضروري تدعيم البناء المؤسسي والتشريعي بآليات قانونية تتوافق

	

	ومتطلبات الدولة الحديثة، دولة القانون.

	2- بناء الديمقراطية على أساس 'القيم الثقافية المحلية'، وخصوصيات البنية الاجتماعية

	

	والثقافية والتاريخ الحضاري للبلاد. بعبارة أخرى، ضرورة إعطاء محتوى اجتماعي- ثقافي

	

	للإصلاح الديمقراطي.

	3- إصلاح هياكل الدولة وتكييفها وفقا للسياقات الجديدة انطلاقا من الجماعات المحلية

	

	وقطاعات العدالة والوظيف العمومي، وانتهاء بإصلاحات دستورية وبرلمانية .

	4- المبادرة بإقامة نوع من 'العقد الاجتماعي' مع جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين في

	

	البلاد، لأنّ الديمقراطية هي بناء وتنظيم، وتحتاج إلى تفكير وحوار وتشاور بعيدا عن احتكار

	

	القرار والسّلطة. هذا 'العقد' تشارك فيه السّلطة، والأحزاب السياسية، والمنظمات

	

	الاجتماعية، ووسائل الإعلام، والإدارة، والنقابات، والمثقفون، وغيرها من المؤسسات

	

	وممثلي المجتمع.

	5- ضرورة تجديد الأحزاب السياسية، وفتح مجال الحقل السياسي لكلّ التيارات التي تحترم

	

	المبادئ الديمقراطية، وتؤمن بالتداول السّلمي على السّلطة عبر صناديق الاقتراع.

	6- العناية بإجراء إصلاحات على النظام الانتخابي، والقوانين الانتخابية باعتبارها وسيلة

	

	للتغيير السياسي السلمي، وليست غاية في حدّ ذاتها.

	7- الدفاع عن حق المواطن في إعلام تعدّدي حّر، ورفع كل أشكال الرقابة على وسائل الإعلام

	

	والعمل الجمعوي والنقابي.

	8- تكريس الممارسة الديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي وتوسيع المشاركة السياسية

	

	باعتبارها جوهر الديمقراطية، بالإضافة إلى إرساء دولة القانون، والفصل بين السلطات،

	

	والرقابة الدستورية، وضمان استقلالية القضاء.

	9- تطهير أجهزة الدولة من الفساد والرّشوة وإساءة استعمال النفوذ وغسل الأموال، ونبذ

	

	الممارسات العروشية والزبونية من خلال تكثيف الإجراءات والتدّابير الرّدعية، والالتزام

	

	بالشفافية وتوسيع نطاق المساءلة للإطارات والمسؤولين في الدولة،، ومراقبة الإنفاق العام

	

	والصفقات العمومية.

	10- إعادة الاعتبار للنّخبة المثقفة وللبحث العلمي، لأنّ الإصلاح الديمقراطي يحتاج إلى

	

	تأطير وتحرير الذهنيات وإنارة طريق السياسيين، ولأنّ قضية الديمقراطية والحكم الراشد

	

	هي قضية ومسؤولية الإنسان المثقّف، فبفضله يتحرّر العقل، ويقبل بالتغيير والإصلاح.

	11- لا يمكن الفصل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية، إذ هناك علاقة

	

	وثيقة بين نظام 'اقتصاد السوق'، والنظام الديمقراطي، وهذا الأخير لن يكتب له النجاح في

	

	ظلّ وجود الاحتكارات.

	12- من الضروري غرس مفهوم المشاركة السياسية في إدارة شؤون المجتمع لدى النشء

	

	والسعي لنشر ثقافة سياسية، وتنشئة مبنية على 'الديمقراطية الاجتماعية'، وما تحمله من

	

	معاني نبيلة.

	13- تحقيق التنمية المستدامة، وتدعيم القطاع الفلاحي من أجل ضمان الاكتفاء الذاتي

	

	والتفكير في 'مرحلة ما بعد البترول'.

	14- تدعيم التنمية المحلية واللاّمركزية الإدارية بإصلاح النظام الجبائي للجماعات المحلية

	

	وضمان استقلاليتها.

	15- في التحليل الأخير، لا يمكن الاستهانة بدور العوامل الخارجية والتحدّيات

	

	الجيواستراتيجية في التأثير على الاستقرار السياسي، إذ لا يمكن نجاح الإصلاحات في ظل

	

	وجود 'توّترات إقليمية'، كما هو حال الجزائر (قضية الصحراء الغربية، الاحتقان الطائفي و

	

	الحرب في شمال دولة مالي، والاضطرابات السياسية والأمنية في دول الساحل الافريقي وفي

	

	ليبيا وتونس ومصر...).

	ما هو مستقبل الإصلاحات؟

	إن الحديث عن إشكالية الإصلاحات الديمقراطية في الجزائر يدفعنا إلى الحديث عن مستقبل

	

	هذه الإصلاحات في ظلّ التحوّلات الدولية والعربية المتسارعة. ومن الصّعب التنبّؤ بالمشهد

	

	السياسي، وبما سيؤول إليه المسار الديمقراطي بسبب الأزمة المتعدّدة الجوانب، وطبيعة

	

	المعوّقات المتشعّبة والراسخة.

	ولكننا متفائلون بمستقبل هذه الإصلاحات لسببين على الأقّل:

	1- أنّ الوضع الراهن ليس في صالح السّلطة لأنه سيزيد من احتقان الشارع واحتمالات

	

	المواجهة، لاسيما مع الشباب أو ما يسمى 'بالجيل الثالث'(22)، الذي عاش في ظل الأزمة،

	

	ويشكّل قاعدة الحركة الاجتماعية.

	2- أنّه بعد استنفاد 'المشروعية التاريخية' و'الشرعية الثورية'، و'شرعية مكافحة

	

	الإرهاب' نتيجة انفراج الأزمة الأمنية، لن يبقى أمام النظام إلاّ البحث عن شرعية بديلة

	

	قوامها الإصلاحات السياسية. 

	الهوامش:

	(Endnotes)

	(1) تم عرض مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي الذي وافق عليه بنسبة 78.98 % ،

	

	إذ صوّت لصالحه 7 ملايين ناخب، مقابل 2.5 مليون معارض و 3 ملايين امتنعوا عن

	

	التصويت، من أصل 13 مليونا مسجّلا على القوائم الانتخابية.

	

	(2) وفعلا، خلال المؤتمر السادس للحزب تم تغيير تسمية 

	

	بتسمية ، تعبيرا عن الاعتراف بوجود اتجاهات وحساسيات سياسية مختلفة داخل

	

	الحزب.

	

	(3) لمزيد من التفاصيل حول طبيعة دستور 23 فبراير 1989، اانظر: أوصديق فوزي، 

	

	الوافر في شرح القانون الدستوري> ، الجزء الثاني، د.م.ج، الجزائر، 1994، ص 59.

	

	(4) حظي دستور 1996 بموافقة 85.81 % من المصوّتين، مقابل 14.19 % من

	

	الرافضين، حسب النتائج التي أعلن عنها المجلس الدستوري. أمّا نسبة المشاركة فكانت 

	

	79.80 %، وقد انتقدت أحزاب المعارضة هذه الأرقام ووصفتها  .

	

	(5) الأمر رقم 97-7 المؤرخ في 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام

	

	الانتخابات.

	

	(6) الأمر رقم 97-9 المؤرخ في 6 مارس 1997، يتضمن القانون العضوي المتعلق

	

	بالأحزاب السياسية، والذي عوّض  الذي صدر في 5

	

	يوليو 1989 .

	

	(7) صالح بلحاج، ، مخبر دراسات

	

	وتحليل السياسات العامة في الجزائر، ط. 1، الجزائر، يونيو 2012، ص 9 .

	(8) بوحنية قوي، 

	

	ميكانيزمات التنمية ألسياسية> في 

	

	العربية>، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، فبراير 2009، ص 352 .

	(9)  مصطلح متداول في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في السنوات

	

	الأخيرة بالجزائر، ويعني ، يدفعه  إلى قيادة الحزب

	

	لترتيبه في صدارة القوائم خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية.

	(10) للتذكير، عرفت الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية  في نظامها القانوني،

	

	فتأثّرت إلى حدّ ما بالمبادئ الدّستورية الغربية مثل الاقتراع ومفهوم الدّسترة، وفي نفس

	

	الوقت، تعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع.

	(11) بلغت المشاركة في تشريعيات 2007 نسبة 35.6%، وهي أدنى نسبة مشاركة في

	

	تاريخ الاستحقاقات الجزائرية منذ الاستقلال.

	(12) خلال الانتخابات البرلمانية في 2012 حصد حزب جبهة التحرير الوطني 220 مقعدا

	

	من أصل 462 مقعدا، بينما فاز التجمع الوطني الديمقراطي بـ 68 مقعدا، هذا ما مكنّهما من

	

	تشكيل الأغلبية المطلقة في البرلمان. وأثناء الانتخابات البلدية والولائية في 2012، جاء

	

	حزب جبهة التحرير في المرتبة الأولى والتجمّع الوطني في المرتبة الثانية، فيما حقّقت 

	

	الحركة الشعبية الجزائرية> التي يترأسها عمارة بن يونس، والمحسوبة على التيّار

	

	العلماني، المفاجأة باحتلالها للمرتبة الثالثة وتحصّل  على 48

	

	مقعدا فقط... وبمناسبة التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة، خلال 2012، فاز التجمّع

	

	الوطني ب 24 مقعدا، مقابل 17 مقعدا لحليفه حزب جبهة التحرير الوطني، بينما لم يتحصّل

	

	 ذو التوّجه الإسلامي على أيّ مقعد، وهو ما يِؤكّد هزيمته في

	

	الانتخابات البرلمانية والمحلية .

	(13) يصنّف التقرير الصادر في عام 2012 عن ،

	

	الجزائر في المرتبة 105 من مجموع 175 دولة، من حيث مؤشر الفساد واستشراء الرشوة،

	

	بعيدا عن الجارتين تونس والمغرب، اللّتين صنفتا في المرتبتين 75 و 88 على التوالي. وقد

	

	منحت المنظمة للجزائر 34 نقطة من أصل 100 نقطة، مع الملاحظة أنّ هذا الترتيب لم يتغيّر

	

	منذ 2003، ممّا يوحي باستمرار الفساد وتزايد انتشاره، إذ تطلعنا وسائل الإعلام، وخاصة

	

	المكتوبة منها يوميا، عن فضائح مالية متورّط فيها مسؤولون كبار في الدولة على المستويين

	

	المركزي والمحّلي، والذين حقّقوا تراكمات مالية ضخمة في ظرف قياسي، والأمثلة كثيرة لا

	

	يسع المجال لذكرها هنا.

	(14) حسب معلومات أعلنتها مصادر أمنية جزائرية، بفضل  اقتنع نحو

	

	500 فرد بالتخلّي عن العمل المسلّح، من أصل 20 ألفا، وهو تعداد أفراد الجماعات الإسلامية

	

	المسلّحة آنذاك.

	(15) قانون استعادة  رقم 99-8 المؤرخ في 13 يوليو سنة 1999، الذي

	

	وافق عليه الشعب الجزائري في سبتمبر 1999، أدّى إلى قيام 700 مسلّح بتسليم أنفسهم

	

	وإعادة إدماجهم في المجتمع رغم تحفّظ جمعية  عن هذا القانون.

	(16) حسب الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية، بلغت نسبة التصويت  على 

	

	السلم والمصالحة الوطنية> 97.36 %.

	(17) في مطلع سنة 2000 زادت نسبة المحروقات من الناتج الداخلي الخام، حيث كانت

	

	تمثل في 2008 أكثر من 50%، مقابل 20% في سنة 1988، هذه الزيادة في حصة

	

	المحروقات هي نتيجة ضغوطات الطلب من جهة، والسياسة الاقتصادية الدولية من جهة

	

	أخرى.

	(18) أوضح المكتب الوطني للإحصائيات أنّ نسبة التضخم في الجزائر إلى غاية شهر أكتوبر

	

	2012 تقع في حدود 10 %، ومن المنتظر انخفاضها إلى ما دون ذلك على المدى القصير

	

	والمتوسط، نظرا لأهمية الودائع والاحتياطات المالية في البنك المركزي.

	(19) يمثل القطاع الاقتصادي الطفيلي عبئا على ميزانية الدولة من الضرائب، فهو يشكّل

	

	حوالي 40% من الناتج الداخلي الخام.

	(20) للإشارة، تبلغ نسبة البطالة 73% لدى الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن 30 سنة.

	

	وتشكّل أزمة البطالة أحد أهّم التحدّيات التي تواجه الحكومة الجزائرية، وقد امتدّت في

	

	السنوات الأخيرة إلى قطاع التعليم العالي وذوي الشهادات العلمية من خريجي الجامعات.

	

	حيث يوجد انفصام بين فرص التشغيل وعدد الخرّيجين، هذا ما يوحي بغياب التنسيق بين

	

	القطاع الاقتصادي وقطاعات التعليم العالي والتكوين المهني.

	(21) في سنة 2006، خصصت الجزائر حوالي 20% من ميزانية الدولة لقطاع التربية،

	

	و4,43% من الناتج الداخلي الخام. غير أنّ هذا القطاع لازال يعاني من مشكلة النوعية

	

	والتسرّب المدرسي، والتفاوت بين الكلفة والمردودية. وبحسب إحصائيات 

	

	لمحو الأمية وتعليم الكبار تراجعت نسبة الأمية إلى 21.1%، بعد ثلاث سنوات من بدء تنفيذ

	

	الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية التي انطلقت في عام 2007، وتنتهي في سنة 2016.

	(22) : مصطلح استعمله الأستاذ ، خلال المحاضرة التي ألقاها

	

	 بالجزائر، تحت عنوان:  في

	

	أغسطس 2011، أمّا  فهو حسب اعتقاده، يتكوّن من جيل الثورة المنحدر من

	

	الريف، والذي يقرّر ويقود البلاد، أمّا  فهو جيل ما بعد الثورة المتمدّن، والذي

	

	يسيّر ولا يقرّر.

	
</fulldescription>
<pubDate>Fri , 29 Mar 2013 05:24:59 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/438/الإصلاحات-السياسية-فى-الجزائر-تحدّيات-و-آفاق.aspx</guid>
</item>
<item>
<title> مقدمة كتاب: فتنة طائفية ..أم شرارة الصراع على الهوية </title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/437/-مقدمة-كتاب-فتنة-طائفية-أم-شرارة-الصراع-على-الهوية.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/3/19/2013-634993148418593825-859_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
كيف بدأت قصتي مع هذا الملف ؟ ربما هي الصدفة وحدها التي جمعت بيني وبينه، فأنا أزهري وصحفي كان يعمل في جريدة ذات توجه إسلامي وأكتب في موضوعات متنوعة، لكن ساقتني الظروف سوقا نحو هذا الاتجاه ..وحتى الآن لا أعرف السبب!!
</description>
<fulldescription>

	

	
		المؤلف: عبد الله الطحاوي -دار النشر : الشروق الدولية


	كيف بدأت قصتي مع هذا الملف ؟ ربما هي الصدفة وحدها التي جمعت بيني وبينه، فأنا أزهري وصحفي كان يعمل في جريدة ذات توجه إسلامي وأكتب في موضوعات متنوعة، لكن ساقتني الظروف سوقا نحو هذا الاتجاه ..وحتى الآن لا أعرف السبب!!

	

	تعرفت على صديقي الباحث العزيز سامح فوزي الذي كان يعمل صحفيا في تلك الفترة في جريدة وطني، كان يزور جريدتنا يقلب في الأرشيف، كان يبحث في ملفاتها يبدو أنه كان منشغلا بعمل بحث ما. تنوعت بيننا اللقاءات والحوارات ، وكان هو بوابتي إلى ذلك المجهول ..

	

	بدـأت علاقتي مع الكثير من الأقباط، حاورا ومعايشة، كنت أتساءل وسامح يجيب ، كان متحمسا لي وأنا اقتربت منه إنسانيا بشكل كبير وجمعتنا لقاءات وخبرات كثيرة . وكانت البداية مع سامح لكن المسيرة تعمقت أكثر عبر العديد من الشخصيات المهمة مثل الأنبا موسى أسقف الشباب والأستاذة رفيق حبيب وسمير مرقس واندريا زكي ونبيل صمويل وحنا جريس وسميرة لوقا وهاني لبيب وغيرهم العشرات من المثقفين ورجال الدين والشباب والشيوخ والسيدات حيث خبرت تلك التجمعات ووعيت مدى تنوعها وتعددها، ليظل هذا التنوع والتعدد داخل الجماعة القبطية هو الضمانة الرئيسية للمواطنة ، لأنه إذا تحول الأقباط إلى جماعة واحدة مصمتة ذات لون واحد سيكون الخطر الكبير . ويلفت النظر كثيرا للمتأمل في الأقباط هو الوزن النسبي لقطاع المهنيين من مهندسين وأطباء وصيادلة ومحاسبين وأغلبهم لهم من الأشغال الخاصة والمكاتب الاختصاصية المهمة الحاضرة في صلب الحياة المصرية وركيزة نشاطهم الخبراتي والمادي مع كل المجتمع وبالتالي هو معنيون بشكل اكبر بالاختلاط وعدم التمايز لأن هذا ينعكس بالإيجاب عليهم ، وهم ضمانة كبيرة للتعايش والتسامح . 

	

	كان يستوقفني كثيرا مشهد حفل الإفطار السنوي الذي أحضره داخل الكاتدرائية بالعباسية ..وأنت داخل إلى الكاتدرائية في لحظة الغروب وأنت صائم؛ ينتابك شعور غير عادي.. فأمامك مسجد النور يرتفع بشموخ وبجواره الكاتدرائية ببنائها الزاهي.. كل قد علم صلاته وتسبيحه ويفصل الله بين الجميع يوم القيامة وهو أحكم الحاكمين..

	

	كان يلفت نظري أنه إفطار وحدة لكن كل واحد يفطر وحده . فقد كان يحرص المنظمون على إبراز الطابع الرسمي ، وقاموا بالفصل بين ممثلي المؤسسات بوضع لوحات مكتوب عليها أسماء الإدارات والهيئات مثل رجال القضاء وقيادات النيابة والداخلية، وأمن الدولة، والحراسات الخاصة ورجال الأعمال، والفن والإعلام، والمجتمع المدني، ورجال الدين الإسلامي، والطوائف الأخرى .رجال الكناس والطوائف والإدارة ..

	

	كانت أزمة وفاء قسطنطين في أوجها، عندما اقتربت من عالم الكنيسة، والمظاهرات تملا ساحة الكاتدرائية، المشهد كان مرعبا، ويبدو أن قوة الحدث تدفع الأمور بشكل متسارع نحو الهاوية. ذهبت إلى هناك كان الشباب غاضبا إلى حد الاحتقان، يبدو أن خلف هذه المشكلات ما هو أعمق وأسخن ..

	

	كان هناك من يحاول التهدئة ، وهناك من يصلي، وهناك من يوزع الطعام، وكانت لحظة السكون الشديدة عندما كان يشرع الأنبا يؤانس في الصلاة ..كان يحط الهدوء .. الدكتور سليم العوا يرى أن حدث وفاء قسطنطين هو حدث فارق ،قبل وفاء وبعد وفاء. وعبثا حاولت أن أقابلها في الدير الذي تتواجد فيه، وأكثر من مرة أحظى بوعد ثم يتبين لي أن الملف برمته بيد البابا الذي يمنع أي انسان سوى رجال الدين من الاتصال بها، وحتى الآن تظل حادثة وفاء قسطنطين حدثا فريدا ومهما ، وتتحمل فيه الجهات الكنسية عبئا كبيرا ، تراكماته لن تنتهي ، وتداعياته لن تتوقف . 

	

	ثم جاءت أيضا أحداث السي دي والمسرحية التي مثلت في إحدى الكنائس والتي تسببت في إشعال مظاهرات أخرى في الإسكندرية، وتطور الأمور أكثر مما ينبغي ..طالب البعض من البابا أن يعتذر لكنه رفض بشد، كانت الحجة أن البابا إذا اعتذر( ) مرة فإنه مطالب بتكرار ذلك في كل مرة وهو ما يجرح مقامه عند البعض في حين الاعتذار وهو قدر الكبار دائما ،بل ويرسخ مقام المودة بين الإسلام والمسيحية المؤسس على الجدل بالتي هي أحسن )بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون) )المائدة82 (&quot;..وفي تلك المواقف وغيرها كان يتراءى لي كثيرا الفرق بين سلوك الناسك ، وسلوك الزعيم ، بين من يترك ردائه للمتعلقين به، ومن يتشبث بالمواقع حتى لا يتمدد الخصم، من يتمسك بالبشارة ، ومن يدخل في تضاغط سياسي واجتماعي من أجل المكتسبات . إنه سيان كما يقول الأب متى المسكين أن تطلب الكنيسة القوة من السلطان الزمني، أو تحض على الاستهتار بقوة السلطان الزمنى، لأن فى الأولى خروجًا على اختصاص الكنيسة، وفى الثانية خروجًا على منطق المسيح ووقوعا فى دينونة الله، إن الحض على الاستهتار بسلطة الدولة متمثلة فى السلطان الزمني، هو تشجيع للشر، لأن الكنيسة لا ينبغي أبدًا أن تأخذ موقف العداء من الدولة والوطنية، ومصدر الخطر أن الذين يلقنون الدين للجميع يبنون الفرقة والتحيز والانقسام والتكتل .. هكذا تكلم الناسك المعتزل متى المسكين.

	

	

	كنت في كل حدث أراني مدفوعا بواجب ما، وهو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم يكن أمامي سوى الأنبا موسى أسقف الشباب أحاوره ، وهو يمتلك من الود والسماحة والصفاء رصيدا يمكنه من التعامل مع الأمور بحكمة ، لم يكن صداميا ، ولا انعزاليا ، شخص وطني بامتياز . كان بعد كل حوار يتصل بي يشكرني على موضوعيتي البالغة على حد تعبيره.

	

	وفي إحدى الحوارات تطرق نيافته إلى الحق القانوني الذي تمتلكه الكنيسة من أجل تمكينهم من النصح لمن يسلم ، ورد على نيافته المستشار طارق البشري مناقشا ومحاورا في حواره معي عن الولاية السياسية التي تمارسها الكنيسة على الأقباط ، وأن ما حدث يعد سابقة وخرقا للقانون والدستور ، ودارت رحى الحوارات والمواقف.

	

	أثناء عملي وتجوالي كانت تترسخ لدي قناعات أن للأقلية عقل خاص، وكذلك للأغلبية ، بل وللدولة عقل ، وثمة سياقات معينة حينما تتصل العقول يؤدي إلى عقل الطائفية ومنطقها الذي يحكم المشهد، يقول اللاهوتي البارز جورج حبيب بيباوي تنحو عقلية الأقلية إلى الأحلام الرؤية التي تتمثل في تدخل الله ودعمه، هذه الأحلام تَسهُم في انتهاء الضغوط، وخلق مجتمع جديد تختفي فيه فكرة التمييز الديني. من هنا فان هذه الأحلام الرؤية ، تعكس رؤية دينية ذات دلالات سياسية واجتماعية وثقافية. إنها تمثل هروباً من الواقع الحالي بضغوطه، إلى مستقبل مثالي بأحلامه. وهنا عندما تنقل الأقلية فكرها وحياتها من العالم نفسه، إلى العالم الآخر، والمستوى السمائي، فإن التاريخ يتوقف تماماً ويصبح الفكر محصوراً فيما هو غير قابل للتحليل والدراسة .

	

	ويضيف اللاهوتي أندريا زكي إن تزايد الضغوط على الأقلية يجعل من المعجزات العامة تأكيداً على أن الله مع هذه الجماعة، وأنه يتدخل لصالحها. فحينما تتعرض الأقلية لضغوط، تشكك في إيمانها وعقيدتها وتهددها بالزوال، تأتي المعجزات العامة لتقدم يقيناً للأقلية، بالحماية الإلهية. ولعل الحديث المتكرر عن اختبارات فردية وجماعية لظهورات ومعجزات القديسين في النصف الثاني من القرن العشرين تعكس هذه السمة.

	

	ويرى أن واحدة من أهم المتناقضات التي تشكل عقل الأقلية، هو الهوية الدينية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأقلية إلى دفع المجتمع نحو هوية قومية، تنزلق هي إلى الاحتماء بالهوية الدينية، هذا التناقض يخلق فكراً مزدوجاً يؤثر في مصداقية الانتماء القومي. ومن جانب آخر تشعر الأقلية دائماً بخطر الذوبان القومي، مما يجعلها تؤكد على هويتها الدينية. هذا الموقف المُعقد يُحدث بلبلة وفي بعض الحالات قد يُشجِّع انتماءات دينية ذات توجه متطرف، يستخدم الهوية الدينية لأسباب سياسية.

	

	ويستمر القس الدكتور في دراسة عقل الأقلية حين يلجأ إلى الانغلاق اللغوي الذي يشكل ثقافة فرعية. وترى الأقلية في استخدام لغة خاصة، نوعاً من التميز. لكن هذا التميز يؤدي في مرات كثيرة إلى نوع من الانغلاق وسوء الفهم. ولعل خير دليل على هذا الانغلاق اللغوي هو الطريقة التي تقدم بها الكنيسة عقيدتها عن الثالوث في مجتمع إسلامي. فنحن نعرف أن هذه العقيدة تبلورت صياغتها اللاهوتية بوضوح في القرن الرابع الميلادي. وتم استخدام تعبيرات مثل &quot;أقنوم&quot;، للتعبير عن وحدانية الله المتعدد في ذاته. ومع أن هذه المفردات اللغوية (مثل أقنوم) كانت ذات دلالة في الوقت الذي استخدمتها الكنيسة، فإن تغيير البيئة الثقافية، وقيام الحضارة العربية الإسلامية، كان يتطلب من الكنيسة إعادة صياغة نفس الفكرة اللاهوتية في مفردات جديدة.فاللغة تلعب دوراً هاماً في صياغة التواصل، لذلك فالكنيسة تحتاج أن تتكلم لغة يفهمها العامة. إن خلق ثقافة خاصة منغلقة، يؤدي إلى الانعزال والتغريب والتهميش، لذلك فالكنيسة مدعوة لإعادة النظر في اللغة التي تستخدمها، لكي تكون قادرةً على بناء الجسور، والتعامل والتواجد الخلاَّق.

	

	يتوهم عقل الأقلية أحيانا أن الانتماء للديانة المسيحية الأرثوذكسية منتج بالضرورة لخصوصية ثقافية جزئية مختلفة عن الخصوصية الغالبة، وأن ثمة ربط متلازم بين الدين والخصوصية في مثل هذه الأجواء طبيعي أن تزدهر أفكار حول النقاء الجنسي والعرقي، والدمج بين القومية والديانة، والكنيسة والهوية ، باعتبار كل هذه الصور معبرا عن جوهر واحد أصيل، يجسده غبطة البطريرك ذاته، جوهر واحد ، يعطي للنفس أمنا ، وللمكافح مشروعية ، وللناسك عمقا ، وللانعزال مبررا ، وللذاكرة نشوة، وإذا كان هناك هوية وقومية وديانة ومؤسسة، فهناك هموم ومطالب وبالتالي أجندة ومسألة ، وجدار عال يحمي الضحية من الجاني ، والأزمة الحاصلة أن هذا التوجه يقدم في عمقه بوصفه مضادا للتوجه العربي الإسلامي، وبعكس محاولة بناء هوية قومية خالصة تتناحر مع المحاولات التي يتبناها التيار السائد المصري والعربي، يتجسد هذا التناحر أكثر عند بروز المشاكل القومية والإقليمية والتشريعية والقانونية، حيث تزيد الفجوة، وتتعمق المواجهة ، وفي الوقت الذي تتصور فيه أنها تحمي نفسها بسياج الانعزال عن المحيط تعرض نفسها لشدائد ومخاطر أكبر.

	

	وعندما تبدأ مرحلة العد والإحصاء، والسؤال عن الرقم ، تبدأ مرحلة البحث عن حقوق الطائفة كما يقول رفيق حبيب، ومعها يبدأ الحديث عن خطورة تنظيم الأسرة على الجماعة الأقل عددا، ويتزايد الاهتمام بتنمية عدد الجماعة وتضخيم هذا العدد، لأن البحث أصبح جاريا عن حقوق طائفة. ولكن هوية الطائفة لا تغيب عن كل تلك المواقف، فالجماعة المسيحية أسست وضعها باعتبارها الجماعة المصرية الأصلية والممتدة بدون انقطاع تاريخي، وبهذا تعود مسألة الهوية، ففي الهوية المصرية ترى الجماعة المسيحية أن لها ميزة تاريخية، أما في الهوية العربية والإسلامية، فتغيب هذه الميزة. ولكن المشكلة ليست فقط في مسمى الهوية، ولكن المشكلة الأكبر في البحث عن التميز الفعلي، ثقافيا واجتماعيا وحضاريا، فالجماعة المسيحية وهي تشكل تلك الحالة من الوعي، كانت تبني لنفسها تصورا مختلفا عن تصورها للآخر، بحيث تصبح مميزة عن الآخر، بصورة تمنع من ذوبان الطائفة في الوطن، بعد أن أصبحت الطائفة هي الوطن البديل، وربما الوطن الأصلي.

	

	يمكن بالطبع البحث عن أثر أحداث العنف التي وجهت نحو المسيحيين، وقد كان لها أثرا بالفعل. ولكن المشكلة إذا تعلقت بأحداث عنف ترتكب في حق الجماعة المسيحية أو أي فرد منها، فإن المشكلة نفسها تنتهي إذا انتهت تلك الأحداث. ولكن إذا صورت أحداث العنف على أنها موجهة من جماعة الأغلبية الكارهة والمعادية لجماعة الأقلية العددية، فإن الصورة تختلف. لأن مع انتهاء أحداث العنف، نجد أن أثرها يظل مستمرا. والغالب في ما يطرح من تصورات داخل الجماعة المسيحية، هو النظر إلى الجماعة الأقل عددا باعتبار أنها ليست الفاعل الأصلي، وأن كل ما تقوم به هو رد فعل. ولكن المتابع لما يحدث في الظواهر الاجتماعية، يدرك أنه لا توجد جماعة كل سلوكها رد فعل، ولا توجد جماعة كل سلوكها فعل، حتى وإن كانت جماعة الأكثرية العددية.

	

	يمكن القول أن رد فعل الجماعة المسيحية على حادثة موجهة ضدهم، يمكن تجاوزه بقدر ما يمكن علاج أسباب أحداث العنف، ولكن فعل الجماعة المسيحية وقرارها الذاتي الخاص بفصل هويتها عن المجتمع، والمحافظة على حالة التميز عن المجتمع، لا يمكن معالجتها إلا بقرار آخر من الجماعة المسيحية، أو المؤسسة الكنيسة التي ترعى مشروع الطائفة السياسية، أو الوطن البديل. فلا يمكن إقامة سلم اجتماعي في مصر، والجماعة المسيحية ترى أنها تختلف عن أغلب المجتمع، وأنها أفضل من الأغلبية العددية، وأنها مهددة بالفناء من قبل الأغلبية، وأنها تمثل الهوية الأصلية للمجتمع المصري، وترى أن الأغلبية العددية، وهي الجماعة المسلمة، غرباء عن أرض مصر. فالقناعة التي تتشكل على مدار عقود داخل جماعة تغلق أبوابها على نفسها، وتحتمي داخل مؤسستها الخاصة، أي مؤسسة المسيحية والطائفة معا، وهي الكنيسة، يصعب أن تتفكك، حتى وإن لم يعد لها سند أو سبب في الواقع.

	

	وأزمة الهوية تمثل جزءا أساسيا من أزمة العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، فهي وجه من وجوه المشكلة، وربما تكون الوجه الأهم، ومع ذلك فإن الجماعة المسيحية في مصر تتجه إلى تأكيد هويتها المصرية الخالصة ورفضها للهوية العربية والإسلامية، وكلما تزايدت المشكلات نجد توجها متزايدا نحو فصل هوية الجماعة المسيحية عن الهوية العربية والإسلامية، مما يزيد الفجوة مع الجماعة المسلمة. ومع تزايد تلك الفجوة تزيد المواجهات بين المسلم والمسيحي، ولكن الجماعة المسيحية تتجه لتعميق تلك الفجوة، رغم أن ذلك يعرضها لمواجهات أشد. وتندفع الجماعة المسيحية في طريق يعرضها لمخاطر كبيرة، وتتصور أنها تحمي نفسها من مخاطر تتعرض لها( ).   

	

	وللأغلبية عقل، سماته في الكمية، وتوهم أن الوزن يلعب وحده دورا ، وتجاهل أن قيمة الوزن لا تظهر الا في السبيكة، التي تتضام مع أوزان وأنواع أخرى ، فيصبح للمركب خصائص جديدة تختلف عن خصائص الانفراد، فمصر مجتمعة تختلف عن مصر المنفردة، وهذا أمر تدلل عليه وقائع كثيرة ـ فلو تكلمنا داخل الخبرة المصرية فيما يتعلق بالبنى الانثروبولوجيا المشتركة، والقواعد الاجتماعية الموجهة، وحضور الدين كمجسد أعلى للقيم ..هل كل هذه الموحدات تركت مجالا للانفراد بأي خواص لأي طرف مصري ليختلف عن الآخر بصرف النظر عن الدين أو الأصل، وإذا حضر لدى الأغلبية الوزن فقط ذهب التعاقد، وانكمش التعايش، وتضاءل الاجتهاد، وأكثر فترات الفقهي الخاص بغير المسلمين ازدهارا مرتبطة بمدى اتساع فكرة التعاقد، بل وحاليا عندما اجتهد وأصل الأساتذة البشري والعوا في مقاربات غير المسلمين في المجتمع الإسلامي كانت في أوج علاقات الحوار والتشارك بين النشطاء الأقباط والإسلاميين .وتاريخيا كان عقل الأقلية عبر التاريخ مبني على التعاقد حق الحضور للأقلية مقابل حق المرجعية للأغلبية، حق المساواة والتمثيل، مقابل الهوية، أي أن المطلبية القبطية كانت تتمحور حول فكرة المساواة الكاملة صار المطلوب أمر آخر بخلاف المساواة،لكن هل قدمت الأغلبية القراءة والبديل الذي يستوعب هموم وهواجس الأقلية ، يجزم عدد من المفكرين الإسلاميين أن دورهم انتهى في تمهيد وتعبيد الطريق للتعايش والمساواة الكاملة، في تلك اللحظة يتبين أن أحد أهم إشكاليات التعايش في مصر، أن يكون للجماعة الوطنية أكثر من وعي لمنظومة وجودها وحركتها فما يراه المسلمون مؤسسا للعدل والمساواة من الخطر أن يكون عند الطرف الثاني داعما للظلم والانتقاص، والعكس أيضا، فنظرة كل طرف للأمر هو مؤشر في نظرة الطرف الآخر، وبالتالي من الواجب توضيح أن انشقاق الوعي يقود لانشقاق المصالح، وتلك هي عتبة الخطر الذي يجب ألا يتجاوزها الجميع.

	

	فالتعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر هو شأن مركب، بمعنى أن حالة التعايش الأساسية لم تنف وجود وعي جمعي سلبي، يمثل حالة النزاع والفتنة الذي يعترض مسيرة تاريخه.هذا الوعي تاريخي ظل موجودا وقابلا للاستدعاء في أي وقت أو لحظات معينة، ومن ثم إذا كان في الطرف الإسلامي أفكارا وحركات متعصبة، فسنجد أنه مع التيار المسيحي المندمج ثمة وعي خاص وتيار مزج الشهادة بالعزلة وينتج سلوكيات متعصبة، هذا الوعي يؤكد ويسترجع -خصوصا في مواقف الصدامات الدامية- سواء ما تم في تاريخ مصر الوسطى بحسب المؤرخ قاسم عبده قاسم، أو في الحقبة السبعينية، والمواجهات المسلحة الموجهة ضدهم من بعض الجماعات الإسلامية المسلحة، حيث رسخت تلك اللحظات هذا الوعي السلبي، ولا نختلف على تصوير هذا السلوك في الكثير منه في إطار رد الفعل من جانب بعض الأطراف المسيحية، لكن بات مهما إعادة رصد بعض المواقف والسلوكيات، حتى نفهم ونفرق ما هو فعل وما هو رد فعل وما هو اختيار لدى الطرفين، وكل طرح له تأثيره.

	

	الإطار الذي يجب أن تتحرك فيه أي مناقشة تخص شئوننا، سواء على المستوى الإسلامي أو المسيحي، حيث تنحاز هذه السطور لمفهوم الجماعة الوطنية بوصفه المعبر الحقيقي عن حالة التعايش المصرية، والمدخل المناسب للتعامل مع مكوناتها وأوزانها.وبالتالي التعامل مع المكون المسيحي بمؤسساته يجب أن يتم التعامل معه باعتباره شأنا وطنيا، وكذلك المكون الإسلامي مؤسسات وتياراته الحركية هي شئون وطنية ليس هناك طارئا أو ضيفا داخل تلك المكونات، المتداخلة مع بعضها البعض، ولا مجال لـ &quot;إما أو&quot;.   

	

	                          1

	

	كان لدي إحساس عميق بضرورة تعرفي على شخصية المسيح درست سيرته من أدبيات شتى ، لكن للقرآن معه شأن خاصة ميلاد السيد المسيح ، حيث الكون تسابيح وقلب مريم القانتة في تبتل.. هل ننسى هطول الفجر الهادئ الأنوس، وتساقط الرطب الجني.. &quot; قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) &quot;. مريم30-33)

	ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي عايش مجتمعا نصوصيا تحكمه الأساطير، وإنسانا ضالا سجين عذابات النفس والمرض.. أعمى وأبرص وأكمه لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم. فكان المسيح والزيت المبارك..

	

	فارتاحت الروح القلقة وذهبت الأوجاع، وارتفعت الأنفس من مجرد نقطة عتماء.. تنادي عتمات العالم أن اتحدي في مجتمع وتشكلي في مؤسسة دينية حرفت الكلم عن مواضعه.. فبذر المسيح الكلمة فأحيا الموت والموات بإذن الله.. فإذا النور يومض وينادي الأنوار الإبراهيمية لتتجمع في يقين يبحر في الأعماق لتصبح الأنفس متأهبة للدخول إلى عتبة التوحيد.

	

	كان بسيطا أضناه الشوق، وجميلا شفه الوجد، أما كلماته ولمساته الإعجازية فهي مزيج بين هذا وذاك.. يألف الحياة وتألفه.. من القران تستطيع أن تشف صورته، لتجد نفسك أمام شخصية مأنوسة الطلعة كما يقول العقاد ويحيط بها السلام من الميلاد إلى الممات إلى يوم يبعث حيا، تشرق روحه بالبر وتترشح من كلماته أنين الروح الغريب وطوبى للغرباء.. سريع الخاطر يقظ الكلمة رهيف العبارة.. وهي إما تشخص داء أو تصف دواء ويقدمها في بلاغة مدهشة كأنها قوارير من روح وريحان.

	

	نشا في يبت نجار في قرية خاملة بين شعب مقهور، ولبساطته الشديدة كان الاستغراب من اختياره مبلغا عن الله، نفس الكلام واجه كل نبي وذات السؤال :لماذا اختار الله هذا البسيط للرسالة؟؟

	

	عالم الاجتماع ماكس فيبر يرى أن الله لم يختر نبيا من طبقة رجال الدين بل من البسطاء المدنيين.. ولما علم أبو عامر الراهب أن الله سيبعث رسولا في مكة استلم صومعة وبات ساجدا ولكن عناية الله كانت تترصد محمدا الراعي اليتيم ليكون أبو القاسم الشاهد.

	

	كان يقول (السبت للإنسان لم يجعل الإنسان للسبت) حيث زالت عبادة الأيام وأبقى عبادة الواحد.. كل الأيام له.. لا لعبادة المواسم وهذا أبلغ نقد للشكليات.

	

	كما انه كان نقطة افتراق بين عالمين اليهود تجار الدين والأسرار ولا الرومان تجار الدولة والاستقرار (مملكتي ليست في هذا العالم ).. كان ضد الشراكة بين التاج والمذبح.

	

	(من اخذ السيف بالسيف هلك) فالمسيح على مذهب بن أدم الأول &quot; لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ&quot; المائدة 28، لكن الكنيسة أشعلت باسم المسيح حربا صليبية دامت 171عاما ومحاكم تفتيش لمدة خمسة قرون فتنوا فيها المؤمنين والمؤمنات، وعندما يموت الدين تحيا الطقوس، وبتواري الإيمان تطفو العاطفة الدينية والتي باسمها يحال بين الإنسان واختياره وتمثل مسرحية تسخر من الرسول، ولأجلها يرد مجنون بطعن راهبة مسنة وتحرق كنائس وصلوات، وبدعواها ــــ تذكر العاطفة ــــ يحرق السنة والشيعة مساجدهما وتقطع المصاحف..

	

	مجرد أجساد ذات خلايا عصبية تنتظر التحريض لينطلق مركب الشراسة، وإذا ماتت الفكرة بزغ الصنم، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان كما يقول المسيح.. إنما بالمعاني والأفكار كما يرى مالك بن نبي.

	

	يوم السبت وقف المسيح يعظ حاشية الدولة فقرروا جميعا أنه خالف الشريعة لأنه يجلس إلى القذرين، وأنه يمارس العمل يوم السبت، وكان جوابه: إذا سقط خروف لأحدكم في النهر يوم السبت أيتركه أم ينقذه؟ أو ليس الإنسان أهم من الخروف؟؟ أنه قذر في أعينكم ومريض في عيني.. أنا في خدمة المرضى وليس الأصحاء.

	

	الانحراف أمراض اجتماعية تحتاج العلاج قبل العقاب. والعلاج على يد المسيح انطلق من ضرورة تحرير الإنسان من جذبة الأرض بصدمه روحية قوية.. في عبارة وميضة أو مثل بقلب فيه المنطق المعتاد.. فقبل رجم الزانية أمرهم أن يعودوا لأنفسهم لا شيء في الخارج.. المسالة فينا (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) لأن الله (لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

	

	كل هذا يجعلنا نقترب كثيرا من مفتاح شخصية المسيح وهو الوداعة (طوبى للودعاء الرحماء)، فالرحماء يرحمهم الله، ومن لا يرحم لا يرحم، ورحمة الله وسعت كل شيء كما يقول القران وشمسه تشرق على الأشرار والأبرار كما يردد المسيح.

	

	حتى المسيحية المعاصرة مؤسسة على قاعدة الحب المطلق كما يقول متى المسكين وهو مفترض حب للجميع دون النظر للديانة، نفس القاعدة في الإسلام ولكن التأسيس للعدل المطلق كما يقول الشيخ هاني فحص ولو على حساب الأقربين.. فكيف يقتتل العدل مع الحب (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) الرحمن 7.

	يقول المسيح: &quot;أيها السامعون، أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، أدعوا لمن يسيئون إليكم. من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر. ومن أخذ رداءك فامنحه ثوبك، وكل من سألك فأعطه. ومن أخذ ما في يدك فلا تطالبه، وما تريدون أن يصنعه الناس لكم أصنعوه لهم انتم. وأي فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ إن الخطاة ليحبون من يحبهم.. بل تحبون أعداءكم وتحسنون وانتم لا ترجون أجركم.. إن أخطأ أخوك فوبِّخه، وان تاب فاغفر له، وان اخطأ إليك سبع مرات وتاب إليك سبع مرات فتقبل منه توبته&quot;.

	

	لم يؤسس المسيح كنيسة ولا الحواريون إنما أسسها بولس ولم يكن حواريا ولم يلتقي بالمسيح كما يقول ويلز في(معالم تاريخ الإنسانية) ولكن الأفكار السلامية والمقاومة السلمية باتت ملكا للجميع بل وسنجدها مستبطنة داخل دعوة الرسول السلمية في مكة وفي مقولة أحدا أحد لبلال، او مع غاندي الذي ارتدى الخيش الهندي مرددا مع المسيح (الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس).

	

	أو في ارتفاعه مارتن لوثر كينج محرر الزنوج عندما كان ينادي (لدي حلم) أو(مملكتي ليست في هذا العالم) أو المناضلة السوداء روزا باركس التي تحملت الضرب ورفضت ترك مقعدها في الباص في إحدى الولايات الأمريكية التي تحرم جلوس السود ووقوف البيض (أيها القادة العميان تحاسبون على البعوضة ويبتلعون الجمل). وليس منه بالتأكيد كهنة الزيف والكراهية ولا بوش الذي يؤمن أن بيجن وشارون هم مقدمة مجيء المسيح..!!! ولا القس الأمريكي جيري فولويل الذي قال: &quot;إن الوقوف ضد إسرائيل هو وقوف ضد الله&quot;.. ونسي أن المسيح كان يردد ليهود (لو كان أباكم إبراهيم لعملتم عمله).

	

	كان المسيح كما يقول ويلز أشبه بصياد أخلاقي رهيب. أعتزل السلطة وتنحى لها عن ميدانها إلا أنها لم تتركه كما يقول العقاد حيث أقبلت عليه الجموع حتى أحست السلطة.. لاسيما سلطة الدين قبل كل شيء الخطر من ذلك الداعية المحبوب.. وكل داعية محبوب خطر على سلطة التقاليد.. ووقع الاشتباك الحتمي بين سلطة شعارها المبالغة في الاتهام والعقوبة، وبين دعوة شعارها التوبة والغفران.. إما المؤسسة.. وإما المسيح.

	

	

	                         2

	كنت دائما أتساءل هل ثمة فرق بين تدين وتدين ؟؟ هل للتدين أنماط وتجسدات تختلف بحسب الظروف والملابسات ؟ متى تنشط موجات التدين ؟ ومتى تخفت ؟ لماذا ينتعش نمط تديني معين في فترة ما ويتوارى نمط آخر ؟؟ ماذا نفهم مثلا من اكتساح الشارع المصري لموجة من التدين السلفي، ومحاولات بعض الأقباط تغيير طوائفهم الدينية ؟؟ وأن يتجول بعض الشباب المسيحي بحثاً عن نمط وعظي يحقق لهم إشباعا روحيا واجتماعيا؟؟ ويبدو السؤال الملح لماذا تعود العذراء من جديد على قباب الكنائس الأرثوذكسية ؟؟ ولماذا يفضل البعض التدين الحركي في فترة ما ثم ينصرفون عنه في فترة أخرى ..؟ السؤال لا يستدعي تحليلا علميا لنمط التدين الرسمي في صوره الرسمية والمؤسسية أو الحركية ،بل نمط لتدين شعبي يظهر ويختفي و يتشابه لدى المسلمين والأقباط ، وهو التشابه الذي لاحظه كل دراسي تراث الاعتقاد المصري الشعبي ؟؟

	

	                             

	

	من المهم أن نعرف أن الظواهر الدينية لها جذرها الكتابي والنصي، ولكنها لا تنكشف إلا في أجواء اجتماعية وثقافية، وعندما يتجلى الدين في تلك المكونات يصبح من المهم دراسة الوعاء الحاضن للظاهرة الذي يوجه مساراها، ويجسد تجليها سواء كانت فعلا أو ردا لفعل.. ومصر منذ أكثر من أربعين عاما واجهت موجات من التدين ، يبدأ بموجات روحية شديدة الانفعال، ثم تستقر في تدين عقائدي منظم قائم على الحشد،  ثم يدخل في مرحلة ترشيدية تقنن فيها الخبرة والرحلة الدينية .. هو ليس تصنيف حدي بل متداخل أحيانا،لكن هذا لا يمنع من تمايز وسطوة لنمط تديني على نمط آخر ويمكن رصد أنماطا من التدين بدأت أولى معالمها قبل نكسة 67 بقليل ..وهذه السطور تستعرض وتتقصى تحولات موجات التدين في الشارع المصري في تلك الفترة.

	

	في يوم الثلاثاء 2 ابريل الموافق 1968 تكرر حدوث ما يعرف بظاهرة العذراء على جدران وقباب بعض الكنائس الأرثوذوكسية، وصاحب هذا الأمر ضجة عارمة، مست الرأي العام، أدت إلى نزوع القيادة السياسية نحو هذا الولع؛ فقام الرئيس الراحل عبد الناصر بزيارة لكنيسة الزيتون تحريا لظهور العذراء ، داخل حرصه الديني العام الذي شاب بعض سلوكياته السياسية في تلك الفترة، في الصلاة بمسجد الحسين وحضور بعض المناسبات الدينية.قال البيان البابوي الصادر في 4 مايو من نفس العام &quot;صاحب هذا الظهور أمران هامان : الأول انتعاش روح الإيمان بالله والعالم الآخر والقديسين واشراق نور معرفة الله على كثيرين كانوا بعيدين عنه ، مما أدى إلى توبة العددين وتغير حياتهم &quot;. وعندما سئل الانبا غريغويوس أسقف البحث العلمي وقتها عن سبب ظهور العدرا قال &quot;لأجل تعزية المصريين في محنتهم&quot; في تلك الآونة عاد رفات مارمرقس الرسولي من روما، وفي احتفاء مهيب دفن في القاهرة ، يتوج هذا النزوع الروحي الذي دب في الكنيسة .

	

	وفي نفس الفترة كان السوسيولوجي سيد عويس عاكف على دراسة وتحليل ظاهرة إرسال الرسائل إلى الإمام الشافعي وهي ظاهرة تفجرت في المجتمع المصري في تلك الفترة ، وخرجت نتائج عويس التي حللت مضمون تلك الرسائل أنها تهدف إلى تحقيق الآمال وتخفيف الآلام والمظالم.

	

	وعلى المستوى الحركي كان سيد قطب قبل ذلك بسنوات قليلة يحذر البشرية في معالمه من الهاوية، وأن المجتمعات المسلمة دخلت في نفق الجاهلية ، ولا خلاص إلا بالقاعدة المؤمنة النقية، وكانت زينب الغزالي ترى في أيام من حياتها أنه في رؤية تدبيرية إلهية أمام تلك القاعدة المؤمنة ثلاث عشر سنة حتى يتم تمكينها.. وكان طبيعيا بعد ذلك بقليل أن يذهب الشيخ عبد الحليم محمود كما أشيع حينها للرئيس السادات ليبشره بالنصر بناء على رؤية من الرسول ص ..كما تزعم الراويات.

	

	 بدا أن ثمة نزوعا نحو السماء ، يخلب لب الجميع ، كانت هزيمة 67 ضربة عسكرية وروحية أيضا ، أحدثت فراغا وانكسارا ، وتفكك اليقين وانقشعت الأسطورة ، وضاقت الأرض بما رحبت ، أصبح مهما الارتهان بمثل أعلى لتجاوز احباطات الواقع وانتكاساته، وتم تجديد النضال من أجل عقيدة أوضح من الوطن، وانتهاج رسالة أسمى من النهضة، لاسيما أن هذا الارتهان يجعل الفرد يعيد قلب العلاقة بالمحيط ويتبادل معه الدور، ليستهوي الكومبارس دور البطولة، أدان الجميع سلطة مستبدة ومجتمع فاسد وضال، التي أدت إلى هزيمة كبيرة، والحل الإسلام أو الكنيسة وجماعة المؤمنين نقية الشعور في مجتمع ملتبس كما يقول سيد قطب، أو نقية المجتمع داخل صحراء شاسعة كما فعل شكري مصطفى .

	

	لجأ الشعب ساعتها للدين، لم يكن أمامه مشروع او بديل آخر سياسي أو ثقافي ، كان الدين والتدين ضرورة، بل والبعض يظن أن ذلك تم في المجال الاسلامي، ولكن في نفس التوقيت،بدأت تلوح بوادره عند الكنائس المسيحية بكل طوائفها ، في بعث روحي شديد ،فكان &quot;درس الجمعة&quot; داخل الكاتدرائية العباسية ذا أهمية كبيرة في التثقيف القبطي، وصار مناسبة مهمة في حياة الكنيسة القبطية وكان الألوف يتقاطرون لسماع أسقف التعليم الأنبا شنوده، الذي صار كاريزما للشباب القبطي خاصة بعد عام 1967م؛ إذ كانت عظاته تعالج الجوانب الاجتماعية والسياسية في قالب ديني.وتضخم لدي المتدين العام الحس الخوارقي والغيبي واليقين السماوي الشديد، وكل جماعة دينية وطرق تجليها، فمثلا في الإيمان الأرذثوكسي يؤمنون بالشراكات مع القديسين والراحلين، وأن العلاقة لم تنته وبالتالي مثل هذه الظواهر كثيرا ما يتم تناقلها ، الأمر مختلف لدى البروتستانت ، وكل قدّم خلاصه المختلف ، وعمق الراحة المنشودة في وجدان مريديه ، صار الترابط ليس مع مجموع الأمة بل داخل جماعة صغيرة منسجمة قليلا منعزلة أكثر، داخل الكنيسة لا جماعات المؤسسة هي الجماعة الاكبر وداخلها دوائر ،أما في الإسلام يد الله مع الجماعة.

	

	                          

	ومع بداية عقد السبعينيات بدأت مرحلة العقيدة صار المسرح معدا للجيل الجديد في الكنيسة، والحركات الإسلامية فقد تغيرت القاعدة الاجتماعية وسيطرت على المشهد وجوه شابة مثقفة، استفادت من التدوير الاجتماعي الناصري؛ وتبدلت تركيبة القيادة داخل المجتمع المصري.ربما تصح مقولة &quot;لن يصبح الأقباط أيتاما بعد اليوم&quot; عنوانا لتلك المرحلة في حياة الكنيسة المصرية، حيث بدأت عملية التوحد بين الكنيسة وشعبها تتجسد فعليا في حيز الواقع تغذيها غريزة الاحتماء والأمان، لتصبح خط الدفاع الأول.

	

	صاحب هذه التغيرات الهيكلية تغير مناخي عام حيث صار الدين هو الملاذ الوحيد للمصريين الذين حولوا أنظارهم تجاه القيادات الدينية الجديدة من أجل أن تمارس استحقاقات المرحلة، وارتفعت وتيرة الفخار بالقساوسة الذين لا يخافون ويدافعون عن العقائد سرًّا وجهرًا،وانتشرت أسماء القديسيين المضطهدين والمقاومين.

	

	كانت معالم التدين في تلك المرحلة حركيا، والعمل وسط الشباب والحركة داخل الجامعة وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، وكل دين وله حركته ،وله تفسيراته الحركية الخاصة ، فكانت لجنة التوعبة الدبنبة الطلابية الإسلامية ، والاسرالقبطية والاكشن جروب البروتستانتية ، وكل حركة بقدر ما محافظة أكثر هي سلفية أكثر وأكثر، كان غالي شكري يلاحظ أن جماعة الأمة القبطية لم تنته ولم تنفصل عن ذهنيات بعض الأقباط، ويرى أنها ظلت وجدانًا هائمًا، وتبحث عن البدائل للتواجد والتجسد، وهي تتوارى خلف أي جماعة انعزالية، حيث يعاد إنتاجها من جديد، وهو ما ظهر جليًّا في خطاب أقباط المهجر في السبعينيات .

	

	وهو تدين وعظي روحي شديد الانفعال نشط فيه عدد من الوعاظ كشك والمحلاوي وذكريا بطرس ومنيس عبد النور، يقدمون عدداً من الشعارات والتفسيرات الدينية حول الخلاص والتوبة والفلاح بالعودة إلى الله ،أو الامتلاء بروح القدس ، أو التكريس الكامل لله ، وعظ هدفه إزاحة قلق الجماهير وتوترها .

	

	وهو تدين شبابي يقوده شباب مع الشباب وازدهرت في تلك الفترات المعسكرات الروحية لدى الإسلاميين والمسيحيين عبر المعسكرات والمؤتمرات التي كانت تقيمها الكنيسة الإنجيلية من أجل الشباب في بيت السلام بالعجمي والذي لعب دوراً كبيراً في هذه الصحوة، حيث كان يختلي الشباب مع القادة الدينيين من أجل النهوض بهم روحياً وثقافياً.

	

	وهو تدين المواجهة العنيفة الذي برز فيه التيارات الجهادية ،ورموزه المطورة لأفكار سيد قطب ومن رموزه صالح سرية وحزب التحرير وجماعة الفنية العسكرية وعبد السلام فرج وسالم رحال وعبود الزمر وازدهار تدين خلاصي حالم &quot;مهدوي&quot; جذري الرؤية والوسيلة .وفي عام 1972م، ولعلها المرة الأولى التي تحرك فيها الأقباط في مظاهرة من 400 شخص يريد 100 منهم ملابس دينية كهنوتية بعد أن اتفق مجمع الكهنة بالقاهرة بإقامة الصلوات بمقر الجمعية التي أحرقت بالخانكة سيرا على الأقدام مرددين التراتيل وقال البابا: &quot;قررت ألا تراني الشمس آكلا أو شاربا حتى تحل المشكلة&quot;، وكان اللافت هو التعبير بالاحتجاج من خلال طقس ديني، وتلك كانت بداية ترانيم الاحتجاج البابوي التي تكررت في مسيرة البابا شنودة..

	

	

	                             ـ 3ـ

	

	ومن ثم مر التدين في الستينات والسبعينات من خلال نافذة الروح الصاعدة، ثم العقيدة وفي الثمانينيات والتسعينيات بات التدين في معظمه يدخل في عملية الترشيد، يعود ثانية إلى الأرض، والتخلص من الخيال والأسطورة ويدخل في مرحلة التقنين والوضع، ظهر على المشهد القبطي حركة أسقفية الشباب التطور الطبيعي لحركة مدارس الأحد بقيادة الأنبا موسى وخطابه الديني الإرشادي الذي يعيد شرح ما استغلق على الشباب من أمور اللاهوت ،فإذا كان خطاب البابا يربط الشباب بالكنيسة فإن الأنبا موسى يحاول ربط الشباب بمتغيرات العالم، واحتلت قضيتي الاغتراب والانتماء مكاناً بارزًا في نصوصه وعظاته كما يقول السيوسيولجي أحمد زايد .حاول إبان أزمة البابا مع الدولة أن يعيد تجسير الفجوة بين الكنيسة والنخبة المثقفة ،أسس أسقفية الشاب ومن خلال مجموعة من الشباب أبرزهم المفكر والباحث سمير مرقس ومجموعة العدالة والسلام لكاثوليكية والأساتذة نبيل مرقس وجورج عجايبي .

	

	وعشرات آخرون بدأت تتجدد شرايين الكنيسة والجماعة القبطية بعمل ثقافي حواري يتحاور مع قضايا العالم المعاصر بشكل مباشر، وبدا تأسيس الخطاب الديني الحقوقي المكافح من أجل المواطنة وفق الجماعة الوطنية الذي قاده هؤلاء الشباب ورعاه المستشار وليم سليمان قلادة العائد من أرضية اليسار إلى الدين مع عودة المستشار طارق البشري وعدد من المفكرين &quot;التراثيين الجدد&quot; كما سماهم البعض، وظهرت كتابات حسن العشماوي، والدكتور محمد عمارة ، والأساتذة عادل حسين وفهمي هويدي ، والمسيري ومدرسة أسلمة المعرفة، وتيار المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وشركات توظيف الأموال والاقتصاد الاسلامي، وهي التغيرات التي أثرت على التيارات الدينية الإسلامية فاتجهت نحو الواقعية والعقلانية التنظيرية، لاسيما مع تحولاتها نحو العمل السياسي والنقابي، وشهدت ذروتها مع تأسيس حزب الوسط .وهو ما واكب تأسيس القس صموئيل حبيب منتدى حوار الثقافات داخل الهيئة القبطية الانجلية في بحث عن عن دور وأرضية للقاء القادة الدنيين والفكريين لمناقشة قضايا الدين والتنمية والعنف والمرأة ، وإقامة المؤتمرات والندوات المتخصصة.. وعرف المجتمع الانجيلي ليس في صورته المنعزلة الروحية بل في تدين اجتماعي منفتح ،وهي الفترة التي قويت الجماعات الدينية العنيفة في عراكها مع الدولة وشهدت جولات دامية شديدة. وردت الدولة بقوة ونجحت في الإحاطة بتلك الظاهرة إنتهت بالمراجعات للعمليات الجهادية وللمقولات المؤسسة للعنف والتكفير .

	                         ـ 4ـ

	ومع نهاية التسعينات تجددت لحظة تاريخية وجيل جديد من الشباب نشأ في مدرسة الحياة الرغيدة، ومنخرط في أسلوب معيشي مختلف عن الأجيال السابقة ولديهم حاجات روحية ونفسية عميقة.. وفي نفس الوقت هم شباب ذوى جرأة وثقة بالنفس وأذكياء ولا أحد يخاطبهم ، وهنا يمكن التركيز على نموذجين من الدعاة الجدد الذين نجحا في مخاطبة تلك الاحتياجات ..هما القس الانجيلي سامح موريس وعمروخالد.. موجة من التدين الليبرالي داخل مرحلة الترشيد والنظام.

	

	                        ـ 5ـ

	وهنا يبدو السؤال مع هذا التوالي في ظهور العذراء في أي موجة نحن..هل نحن نعيش في مناخ قريب مما حدث في فترة النكسة وما بعدها ؟ وعندما ندفع بالسؤال في عمق الرائي، يتحول المشهد من الغيب إلى المشهود، فليس المهم ،هو حقيقة الظهور من عدمه ، بل الأكثر أهمية حقيقة المشاهد ، الناس شاهدوا العذراء، هم يصرون على ذلك ، ولا تعني المشاهدة أنها ظهرت، لكن يعني أننا أمام مشاهد لديه احتياج لمعجزة، وعطش لدعم روحي واجتماعي وهذا الاحتياج هو الذي أدى لهذه القناعة ، هل ثمة أزمة روحية شديدة تمس الكيان المصري، ورابط بين صعود أدوار الحشود والتكتلات الجماهيرية من جهة وعقيدة المخلص في المجتمع الشرقي في أوقات الأزمات الوطنية ..كما يتساءل الباحث العراقي فاضل الربيعي.ما وجه الشبه بين أيام ما بعد 67 و الآن ، بدأت الظاهرة روحاً في الستينات ثم عقيدة في السبعينات ثم نظاماً فيما بعد ذلك ،عادت الروح من جديد بظهور العذراء مع أن المسيح قال :&quot; طوبى لمن آمن ولم ير&quot; ....

	
</fulldescription>
<pubDate>Tue , 19 Mar 2013 06:00:11 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/437/-مقدمة-كتاب-فتنة-طائفية-أم-شرارة-الصراع-على-الهوية.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>التغيير الآمن: مسارات المقاومة السلمية  من التذمر إلي الثورة</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/436/التغيير-الآمن-مسارات-المقاومة-السلمية--من-التذمر-إ.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/3/19/2013-634993147581185825-118_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
تتمثل أهمية هذا الكتاب في محاولته تقديم مفهوم المقاومة بمعناه الواسع. فيؤكد  المؤلف علي أن المقاومة ليست مرهونة فقط بالعنف والرصاص والدم، ولا محصورة في خوض المعارك وممارسة القتال. فهناك جبهات أخري تدور عليها المواجهة لا تقل أهمية عن التصدي للمستعمر، وصيانة استقلال الوطن وحريته. وأولي جبهات المقاومة، مقاومة الحاكم الجائر لرده عن الظلم والطغيان، ودفعه إلي إقامة العدل الذي هو أساس الملك، فالعدل تتقدم به أمم حتى ولو كانت فاسقة، بينما تتردي من دونه أمم حتى ولو كانت مؤمنة. </description>
<fulldescription>

	
		
	
		
	
		
			
		
			المؤلف: د.عمار على حسن
		
			القاهرة: دار الشرق، الطبعة الأولي 2102
	
	
		


	
		تتمثل أهمية هذا الكتاب في محاولته تقديم مفهوم المقاومة بمعناه الواسع. فيؤكد المؤلف علي أن المقاومة ليست مرهونة فقط بالعنف والرصاص والدم، ولا محصورة في خوض المعارك وممارسة القتال. فهناك جبهات أخري تدور عليها المواجهة لا تقل أهمية عن التصدي للمستعمر، وصيانة استقلال الوطن وحريته. وأولي جبهات المقاومة، مقاومة الحاكم الجائر لرده عن الظلم والطغيان، ودفعه إلي إقامة العدل الذي هو أساس الملك، فالعدل تتقدم به أمم حتى ولو كانت فاسقة، بينما تتردي من دونه أمم حتى ولو كانت مؤمنة. ويوضح المؤلف أن المقاومة تأخذ أشكالا متعددة عبر التاريخ، منها ما لجأ إلي أقصي درجات العنف والدم كالثورتين الفرنسية والبلشفية، ومنها ما كان مقاومة سلبية نجحت في تحقيق الغرض منها من دون أي عنف مثل حركة المقاومة التي قادها الزعيم الهندي غاندي ضد الاحتلال الإنجليزي لبلاده.
	
		والجبهة الثانية للمقاومة هي مقاومة الأفكار المتخلفة والتقاليد البالية والأعراف المتحجرة المغلوطة، وهذه الجبهة هي الأكثر تأثيرا علي مدي التاريخ الإنساني، فعطاء المفكرين والعلماء لا يحدث تغييرا فوريا، ولكن يكون تأثيره متتاليا ومتراكما علي مدي زمني طويل علي حركة المجتمع نحو التقدم الأخلاقي والاجتماعي. ويحفل التاريخ البشري بمقاومين من هذا النوع. وإذا كان البعض منهم لم يجد صدي سريع لأفكاره علي قيد حياته، فإن ما تركه لم يذهب جفاء، بل مكث في الأرض، وانتفع به الناس، حين ساعدهم علي التخلص من عادات سيئة وأفكار خاطئة. ويشمل التغيير من وجهة نظر المؤلف مقاومة الأفكار التي لا تنتمي للمستقبل والتقاليد المعطلة لحركة التقدم والتي يسميها (الأعراف المتحجرة) التي لا تقل خطورة عن الانتفاضات والتمردات العنيفة والتي ربما تحدث أثرا سريعا ولكنها لا تؤدي إلى تغيير اجتماعي حقيقي أو ديمقراطية تمكن الجماهير من صنع القرار. ويؤكد المؤلف علي أن معطيات التاريخ تقول إن النخب التي تقفز إلى الأمام في ظل الأوضاع التي تعقب الثورات والهبات يمكن أن تعود إلى ممارسة أشكال مختلفة من الاستبداد والفساد.
	
		أما الجبهة الثالثة فهي مقاومة أو مجاهده النفس التي هي أماره بالسوء، والحرص علي ألا تفقد النفس نخوتها فتسقط في التبلد واللامبالاة، والعمل علي بناء النفس الواثقة الثابتة الوفية الصابرة، مما يجعل صاحبها سويا وايجابيا بما يمكنه من أن يؤدي دوره باقتدار علي جبهات المقاومة الأخرى.
	
		ويوضح المؤلف أن الكثيرين يعتقدون أن المقاومة والسلام خصمان لدودان، وطريقان متوازيان لا يلتقيان أبدا. ومثل هذه الرؤية تنحدر بالسلام إلي مستوي الاستسلام، أو الخمود والقعود الكاملين، وهما ما ليس من السلام في شئ. ويري المؤلف أن السلام لا يمكن تحقيقه من خلال (قوة القهر المنفرد) تحت دعوى أن هذا من قبيل الواقعية السياسية، ولا من خلال ( قوة القانون) لان القوانين في النهاية يسنها الأقوياء لتحقيق مصالحهم، ولا حتى عبر ( قوة الاتصال) مهما قام الداعون للسلام بتنمية مهارات تحليل الصراعات وصياغة إستراتيجيات للتواصل والتحاور والتفاوض.
	
		ويتناول المؤلف جوانب من ثورات الربيع العربي مؤكدا علي أنها تثبت للعالم أن العرب مازالوا أحياء بدليل نجاح الثورة التونسية في خلع الرئيس زين العابدين بن علي (بعيدا عن أعين الكاميرات) بسبب منع وسائل الإعلام من متابعة الاحتجاجات التي انطلقت من مدينة سيدي بوزيد. وينفي المؤلف عن الثورات العربية أنها صناعة أجنبية أو تم تدبيرها والتخطيط لها في دوائر المخابرات الغربية أو أنها جزء من سياسة الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، ويشير إلي أن الثورات العربية قد أسقطت بعض التصورات التي شاعت في العلوم السياسية والاجتماعية عن ( نهاية عهد الثورات) والتي قامت علي مقولات متسرعة تري أن صندوق الانتخابات بات بديلا عن الثورة. ويؤكد المؤلف أن الشعوب بوسعها أن تغير حكامها في عمليات منتظمة ومحددة إذا وجدت فيهم تقاعسا عن الإنجاز أو فسادا واستبداد.
	
		ويري المؤلف اختلاف كل ثورة عن الأخرى، فكل منها حالة فريدة في ذاتها وليس بوسع أحد أن يعتقد أن للثورات طريقا واحدا في التطور والارتقاء وأن غاياتها ومقاصدها مأمونة ومضمونة في كل الأحوال. إلا انه هناك عدة أمور مرتبطة بالثورات، رسخت من تكرارها إلي درجه أنها أصبحت قواعد عامة، ومنها:
	
		إن التعريف البسيط والمباشر والدال للثورة هي أنها (عملية تغيير جذري)، كما أن الثورة هدم وبناء.
	
		الثورة عمل حتمي لأنها لا تقوم إلا إذا كان المجتمع مهيأ لها تماما، فأي ثوره تسبقها فترة تخمر يصل فيها الاستياء من أداء السلطة إلي منتهاه ويكون المجتمع مستعدا للانفجار في وجه أهل الحكم.
	
		لا تقوم ثورة في أي مكان وأي زمان إلا وقامت ضدها حركات وتدابير تهدف إلي إفشالها عبر احتوائها تدريجيا وتفريغها من مضمونها أو حتى من خلال ممارسه العنف المفرط ضد الثوار. وحين تفشل الثورة تدفع قيادتها ثمنا باهظا.
	
		الثورات موجات، فلا يحكم علي الثورة نجاحا أو فشلا بمجرد تقيم موجه واحده لها
	
		لم يكن ولن يكون الثوار علي درجه واحده من الولاء للثورة ولا يقفون منها عاطفيا وعقليا علي قدم المساواة
	
		قد تختلف الأسباب التفصيلية والصغيرة التي تؤدي إلي اندلاع الثورات، لكن الأسباب العامة والأساسية تتشابه إلي حد كبير .
	
		كما حاول المؤلف أن يوضح انه لا توجد دولة واحده في العالم تتمتع بتجانس اجتماعي تام، فكل الدولة تكونها أشتات من البشر، إن لم تكن قبائل فهي طوائف أو أعراق أو طبقات أو مذاهب أو شرائح أو لغات ولهجات مختلفة، ناهيك عن تعدد الهويات والثقافات الفرعية داخل كل ثقافة أصلية. بل إن الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا في عالمنا المعاصر- وهي الولايات المتحدة الأمريكية- عبارة عن 
	
		الطوعية: فالاندماجات التي تتم قسراً لا يمكنها أن تعيش طويلا. فضلا عن الخصائص البنيوية المشتركة: وهي تتوزع علي مسارات متعددة تؤدي جميعا إلي تماسك .
	
		الإطار العادل: فالدستور الذي يحكم التصورات والممارسات داخل الدولة يجب ألا يفرق بين المواطنين علي أي من الاختلافات القائمة بينهم، بل تسوي نصوصه بين الجميع في الحقوق والواجبات. ولو حمل دستور بلد أو قوانينه ما يميز بين مواطنيه علي أي من أسس الاختلاف فإن هذا أمر خطير.
	
		الرابطة العاطفية: فمن الضروري أن تكون هناك نقطه موحده تنجذب إليها مشاعر الجماهير، وهي تتطلب إجراءات ملموسة في الواقع تغذي الانتماء.
	
		المشروع السياسي والحضاري المشترك: فحضور هذا المشروع بشكل طوعي، واشتماله علي القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح وفئات المجتمع، يؤدي بهؤلاء جميعا إلي التوحد والانصهار.
	
		


	
</fulldescription>
<pubDate>Wed , 13 Mar 2013 04:12:41 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/436/التغيير-الآمن-مسارات-المقاومة-السلمية--من-التذمر-إ.aspx</guid>
</item>
<item>
<title>انتهاكات حقوق الإنسان‮  ‬فى سوريا‮..   ‬دراسة حالة لمدينة درعا‮ ‬</title>
<link>http://democracy.ahram.org.eg/News/435/انتهاكات-حقوق-الإنسان‮--‬فى-سوريا‮---‬دراسة-حالة-ل.aspx</link>
<description>
&lt;img src=&quot;http://democracy.ahram.org.eg/Media/NewsMedia/2013/3/11/2013-634986156489307755-930_resized.jpg&quot; alt=&quot;&quot; title=&quot;&quot; /&gt; &lt;br /&gt;
هدفت هذه الدراسة إلى استطلاع آراء عينة من المدرسين في‮ ‬المرحلة الثانوية نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬تبعاً‮ ‬لمتغيرات الجنس والاختصاص ومكان الإقامة،‮ ‬كما هدفت الدراسة إلى معرفة التداعيات التربوية التي‮ ‬عكستها انتهاكات حقوق الإنسان على أطراف العملية التربوية والتعليمية،‮ ‬خاصة المدرسين والطلبة بوصفهم حجر الزاوية في‮ ‬النظام التعليمي‮. </description>
<fulldescription>

	

	نشرت هذه الدراسة في العدد 47 - يوليو 2012

	

	

	هدفت هذه الدراسة إلى استطلاع آراء عينة من المدرسين في‮ ‬المرحلة الثانوية نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬تبعاً‮ ‬لمتغيرات الجنس والاختصاص ومكان الإقامة،‮ ‬كما هدفت الدراسة إلى معرفة التداعيات التربوية التي‮ ‬عكستها انتهاكات حقوق الإنسان على أطراف العملية التربوية والتعليمية،‮ ‬خاصة المدرسين والطلبة بوصفهم حجر الزاوية في‮ ‬النظام التعليمي‮. ‬ومن أجل ذلك صمم الباحث استبانة تكونت من‮ (‬24 فقرة وزعت على خمسة أبعاد بعد أن تم التأكد من صدقها وثباتها‮. ‬وقد تكون المجتمع الأصلي‮ ‬للدراسة من جميع مدرسي‮ ‬ومدرسات محافظة درعا البالغ‮ ‬عددهم‮ (‬4800 اختير منهم عينة ميدانية مكونة من‮ (‬700 مدرس ومدرسة‮ ‬يشكلون نحو‮ ‬15٪ من مجتمع الدراسة الأصلي‮. ‬وبعد تطبيق أداة الدراسة على أفراد العينة وإجراء المعالجات الإحصائية اللازمة،‮ ‬أظهرت نتائج الدراسة موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها تم ارتكابها من قبل النظام السياسي‮ ‬في‮ ‬سوريا،‮ ‬والمتمثلة في‮ ‬انتهاك حق الحياة،‮ ‬والحق القانونى،‮ ‬وحق ممارسة الحياة الدينية،‮ ‬وحق حرية الرأي‮ ‬والتعبير‮. ‬كما أظهرت نتائج الدراسة الميدانية عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في‮ ‬وجهات نظر المدرسين والمدرسات نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان السابقة الذكر في‮ ‬محافظة درعا تبعاً‮ ‬لمتغيرات الجنس والاختصاص ومحل الإقامة‮. ‬

	أولا‮: ‬الإطار النظرى‮: ‬للدراسة‮:‬

	فكرة حقوق الإنسان فكرة قديمة اتجه إليها حكماء العصور الماضية وحمل لواءها الفلاسفة الرواقيون منذ القرن الثالث قبل الميلاد،‮ ‬حين أهابوا بالإنسانية أن تُحرر نفسها مما‮ ‬يفرق بين الإنسان وأخيه من فروق اللغات والأديان والأوطان،‮ ‬ونظروا إلى الناس جميعاً‮ ‬وكأنهم أسرة واحدة قانونها العقل ودستورها الأخلاق‮. ‬وكذلك اشتهرت الحكمة الكونفوشيوسية بتمجيد قيم العدل والإخاء والسلام بين البشر حيث قال حكيمها‮: ‬لا تعامل الآخرين بما لا ترغب في‮ ‬التعامل به مع نفسك‮. ‬كما ركزت تعاليم بوذا على قيم العدل والمساواة،‮ ‬ومما جاء عنها قوله‮: ‬لا فرق بين جسم الأمير وجسم الفقير ولا بين روحيهما،‮ ‬فكل منهما أهلٌ‮ ‬لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في‮ ‬تخليص نفسه‮. ‬وقد عرفت بابل شموخ مملكتها في‮ ‬عهد الملك حمورابي‮ ‬الذي‮ ‬جاءت قوانينه بتشكيل الحكم وصبغه بالعدل،‮ ‬وإبعاد حكم الاستبداد والطغيان‮. ‬ومما جاء عن الحضارة الفرعونية المصرية أن الإله‮ &quot; ‬رع‮ &quot; ‬إله الشمس حكم مصر بقانون قال إنه جاء به من السماء أطلق عليه اسم‮ &quot; ‬ماعت‮ &quot;‬،‮ ‬وهو‮ ‬يقوم على العدل بين الناس وإحقاق الحقوق‮.‬

	من جهة أخرى،‮ ‬تلتقي‮ ‬الديانات الإبراهيمية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام على رسالة تحرير الفرد والمجتمع من العبودية،‮ ‬بتحريرهما من الجهل وصونهما من الظلم،‮ ‬وتمكينهما من مختلف الحقوق والواجبات الدنيوية وما بعدها‮. ‬وكذلك فعل في‮ ‬العصر الحديث الفيلسوف الإنكليزي‮ ‬برتراند راسل في‮ ‬كتابه‮ &quot; ‬آمال جديدة في‮ ‬عالم متغير الذي‮ ‬أشار فيه إلى‮ &quot; ‬أن بقاء الحضارة الإنسانية مرهون بإنشاء الحكومة العالمية التي‮ ‬عليها أن تعمل على إرساء فكرة السلم العالمى،‮ ‬واحترام حقوق الإنسان،‮ ‬والتوسع في‮ ‬فكرة المواطنة العالمية‮.(‬راسل‮ ‬،‮ ‬د‮. ‬ت‮ ‬،‮ ‬95‮).‬ وقد توالت الدعوات إلى ترسيخ فكرة حقوق الإنسان من قبل الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمنظمات الدولية،‮ ‬حيث صدور الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان عام‮ ‬1948، وإعلان حقوق الطفل عام‮ ‬1959، والعهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية عام‮ ‬1969‮ .‬

	 ومما‮ ‬يستحق التنويه أنه على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان،‮ ‬وبالرغم من الاهتمام المتزايد الذي‮ ‬أصبحت تلاقيه حقوق الإنسان سواء على المستوى الدولي‮ ‬أو المستوى الداخلي‮ ‬للدول،‮ ‬فإن انتهاك حقوق الإنسان لا‮ ‬يزال قائماً‮ ‬في‮ ‬شتى بقاع العالم،‮ ‬ومن أخطر أنواع تلك الانتهاكات‮: ‬انتهاك حق الإنسان في‮ ‬الحياة،‮ ‬وانتهاك حقه في‮ ‬الحرية وإخضاعه لحالات الاختفاء القسري،‮ ‬والانتهاكات التي‮ ‬تدخل في‮ ‬إطار أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد،‮ ‬وانتهاك حقوق الطفل في‮ ‬الحياة،‮ ‬وحقوق المرأة،‮ ‬بالإضافة إلى انتهاكات الحق في‮ ‬حرية الرأي‮ ‬والتعبير‮. ‬وخير دليل على ذلك ما نشاهده‮ ‬يومياً‮ ‬من انتهاكات صارخة لكل هذه الحقوق،‮ ‬خاصة في‮ ‬الدول العربية التي‮ ‬اجتاحتها الثورات الشبابية،‮ ‬رفضاً‮ ‬لكل أشكال الاستبداد والإكراه والقمع الذي‮ ‬تُمارسه الديكتاتوريات العربية المعاصرة على شعوبها‮. ‬

	1ـ حق الحياة والسلامة والأمن‮:‬

	يستمد هذا الحق ــ‮ ‬ في‮ ‬نظر الإسلام ــ‮ ‬ أساسه ومصدره من حقيقة أن حياة الإنسان إنما هي‮ ‬هبة من الله عز وجل،‮ ‬ولذلك فإن الاعتداء على هذا الحق‮ ‬يجب أن‮ ‬يواجه بعقوبة مشددة للغاية‮. ‬ومن مظاهر حماية الإسلام للحق في‮ ‬الحياة تحريم القتل العمد للنفس،‮ ‬ودون تفرقة في‮ ‬ذلك بين الرجل والمرأة،‮ ‬أو بين المسلم وغير المسلم،‮ ‬أو بين العاقل والمجنون،‮ ‬أو بين الشريف والوضيع،‮ ‬أو بين العالم والجاهل‮.. ‬وقد ارتقى الإسلام بهذا الحق إلى الحد الذي‮ ‬اعتبر أن الاعتداء عليه‮ ‬يرقى إلى مرتبة الاعتداء على الناس كافة‮. ‬ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك قوله تعالى‮: ‬مَنْ‮ ‬قَتَلَ‮ ‬نَفْسًا بِغَيْرِ‮ ‬نَفْسٍ‮ ‬أَوْ‮ ‬فَسَادٍ‮ ‬فِي‮ ‬الْأَرْضِ‮ ‬فَكَأَنَّمَا قَتَلَ‮ ‬النَّاسَ‮ ‬جَمِيعًا وَمَنْ‮ ‬أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ‮ ‬جَمِيعًا(المائدة‮ :‬32‮)‬،‮ ‬ كما‮ ‬يُستدل على حماية الإسلام حق كل فرد في‮ ‬الحياة،‮ ‬ما ورد في‮ ‬خطبة الوداع،‮ ‬حيث شدد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم على حرمة النفس ونهى عن قتلها بقوله‮: &quot;.. ‬أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة‮ ‬يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا،‮ ‬وأنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم‮..&quot;‬

	من جهة أخرى،‮ ‬تنص المادة السادسة من العهد الدولي‮ ‬على أن لكل إنسان الحق الطبيعي‮ ‬في‮ ‬الحياة،‮ ‬ولا‮ ‬يجوز حرمان أي‮ ‬فرد من حياته بشكل تعسفي،‮ ‬أي‮ ‬لا‮ ‬يجوز حرمان الشخص من حياته بطريقة‮ ‬غير قانونية أو‮ ‬غير عادلة،‮ ‬ومن دون حماية هذا الحق فإن كافة الحقوق الأخرى المنصوص عليها في‮ ‬العهد الدولي‮ ‬تبدو خالية من المعنى ومعدومة الوجود‮. ‬مما‮ ‬يتطلب من الدولة حماية هذا الحق،‮ ‬وذلك من خلال تجنب الحروب والنزاعات المسلحة وكافة أشكال العنف الجماعي‮ ‬التي‮ ‬ما زالت ويلاته تودي‮ ‬بحياة الآلاف من الأبرياء،‮ ‬على نحو ما‮ ‬يحدث في‮ ‬البلدان العربية التي‮ ‬اجتاحتها الثورات الشبابية،‮ ‬ومن قبلها ما حدث في‮ ‬كوسوفو والبوسنة وفلسطين،‮ ‬والعراق‮.‬

	كذلك‮ ‬يندرج تحت حماية هذا الحق التزام الدولة بتقصي‮ ‬حالات الاختفاء القسري،‮ ‬وهي‮ ‬ظاهرة تتفشى في‮ ‬عدد من الأقطار العربية،‮ ‬ومما‮ ‬يهدد الحق في‮ ‬الحياة تسرع التجاء الشرطة وقوات الأمن في‮ ‬استعمال الأسلحة النارية ضد المسيرات السلمية،‮ ‬وعدم احترام تلك القوات للمعايير الدولية الخاصة باستعمال تلك القوات للأسلحة النارية‮. ‬فالدولة وفق المادة السادسة للعهد الدولي‮ ‬ليست مطالبة باتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع الأعمال الإجرامية المؤدية إلى الحرمان من الحق في‮ ‬الحياة،‮ ‬وإنما عليها أيضا فرض التزام قوات الأمن التابعة لها بعدم قتل الأفراد تعسفيا‮. ‬ومما‮ ‬يستحق الإشارة هنا أن المادة السابعة من العهد الدولي‮ ‬تؤكد على أنه لا‮ ‬يجوز إخضاع فرد للتعذيب أو عقوبة أو معاملة قاسية أو‮ ‬غير إنسانية أو مهينة،‮ ‬كما تنص المادة العاشرة على وجوب معاملة الأشخاص المحرومين من حرياتهم معاملة إنسانية مع احترام الكرامة المتأصلة في‮ ‬الإنسان،‮ ‬مع ملاحظة أن مفهوم التعذيب وفق المادة السابعة من العهد الدولي‮ ‬لا‮ ‬يقتصر على التعذيب البدني،‮ ‬بل‮ ‬يشمل كافة صوره النفسية والمعنوية‮. ‬ومن هنا فإن حماية الفرد من هذه الأعمال هو حق لا‮ ‬يجوز المساس به حتى في‮ ‬حالات الطوارئ،‮ ‬كما أن واجب الدولة‮ ‬يستلزم حماية الفرد من ارتكابها من جانب رجال الدولة في‮ ‬عملهم الرسمي‮ ‬أو خارج عملهم الرسمي‮ ‬أو حتى بصفتهم الشخصية،‮ ‬كما لا‮ ‬يجوز إعفاء هؤلاء من المسؤولية الشخصية بدعوى ارتكابهم لمثل هذه الأعمال تم بتكليف من سلطة عامة‮. ‬

	ومما‮ ‬يستحق الالتفات إليه أن هذا الحق قد تم انتهاكه بشكل فاضح في‮ ‬محافظة درعا وريفها من قبل قوات الجيش والأمن والشبيحة،‮ ‬فحياة الكثير من المواطنين تعرضت للموت والاختفاء القسري‮ ‬والاعتقال نتيجة الممارسات الاستبدادية التي‮ ‬مارسها النظام على المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية،‮ ‬وقد وثقت الكثير من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية انتهاكات النظام السوري‮ ‬لحق المواطنين في‮ ‬الحياة والأمن والسلامة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عما تعرضه وسائل التواصل الحديثة‮ (‬فيس بوك وتويتر‮) ‬من مقاطع فيديو توضح جرائم النظام بحق المتظاهرين السوريين،‮ ‬وتؤكد مخالفته اتفاقية جنيف الرابعة لعام‮ ‬1949 المتعلقة بحماية المدنيين‮. ‬

	2ـ‮ ‬ حق ممارسة الحياة الدينية‮:‬

	‮ ‬يُعد الإسلام من أكثر نماذج الحضارة الإنسانية تسامحاً‮ ‬في‮ ‬الدين والفكر والاجتماع،‮ ‬فالإسلام هو أول دين في‮ ‬تاريخ الإنسانية أعطى للإنسان الحق في‮ ‬اعتناق عقائد سماوية أخرى،‮ ‬غير متفقة مع العقيدة الإسلامية،‮ ‬وقد أقر لأصحاب هذه العقائد حرية ممارسة شعائرهم الدينية في‮ ‬ظل الإسلام وحكمه‮. ‬وقد تعايشت في‮ ‬ظل الحضارة الإسلامية أقوام وشعوب وقوميات وأجناس وثقافات مختلفة على مبدأ الإخاء والمساواة،‮ ‬يُضاف إلى ذلك كله أن الفاتحين العرب كانوا أكثر الفاتحين تسامحاً‮ ‬في‮ ‬التاريخ الإنساني‮.(‬وطفة والراشد، وقد بات واضحا لكل مستقرئ للتاريخ الإسلامي‮ ‬أن الإسلام لا‮ ‬يُكره أحداً‮ ‬على الدخول فيه واعتناقه،‮ ‬بدليل قوله تعالى‮: ‬لَا إِكْرَاهَ‮ ‬فِي‮ ‬الدِّينِ‮ ‬قَدْ‮ ‬تَبَيَّنَ‮ ‬الرُّشْدُ‮ ‬مِنَ‮ ‬الْغَيِّ‮ ‬فَمَنْ‮ ‬يَكْفُرْ‮ ‬بِالطَّاغُوتِ‮ ‬وَيُؤْمِنْ‮ ‬بِاللَّهِ‮ ‬فَقَدِ‮ ‬اسْتَمْسَكَ‮ ‬بِالْعُرْوَةِ‮ ‬الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ‮ ‬لَهَا وَاللَّهُ‮ ‬سَمِيعٌ‮ ‬عَلِيمٌ‮ (‬البقرة‮ : ‬266‮).‬

	من جهة أخرى،‮ ‬ينصرف مضمون المادة الثانية عشرة من العهد الدولي‮ ‬إلى أوسع التفسيرات لحق ممارسة الحياة الدينية،‮ ‬من خلال حماية كافة صور الفكر والعقائد الدينية،‮ ‬وعدم التمييز ضد أي‮ ‬صورة من صورها‮. ‬كما‮ ‬يشمل ذلك حماية حق الفرد والجماعة في‮ ‬إقامة الشعائر التي‮ ‬تتفق ومعتقداتهم،‮ ‬فلا‮ ‬يجوز تقييد ذلك إلا بنص القانون وبشرط أن‮ ‬يكون التقييد لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة،‮ ‬وعموماً‮ ‬يجب أن تكون تلك القيود في‮ ‬أضيق الحدود‮. ‬ومما‮ ‬يستحق التأكيد إنه إذا كانت الدولة تتخذ من دين معين ديناً‮ ‬رسمياً‮ ‬لها،‮ ‬فإن ذلك لا‮ ‬يعني‮ ‬المساس بالحق المكفول لمن‮ ‬يعتنقون ديناَ‮ ‬آخر،‮ ‬كما لا‮ ‬يجوز التمييز ضدهم في‮ ‬النواحي‮ ‬الأخرى مثل الحق في‮ ‬تولي‮ ‬المناصب العامة،‮ ‬أو حرمانهم من المزايا التي‮ ‬يتمتع بها المواطنون عامة‮. ‬ وإلى ذلك ذهب الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬مادته الثامنة عشرة أنه‮ &quot; ‬لكل شخص الحق في‮ ‬حرية التفكير والضمير والدين،‮ ‬ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته،‮ ‬وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً‮ ‬أم مع الجماعة‮ &quot;.‬

	‮   ‬ولو دققنا النظر في‮ ‬التطبيق الحادث لما جاء في‮ ‬العهد الدولي‮ ‬والإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان فيما‮ ‬يتصل بحق الإنسان في‮ ‬ممارسة الحياة الدينية في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬سوف نجد أن هناك انتهاكاً‮ ‬واضحاً‮ ‬لهذا الحق من قبل النظام السوري،‮ ‬فقد بات واضحاً‮ ‬أن النظام‮ ‬يلاحق جميع النشطاء الذين‮ ‬يذهبون للصلاة في‮ ‬المساجد بحجة أنهم‮ ‬يحرضون المصلين على التظاهر،‮ ‬كما أصبح معروفاً‮ ‬انتهاكات نظام الاستبداد لحرمة المساجد والاعتداء عليها،‮ ‬فما حصل في‮ ‬المسجد العمري‮ ‬بدرعا من انتهاكات موثقة في‮ ‬كل وسائل الإعلام المرئي‮ ‬والمقروء والمسموع،‮ ‬وما حصل من قصف لمآذن الكثير من المساجد وشاهده كل مواطني‮ ‬العالم مشاهدة حسية لهو دليل واضح على انتهاك النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لهذا الحق،‮ ‬هذا فضلاً‮ ‬عن الاعتداء على رجال الدين الإسلامي‮ ‬الذين انحازوا إلى الثورة وهم كثيرون،‮ ‬أذكر منهم،‮ ‬على سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬الشيخ أحمد الصياصنة إمام المسجد العمري‮ ‬بدرعا الذي‮ ‬دفع ثمن وقوفه إلى جانب الثورة واحداً‮ ‬من أبنائه الذي‮ ‬رفض أن‮ ‬يُرشد قوات الأمن والشبيحة عن مكان والده فكان مصيره القتل على أيدي‮ ‬عصابات النظام‮. ‬

	3ـ‮ ‬ الحق القانوني‮:‬

	يُعد العدل من أهم أركان الشريعة الإسلامية وفقاً‮ ‬لقوله تعالى‮: ‬وَإِذَا حَكَمْتُمْ‮ ‬بَيْنَ‮ ‬النَّاسِ‮ ‬أَنْ‮ ‬تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‮ (‬النساء‮: ‬85‮)‬ وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنه لا جدال في‮ ‬أن ضمانات إقامة العدالة تُشكل ركناً‮ ‬أساسياً‮ ‬لازماً‮ ‬لحماية حقوق الإنسان كافة‮. ‬لذلك أوردت المادة الرابعة عشر من العهد الدولي‮ ‬المبادئ والحقوق التي‮ ‬تكفل ذلك،‮ ‬بحيث‮ ‬يكون لكل فرد الحق في‮ ‬محاكمة عادلة وعلنية أمام قضاء مختص ومستقل ومحايد‮ ‬يتصف بالنزاهة،‮ ‬وينسحب ذلك على النواحي‮ ‬الإجرائية التي‮ ‬تحدد الضمانات القانونية للمتهم،‮ ‬كذلك لا بد من احترام مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ثبوتاً‮ ‬قطعياً،‮ ‬وهو مبدأ أساسي‮ ‬لحماية حقوق الإنسان،‮ ‬كما أنه‮ ‬يعني‮ ‬أن عبء الإثبات‮ ‬يقع على سلطة الاتهام،‮ ‬وأن الشك‮ ‬يفسر دائماً‮ ‬لصالح المتهم،‮ ‬وعلى السلطات العامة كفالة الامتناع عن الأحكام المسبقة على نتيجة المحاكمة‮.‬

	‮  ‬هذا وتكفل المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي‮ ‬عدداً‮ ‬من الضمانات لكل فرد توجه إليه تهمة جنائية حدها الأدنى‮ ‬يشمل إبلاغه فوراً‮ ‬بطبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه،‮ ‬وإتاحة الوقت الكافي‮ ‬للمتهم لإعداد دفاعه واحترام حقه في‮ ‬تكليف محام للدفاع عنه،‮ ‬وحرية اتصاله بمحاميه وضمان سرية هذه الاتصالات،‮ ‬هذا فضلاً‮ ‬عن ضرورة إجراء المحاكمة خلال فترة زمنية معقولة دون تأخير،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬بداية المحاكمة فحسب،‮ ‬بل‮ ‬يشمل الفترة التي‮ ‬تستغرقها المحاكمة حتى الحكم النهائي‮ ‬البات،‮ ‬كذلك من حق المتهم أو محاميه مواجهة شهود الإثبات،‮ ‬وحضور شهود النفي‮ ‬أمام المحكمة بنفس شروط مشاركة شهود الإثبات،‮ ‬ولا‮ ‬يجوز إجبار المتهم على أن‮ ‬يشهد ضد نفسه،‮ ‬أو دفعه للاعتراف بالجريمة‮. ‬كما أن أي‮ ‬إكراه في‮ ‬ذلك لا‮ ‬يجوز الاعتداد بنتائجه أمام المحاكم،‮ ‬كما لا‮ ‬يجوز محاكمة أحد أو معاقبته مرة ثانية عن جريمة سبق أن صدر في‮ ‬حقه حكماً‮ ‬نهائياً،‮ ‬أو أفرج عنه طبقاً‮ ‬للقانون والإجراءات القانونية المعمول بها‮. ‬ولكل فرد أدين بحكم قضائي‮ ‬الحق في‮ ‬الطعن على الحكم بالإدانة،‮ ‬وبالعقوبة أمام محكمة أعلى درجة طبقاً‮ ‬للقانون‮.‬

	ومن هذا المنطلق،‮ ‬فإن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية أو محاكم خاصة تصدر أحكاماً‮ ‬نهائية‮ ‬يحرم الفرد من إحدى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة،‮ ‬فالمحاكم العسكرية كما هو معروف لها اختصاص أصيل تنفرد بموجبه بالولاية في‮ ‬محاكمة العسكريين عن جرائم عسكرية وفق إجراءاتها الخاصة طبقاً‮ ‬لقوانين الأحكام العسكرية‮. ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن محاكمة المدنيين أمامها هو إجراء‮ ‬يسقط حق الفرد العادي‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يحاكم أمام قاضيه الطبيعي‮ ‬في‮ ‬ظل كافة الضمانات التي‮ ‬تتطلبها المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي‮. ‬وتعتبر المادة المذكورة أن الأصل هو وجوب علانية المحاكمة باعتبار أن ذلك‮ ‬يعد أحد ضمانات المحاكمة العادلة،‮ ‬كذلك‮ ‬ينصرف مضمون المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي‮ ‬إلى أن أحد الأركان الأساسية لضمان إعمال الحق في‮ ‬المحاكمة العادلة هو استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة كأفراد،‮ ‬فاستقلال السلطة القضائية ككل‮ ‬يعني‮ ‬اختصاصها بالولاية القضائية كاملة؛ أي‮ ‬الانفراد بمهمة الفصل في‮ ‬المنازعات والخصومات،‮ ‬فالقضاء لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤدي‮ ‬رسالته في‮ ‬تأكيد سيادة القانون،‮ ‬وحماية حقوق الإنسان وكفالة حرية المواطنين إلا باستقلاله‮.‬

	انطلاقاً‮ ‬مما سبق‮ ‬يمكن القول‮: ‬إن الحق القانوني‮ ‬للإنسان السوري‮ ‬قد تم انتهاكه مراراً‮ ‬وتكراراً،‮ ‬فعلى الرغم مما جاء في‮ ‬العهد الدولي‮ ‬من مواد تمنع انتهاك هذا الحق،‮ ‬غير أن الواقع الفعلي‮ ‬يؤكد عدم احترام النظام السوري‮ ‬التزاماته الدولية،‮ ‬فقد أهدر النظام كرامة الأفراد ومارس عليهم كل أنواع التعذيب والمعاملة القاسية،‮ ‬وانتزع منهم ما‮ ‬يُريد من اعترافات بطريقة عنفية‮ ‬غير إنسانية من دون أن‮ ‬يوفر لهم أدنى مقومات المحاكمة العادلة،‮ ‬أو‮ ‬يسمح لهم الاتصال بذويهم أو محاميهم،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن عدم معرفة مكان الاعتقال والتهمة الموجهة للمعتقل،‮ ‬بل أكثر من ذلك،‮ ‬إلصاق التهم بالمعتقلين،‮ ‬وهم من هذه التهم براء،‮ ‬هذا جانب من الصورة،‮ ‬وهناك جوانب أخرى أكثر بشاعة،‮ ‬فما تبثه الفضائيات العربية والأجنبية عن انتهاكات الحق القانوني‮ ‬في‮ ‬سوريا‮ ‬يندى له جبين الإنسانية،‮ ‬علماً‮ ‬أن ما‮ ‬يُشاهد على شاشات التلفزة العربية والأجنبية لا‮ ‬يساوي‮ ‬2٪ مما‮ ‬يحصل داخل أقبية المخابرات والسجون المعلنة منها والسرية‮. ‬وفي‮ ‬كل ذلك مخالفة لما نصت عليه المواد‮ (‬5ـ‮ ‬8‮ ‬ـ‮ ‬9ـ‮ ‬10‮ ‬ـ‮ ‬11‮)‬ من الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان،‮ ‬والتي‮ ‬تؤكد جميعها على ضرورة احترام الحق القانوني‮ ‬للإنسان‮ (‬إي‮ ‬إنسان‮) ‬وفي‮ ‬أي‮ ‬مكان من العالم‮. ‬

	4ـ‮ ‬ حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير‮:‬

	‮ ‬يحتل هذا الحق مكانة مهمة في‮ ‬التشريع الإسلامي،‮ ‬حيث شدد الإسلام على وجوب أن‮ ‬يكون الإنسان حراً‮ ‬في‮ ‬إبداء رأيه في‮ ‬التعبير عن موقفه إزاء كل ما‮ ‬يتصل بشؤونه وشؤون مجتمعه،‮ ‬وإزاء كل ما هو حق وعدل‮. ‬ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي‮ ‬شددت على وجوب إبداء الرأي‮ ‬بشجاعة ومن دون خوف نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم‮: &quot; ‬أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر‮&quot; ‬ويتصل بذلك أيضاً‮ ‬ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم من أن‮: &quot; ‬الساكت عن الحق شيطان أخرس‮ &quot;. ‬

	من جهة أخرى،‮ ‬تُعد حرية الرأي‮ ‬والتعبير من مقومات النظم الديمقراطية،‮ ‬فالانتقاص منها هو انتقاص من الحكم الديمقراطي‮ ‬السليم‮. ‬ومفهوم المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي‮ ‬ينصرف إلى أن حق الفرد في‮ ‬اعتناق الآراء التي‮ ‬يختارها دون تدخل هو حق لا‮ ‬يقبل أي‮ ‬قيد أو استثناء،‮ ‬كما أن حرية التعبير تشمل الحق في‮ ‬تلقي‮ ‬واستقصاء ونقل المعلومة للآخرين،‮ ‬وفي‮ ‬التعبير عن الرأي‮ ‬والفكر ونقله إلى‮ ‬غيره بأية صورة،‮ ‬سواء كان ذلك شفاهة أو كتابة أو عن طريق الكلمة المطبوعة أو المسموعة،‮ ‬أو في‮ ‬صورة فنية أو بأي‮ ‬وسيلة أخرى‮ ‬يختارها الفرد‮.‬ مع التأكيد على أنه إذا كانت حرية الفرد في‮ ‬اعتناق الرأي‮ ‬الذي‮ ‬يختاره لا تقبل بطبيعتها أي‮ ‬قيد،‮ ‬فإن إطلاق الحق في‮ ‬التعبير عن الرأي‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬أنه لا‮ ‬يحمل معه واجبات ومسؤوليات معينة تسمح بفرض بعض القيود التي‮ ‬تتطلبها حماية مصالح الآخرين أو مصلحة الجماعة ككل،‮ ‬على ألا تفرغ‮ ‬تلك القيود الحق في‮ ‬التعبير من مضمونه‮. ‬

	‮  ‬ولو دققنا النظر في‮ ‬التطبيق الحاصل لحرية الرأي‮ ‬والتعبير في‮ ‬سوريا،‮ ‬فالجميع‮ ‬يعلم أنه بمجرد مطالبة المتظاهرين بقليل من الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية المختطفة منذ عقود،‮ ‬ظهر موقف النظام السوري‮ ‬المستبد من الحرية بجناحيها التفكيري‮ ‬والتعبيري،‮ ‬حيث بدأ بقمع المتظاهرين في‮ ‬محافظة درعا منذ اللحظة الأولى التي‮ ‬أعلنوا فيها رفضهم لكل أشكال الظلم والقهر والطغيان،‮ ‬بل وصل الأمر إلى اعتقال الأطفال الذين كتبوا على جدران مدرستهم بعض العبارات التي‮ ‬تنادي‮ ‬بالحرية وإسقاط النظام،‮ ‬لا أُريد الاستطراد كثيراً‮ ‬في‮ ‬الحديث عن سياسة الاستبداد اتجاه الحرية،‮ ‬ولكن‮ ‬يكفي‮ ‬أن أُشير إلى حالة الفنان إبراهيم قاشوش الذي‮ ‬تم قتله بعد انتزاع حنجرته لأنه‮ ‬غنى‮: (‬يلا ارحل‮ ‬يا بشار‮)‬،‮ ‬وكذلك حالة الفنان علي‮ ‬فرزات رسام الكاريكاتير العالمي‮ ‬الذي‮ ‬كُسرت أصابع‮ ‬يده لأنها أبدعت رسماً‮ ‬كاريكاتيرياً‮ ‬يسخر من نظام الاستبداد‮.. ‬هذا هو حال حرية الرأي‮ ‬والتعبير في‮ ‬ظل سياسة القمع والترهيب في‮ ‬سوريا،‮ ‬والمخالفة لكل ما جاء في‮ ‬العهود والمواثيق والإعلانات الدولية والشرائع السماوية بهذا الشأن‮.   ‬

	5ـ‮ ‬ التداعيات التربوية‮:‬

	‮ ‬‮  ‬المقصود بالتداعيات التربوية في‮ ‬هذه الدراسة التأثيرات السلبية والإيجابية التي‮ ‬أصابت العملية التربوية والتعليمية في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬سواء كان ذلك على صعيد المدرسين والمدرسات أو على صعيد الطلبة‮. ‬فمن التأثيرات أو التداعيات التربوية السلبية التي‮ ‬أحدثتها انتهاكات حقوق الإنسان انخفاض التحصيل الدراسي‮ ‬للطلبة،‮ ‬ومن تأثيراتها الإيجابية أنها كشفت زيف النظام وحجم الاستبداد الذي‮ ‬يختزنه اتجاه الشعب‮.  ‬

	‮  ‬ومن الجدير بالذكر أن ما تشهده محافظة درعا والمحافظات الأخرى من انتهاكات لحقوق الإنسان،‮ ‬أحدث تصدعاً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‮ ‬منظومة القيم التربوية والتعليمية،‮ ‬فبدل أن‮ ‬يقوم النظام بوضع الخطط التي‮ ‬تُسهم في‮ ‬اكتساب الطلبة الثقة بالنفس والقدرة على التغيير،‮ ‬وتجعلهم شركاء فاعلين ومنفعلين في‮ ‬بناء مجتمعهم،‮ ‬نجد أن اتجاهات التلاميذ بدأت تأخذ منحى آخر‮ ‬يُمكن وصفه بالسلبي‮ ‬تجاه السلطة الحاكمة نتيجة الممارسات القمعية التي‮ ‬وقعت على هؤلاء الطلبة وذويهم الذين خرجوا‮ ‬يهتفون للحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية،‮ ‬كما أن الأجواء العنفية التي‮ ‬أحدثتها السلطة في‮ ‬عموم الجغرافيا السورية أثرت وبشكل كبير على التحصيل الدراسي‮ ‬للطلبة،‮ ‬فمن المعلوم على الصعيد التربوي‮ ‬أن التحصيل الدراسي‮ ‬للطلبة‮. ‬يتأثر سلباً‮ ‬بمجموعة من العوامل لعل أهمها العامل النفسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬فالحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي‮ ‬يعيشها الطلبة في‮ ‬محافظة درعا وريفها نتيجة حصار القرى وانتشار الحواجز العسكرية،‮ ‬والممارسات اللاإنسانية لقوات الأمن والشبيحة تجاه المواطنين كان لها آثار كارثية على العملية التربوية والتعليمية‮.‬

	‮  ‬من جهة أخرى‮ ‬،نجد أن المعلم الذي‮ ‬يُعد حجر أساس في‮ ‬إطار التربية والتعليم واجه هو الآخر الكثير من المشكلات النفسية والاجتماعية والاقتصادية نتيجة الأجواء المرعبة التي‮ ‬فرضها نظام الاستبداد على الكثير من المعلمين في‮ ‬محافظة درعا،‮ ‬حيث أصبح الجميع‮ ‬يتساءل‮: ‬كيف‮ ‬يؤدي‮ ‬المعلم عمله التعليمي‮ ‬والتربوي‮ ‬وهو‮ ‬يعلم أن معلماً‮ ‬زميله في‮ ‬بلدة المسيفرة قد تم سلخ جلده‮  ‬كاملاً‮ ‬؟ ثم كيف‮ ‬يُخلص المعلم لعمله،‮ ‬وهو‮ ‬يتوقع أن‮ ‬يُعتقل أو‮ ‬يُقتل في‮ ‬أية لحظة،‮ ‬لأن شقيقه خرج في‮ ‬مظاهرة،‮ ‬أو قريبه مطلوب لسلطة الاستبداد؟ هكذا هو الواقع في‮ ‬عموم محافظة درعا،‮ ‬فكيف نستطيع أن نطلب من المعلم ـ والحال هكذا ـ بناء المتعلم للقرن الواحد والعشرين؟ قرن العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان‮.. ‬إن التداعيات التربوية التي‮ ‬أحدثتها سلطة القهر والاستبداد في‮ ‬جسد التربية السورية كثيرة ومتعددة،‮ ‬لا تتوقف على انخفاض التحصيل الدراسي‮ ‬للطلبة،‮ ‬أو الحالة النفسية التي‮ ‬حدثت لهم ولمعلميهم،‮ ‬ولا في‮ ‬مشكلة عدم انتظامهم في‮ ‬المدرسة،‮ ‬بل إن هناك أموراً‮ ‬تتصل بتوظيف النظام للعملية التربوية والتعليمية من أجل تدعيم النسق السياسي‮ ‬السائد والمحافظة عليه،‮ ‬لأن الاستقرار بالنسبة للسلطة المستبدة خاصية مرغوبة وإيجابية،‮ ‬والتربية هي‮ ‬الوسيلة التي‮ ‬يصبح المواطن السوري‮ ‬من خلالها واعياً‮ ‬بالنسق السياسي‮ ‬والثقافي‮ ‬ومدركاً‮ ‬لهما،‮ ‬ومن هنا‮ ‬يمكن تقرير أن نظام التعليم المختطف بأدواته ومؤسساته وطاقاته البشرية،‮ ‬يُعد وسيلة توظفها السلطة المستبدة لإنجاح تربية المواطن واحتواء وعيه لصالحها‮ (‬جيدوري،‮ ‬2012‮)‬ وإن هناك خططاً‮ ‬واستراتيجيات تربوية لإعادة تشكيل وعي‮ ‬الطلبة بما‮ ‬ينسجم مع سلطة الاستبداد‮. ‬بعبارة أخرى،‮ ‬هناك سياسة معدة لاختطاف التعليم المختطف أصلاً‮ ‬واستخدامه أداة لقمع كل من‮ ‬يُجاهر برأي‮ ‬أو‮ ‬يحمل فكرة عدائية ضد النظام‮..  ‬

	ثانيا‮: ‬الإطار الميداني‮ ‬للدراسة‮:‬

	اعتمدت الدراسة الحالية في‮ ‬تحصيل المعلومات اللازمة للإجابة على أسئلة الدراسة وتحقيق أغراضها على المنهج الوصفي،‮ ‬حيث تم استطلاع آراء عينة من أفراد مجتمع الدراسة بهدف وصف وتحليل انتهاكات النظام السوري‮ ‬لحقوق الإنسان وتداعياتها التربوية في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬كما استدعى المنهج المستخدم أن تكون الدراسة في‮ ‬قسمين‮: ‬تناول الباحث في‮ ‬القسم الأول الإطار النظرى للدراسة،‮ ‬بينما خُصص القسم الثاني‮ ‬لإجراءات الدراسة الميدانية بما تتضمنه من توضيحات لمجتمع الدراسة وعينتها وأداتها, وصولاً‮ ‬إلى مناقشة النتائج وتحليلها وتفسيرها،‮ ‬وانتهاءً‮ ‬بوضع مقترحات‮ ‬يمكن أن تُسهم في‮ ‬مواجهة الانتهاكات التي‮ ‬تتعرض لها حقوق الإنسان السوري‮.‬

	مجتمع الدراسة وعينتها :

	بلغ‮ ‬عدد أفراد المجتمع الأصلي‮(‬4800 مدرس ومدرسة في‮ ‬المرحلة الثانوية العامة في‮ ‬مدارس محافظة درعا وريفها في‮ ‬العام الدراسي2011م‮)‬،‮ ‬تم تطبيق الاستبانة على عينة ميدانية بلغ‮ ‬حجمها‮ (‬700‮)‬ مدرس ومدرسة مثَّلت حوالي‮ (‬15٪‮ )‬ من المجتمع الكلِّي‮ ‬للدراسة،‮ ‬ومن عدة مناطق في‮ ‬محافظة درعا‮ ‬غطت في‮ ‬مجموعها جغرافية المحافظة وريفها‮. ‬وقد استعان الباحث بزملاء له في‮ ‬تطبيق الأداة في‮ ‬بعض المناطق من المحافظة نظراً‮ ‬للوضع الأمني‮ ‬الصعب،‮ ‬والحواجز العسكرية المنتشرة بين قرى المحافظة،‮ ‬مع ملاحظة أن الاستبانة وزعت وطبقت في‮ ‬صيف عام‮ ‬2011م بشكل سري،‮ ‬حرصاً‮ ‬من الباحث على سلامة أفراد العينة وأمنهم الشخصي‮. ‬والجدول الآتي‮ ‬يبيِّن توزع أفراد العينة حسب متغيرات الدراسة‮.‬

	‮ ‬من أجل تحقيق أهداف الدراسة قام الباحث بإعداد استبانة لتحديد انتهاكات حقوق الإنسان وتداعياتها التربوية من وجهة نظر المدرسين والمدرسات في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬وقد تكونت الأداة من‮ (‬38‮ ‬عبارة موزعة على خمسة محاور حُدَدَ‮ ‬لها مقياس خماسي‮ ‬متدرج على نمط‮ &quot; ‬ليكرت‮ &quot; ‬لتحديد درجة موافقة أفراد العينة عن كل عبارة من عبارات المقياس،‮ ‬وكانت درجات مستويات تقدير الاستجابة‮ (‬كبيرة جداً،‮ ‬كبيرة،‮ ‬متوسطة،‮ ‬قليلة،‮ ‬قليلة جداً‮)‬،‮ ‬تمثلت رقمياً‮ ‬حسب الترتيب‮(‬1،2،3،4،5‮)‬.

	 وللتأكد من صدق محتوى الأداة،‮ ‬ومدى توافقها مع أهداف الدراسة وشمولها لمجالاتها،‮ ‬عُرضت على ثلاثة عشر محكماً‮ ‬في‮ ‬اختصاصات الحقوق وأصول التربية والقياس والتقويم،‮ ‬وقد أبدى المحكمون ملاحظات متنوعة تمثلت فى حذف بعض العبارات ودمج بعضها لتصبح عبارة واحدة،‮ ‬ونقل بعض العبارات من مجال إلى آخر،‮ ‬واقتراح بعض العبارات الجديدة‮. ‬وعلى هذا الأساس فقد تكونت

	كما قام الباحث بإجراء صدق الاتساق الداخلي،‮ ‬فوزع الاستبانة في‮ ‬صورتها النهائية على عيِّنة تجريبية قوامها‮ (‬200‮) ‬من مدرسي‮ ‬ومدرسات المرحلة الثانوية العامة في‮ ‬مدارس محافظة درعا وريفها،‮ ‬اختيرت من مجتمع الدراسة الكلِّي،‮ ‬واستبعدت من نطاق عيِّنة الدراسة الأصلية،‮ ‬وطُلب إليها الإجابة على جميع عبارات الاستبانة،‮ ‬وبعد استرداد جميع الاستبانات قام الباحث بحساب معامل ترابط كلِّ‮ ‬محور بالدرجة الكلية،‮ ‬والجدول الآتي‮ ‬يوضح ذلك‮.‬

	وللتأكد من ثبات أداة الدراسة وُزَعت على عينة مكونة من‮ (‬200‮)‬ مدرس ومدرسة في‮ ‬المرحلة الثانوية العامة بمدارس محافظة درعا من خارج العينة التي‮ ‬طبقت عليها استبانة الدراسة،‮ ‬وحُسب معامل الاتساق الداخلي‮ ‬باستخدام معادلة كرونباخ ألفا‮ ‬Cronbach&#39;s-Alpha ‮ ‬،‮ ‬والجدول الآتي‮ ‬يوضح ذلك‮.‬

	يتبين أنَّ‮ ‬معامل الارتباط وفقاً‮ ‬لطريقة الاتساق الداخلي‮ ‬لمحاور انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وتداعياتها التربوية مرتفعة ومقبولة إحصائياً‮ ‬لأغراض الدراسة‮. ‬كما تأكد الباحث من ثبات أداة الدراسة‮ ‬بطريقة التجزئة النصفية،‮ ‬حيث قام بشطر الاستبانة إلى قسمين‮: ‬ضمَّ‮ ‬القسم الأول العبارات الفردية،‮ ‬بينما ضمَّ‮ ‬القسم الثاني‮ ‬العبارات الزوجية،‮ ‬ومن ثم قام بإيجاد معامل الترابط وفقاً‮ ‬لقانوني‮ ‬سبيرمان‮ (‬Spearman وجوتمان‮ (‬Guttma ‮) ‬والجدول الآتي‮ ‬يبيِّن ذلك‮.‬

	كما نجد أنَّ‮ ‬معامل الارتباط وفقاً‮ ‬لطريقة التجزئة النصفية لمحاور انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وتداعياتها التربوية مرتفعة ومقبولة إحصائياً‮ ‬لأغراض الدراسة‮.‬

	‮ ‬المعالجة الإحصائية‮:‬

	استخدم الباحث البرنامج الإحصائي‮(‬SPSS ‮) ‬في‮ ‬تحليل بيانات الدراسة لكل سؤال من أسئلة الدراسة المتصلة بالجانب الميداني،‮ ‬حيث اعتمد المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات مدرسي‮ ‬ومدرسات المرحلة الثانوية العامة عن كلِّ‮ ‬محور من محاور انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وتداعياتها التربوية لتكون مؤشراً‮ ‬على درجة الموافقة،‮ ‬كما اعتمد في‮ ‬الحكم على معرفة انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وتداعياتها التربوية من وجهة نظر مدرسي‮ ‬ومدرسات المرحلة الثانوية العامة في‮ ‬مدارس محافظة درعا بأنَّه‮ (‬كبير جداً‮) ‬إذا كان المتوسط الحسابي‮ ‬للعبارة ما بين‮ (‬4‭.‬51‮ ‬ـ‮ ‬5‮)‬ و(كبير‮) ‬إذا كان المتوسط الحسابي‮ ‬للعبارة ما بين‮ (‬3‭.‬51‮ ‬ـ‮ ‬4‭.‬50‮)‬ و(متوسط‮) ‬إذا كان المتوسط الحسابي‮ ‬للعبارة ما بين‮ (‬2‭.‬51‭.‬ــ‮ ‬3‭.‬50‮) ‬و(قليل‮) ‬إذا كان المتوسط الحسابي‮ ‬للعبارة ما بين‮ (‬1‭.‬51‭.‬2‭.‬50‮)‬ و(قليل جداً‮) ‬إذا كان المتوسط الحسابي‮ ‬للعبارة ما بين‮ (‬1ــ‮ ‬1‭.‬50‮) ‬ كما بيَّن الباحث الفروق بين متوسطات إجابات أفراد العينة حسب متغيرات الدراسة‮ (‬الجنس،‮ ‬الاختصاص،‮ ‬مكان الإقامة‮). ‬وفيما‮ ‬يلي‮ ‬عرضٌ‮ ‬لنتائج الدراسة ومناقشتها وفقاً‮ ‬لأسئلتها‮ . ‬

	

	

	نتائج السؤال الأول ومناقشته‮:‬

	تبلَور السؤال الأول من الدراسة على الشكل الآتي‮: ‬إلى أي‮ ‬مدى انتهك النظام السوري‮ ‬حق المتظاهرين في‮ ‬الحياة على خلفية مطالبتهم بالحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط النظام ؟ للإجابة على هذا السؤال حُسِبَت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك حق الحياة وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬والجدول الآتي‮ ‬يوضح ذلك‮ .‬

	يتضح أنَّ‮ ‬المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور انتهاك حق الحياة كلُّها قد بلغ‮ (‬20‭.‬76‮) ‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح،‮ ‬وتراوحت المتوسطات الحسابية لعبارات المحور ما بين‮ (‬4‭.‬01‮ ‬ـ‮ ‬4‭.‬24‮)‬، بين أدنى وأعلى متوسط حسابي‮. ‬ويمكن تفسير ارتفاع المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات‮ ‬أفراد العينة عن عبارات محور حق الحياة والسلامة والأمن ككل إلى معايشة المدرسين والمدرسات في‮ ‬محافظة درعا لأعمال القتل التي‮ ‬مارسها النظام على أبناء المحافظة منذ عدة أشهر،‮ ‬فأفراد العينة جميعهم من محافظة درعا وريفها،‮ ‬والكثير منهم من فقد قريباً‮ ‬أو صديقاً‮ ‬أو جاراً،‮ ‬كما أنهم‮ ‬يعرفون معرفة‮ ‬يقينية الكثير من الأشخاص الذين تعرضوا لأضرار جسدية ونفسية نتيجة الاعتقال أو التعذيب داخل السجون وخارجها،‮ ‬هذا فضلاً‮ ‬عن معاناتهم الشخصية من جراء ما تقوم به السلطات الأمنية من أعمال تمس مبادئ السلامة الشخصية،‮ ‬والتدخل التعسفي‮ ‬في‮ ‬الحياة الخاصة للمواطنين‮.  ‬

	‮  ‬من جهة أخرى،‮ ‬يتضح من خلال المعالجات الإحصائية للعيتة أن المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك حق الحياة والسلامة والأمن وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬سوف نجد أن أعلى متوسط حسابي‮ ‬لعبارات هذا المحور كانت لنص عبارة‮: ‬عدم مراعاة السلطة حق الإنسان في‮ ‬الحياة‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى معرفة أفراد العينة للكثير من الحالات التي‮ ‬لم تُراعي‮ ‬فيها السلطة حق الإنسان في‮ ‬الحياة،‮ ‬وأكبر دليل على ذلك حالة الطفل حمزة الخطيب وثامر الشرعي‮ ‬وأمجد العاسمي‮ ‬وإيمان علوش‮.. ‬وكلهم أطفال من محافظة درعا وريفها،‮ ‬مع ملاحظة أن كل منظمات حقوق الإنسان العربية والعالمية قد أدانت قتلهم،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن وجود حالات كثيرة أخرى موثقة لدى هذه المنظمات‮. ‬أما المتوسط الحسابي‮ ‬الأدنى فكان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬الاعتداء على المواطنين أثناء تنقلهم داخل حدود المحافظة والدولة‮. ‬مع الإشارة إلى أن المتوسط الحسابي‮ ‬لهذه العبارة جاء مرتفعاً،‮ ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى معرفة أفراد العينة ما تُمارسه الحواجز الأمنية من أعمال بربرية بحق المواطنين أثناء تنقلهم بين قرى المحافظة،‮ ‬والمحافظات الأخرى،‮ ‬علماً‮ ‬أن الكثير من الموطنين كان‮ ‬يتحاشى التنقل بين المدن حتى لا‮ ‬يتعرض للاعتداء أو الاعتقال،‮ ‬خاصة أن من المهام الموكلة لهذه الحواجز ليس اعتقال المطلوبين فقط،‮ ‬وإنما كل من تربطه علاقة قرابة بالمطلوبين أو المتهمين بالمشاركة في‮ ‬المظاهرات‮. ‬

	نتائج السؤال الثاني‮ ‬ومناقشته

	‮ ‬‮ ‬تبلَور السؤال الثاني‮ ‬من الدراسة على الشكل الآتي‮: ‬إلى أي‮ ‬مدى انتهك النظام السوري‮ ‬حق المتظاهرين في‮ ‬ممارسة الحياة الدينية على خلفية مطالبتهم بالحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط النظام ؟ للإجابة على هذا السؤال حُسِبَت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك حق ممارسة الحياة الدينية وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬والجدول الآتي‮ ‬يوضح ذلك‮. ‬

	يتضح أنَّ‮ ‬المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور حق ممارسة الحياة الدينية كلُّها قد بلغ‮ (‬12‭.‬35‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح،‮ ‬وتراوحت المتوسطات الحسابية لعبارات محور حق ممارسة الحياة الدينية ما بين‮ (‬4‭.‬09‮ ‬ـ‮ ‬4‭.‬14‮)‬ بين أدنى وأعلى متوسط حسابي‮. ‬ويمكن تفسير ارتفاع المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور حق ممارسة الحياة الدينية ككل إلى ما شاهده وعايشه أفراد العينة من ممارسات قمعية بحق المواطنين فيما‮ ‬يتصل بانتهاك هذا الحق،‮ ‬فجميع أبناء محافظة درعا والمحافظات الأخرى لديهم معرفة كافية لما حصل من انتهاكات لحق ممارسة الحياة الدينية،‮ ‬والجميع‮ ‬يعرف الانتهاكات التي‮ ‬حصلت للمواطنين داخل المسجد العمري‮ ‬بدرعا البلد وغيره من مساجد المحافظة،‮ ‬كما شاهد العالم كله كيف تُمزق المصاحف وتُقصف المآذن ويتم الاستهزاء بشعائر الصلاة،‮ ‬والطلب إلى الكثير من المواطنين بالسجود لصورة الرئيس،‮ ‬إلى‮ ‬غير ذلك من ممارسات‮ ‬غير إنسانية تؤكد جميعها انتهاك النظام السوري‮ ‬حق ممارسة الحياة الدينية‮. ‬

	‮  ‬من جهة أخرى توضِّح المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات‮ (‬أفراد العينة‮) ‬عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك حق ممارسة الحياة الدينية وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬أن أعلى متوسط حسابي‮ ‬لعبارات هذا المحور كان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬منع المواطنين من أداء فريضة الصلاة بقوة السلاح‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى مشاهدة ومعايشة أفراد العينة للواقع الذي‮ ‬فرضته قوات الأمن على المساجد والمواطنين الذين‮ ‬يترددون عليها،‮ ‬فكل من شهد الأسابيع الأولى للثورة‮ ‬يعرف أن المسجد العمري‮ ‬بدرعا البلد تم إغلاقه،‮ ‬كما تم منع وصول المصلين إليه بقوة السلاح بعد أن تمت محاصرته من الخارج بالدبابات،‮ ‬ومن الداخل بقوات الأمن والشبيحة الذين عاثوا فيه خراباً‮ ‬ودماراً،‮ ‬وقد تم توثيق ذلك من قبل الكثير من منظمات حقوق الإنسان،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن نشر هذه الانتهاكات جميعها على مواقع التواصل الاجتماعي‮.‬

	ومما‮ ‬يستحق التنويه أن الممارسات القمعية التي‮ ‬عانى منها المواطنون داخل المساجد أدت بالكثير منهم إلى الامتناع عن الذهاب إلى المساجد خوفاً‮ ‬من الاعتقال،‮ ‬فضلاً‮ ‬عما تعرض له الكثير من خطباء المساجد،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمتهم إمام المسجد العمري‮ ‬الشيخ أحمد الصياصنة الذي‮ ‬تم اعتقاله بعد أن قُتل ابنه وتم تهديده بقتل ابنه الآخر إن هو حث الشباب على الثورة،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن منعه من الخطابة‮.. ‬ومثل هذه الحالة توجد حالات كثيرة في‮ ‬محافظة درعا وريفها‮.‬

	نتائج السؤال الثالث ومناقشته‮:‬

	تبلَور السؤال الثالث من الدراسة على الشكل الآتي‮: ‬إلى أي‮ ‬مدى انتهك النظام السوري‮ ‬الحقوق القانونية للمتظاهرين على خلفية مطالبتهم بالحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط‮  ‬النظام ؟ للإجابة عن هذا السؤال حُسِبَت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك الحق القانوني‮ ‬وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬

	يتضح أنَّ‮ ‬المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور انتهاكات الحق القانوني‮ ‬كلُّها قد بلغ‮ (‬20‭.‬64‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح،‮ ‬وتراوحت المتوسطات الحسابية لعبارات محور الحق القانوني‮ ‬ما بين‮ (‬4‭.‬03‭.‬4‭.‬35‮)‬،‮ ‬ بين أدنى وأعلى متوسط حسابي‮. ‬ويمكن تفسير ارتفاع المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور الحق القانوني‮ ‬ككل إلى معرفتهم أن كل من تم اعتقاله على خلفية المظاهرات لم تتوافر له محاكمة عادلة،‮ ‬بل إن الكثير من المعتقلين أدلى بمعلومات تحت الضرب والتعذيب،‮ ‬كما أن الكثير منهم أُدينوا قبل مثولهم أمام المحاكم المختصة،‮ ‬وقد شاهدنا الكثير من المعتقلين‮ ‬يُدلون باعترافات على شاشة الفضائية السورية ويتبنون بعض الجرائم على الرغم من عدم ارتكابهم لها،‮ ‬حيث‮ ‬يتم كل ذلك من دون وجود محام،‮ ‬وخارج إطار القضاء المدني‮. ‬

	‮  ‬من جهة أخرى توضح المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك الحق القانوني‮ ‬وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬أن أعلى متوسط حسابي‮ ‬لعبارات هذا المحور كان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬إلقاء القبض على المواطنين وحجزهم تعسفياً‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى معرفة أفراد العينة للكثير من المواطنين الذين تم اعتقالهم بطريقة تعسفية،‮ ‬بل إن الكثير من أفراد العينة تربطه علاقة قرابة أو صداقة أو نسب مع هؤلاء الذين تعرضوا للاعتقال بطريقة تعسفية‮ . ‬أما المتوسط الحسابي‮ ‬الأدنى فكان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬إدانة بعض المواطنين قبل مثولهم أمام القضاء‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى أن الكثير من المواطنين تمت إدانتهم قبل أن‮ ‬يمثلوا أمام القضاء،‮ ‬وما تبثه الفضائية السورية من اعترافات تم أخذها تحت الضغط والإكراه خير دليل على ذلك،‮ ‬ولو كانت الحقوق القانونية متوفرة في‮ ‬حدها الأدنى لما سُمح بانتزاع الاعترافات بهذه الطريقة‮ ‬غير الإنسانية‮. ‬

	نتائج السؤال الرابع ومناقشته‮:‬

	تبلَور السؤال الرابع من الدراسة على الشكل الآتي‮: ‬إلى أي‮ ‬مدى انتهك النظام السوري‮ ‬حق المتظاهرين في‮ ‬ممارسة حرية الرأي‮ ‬والتعبير على خلفية مطالبتهم بالحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط النظام ؟ للإجابة عن هذا السؤال حُسِبَت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور انتهاك حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬والجدول الآتي‮ ‬يوضح ذلك‮.‬

	يتضح أنَّ‮ ‬المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير كلُّها قد بلغ‮ (‬20‭.‬06‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح،‮ ‬وتراوحت المتوسطات الحسابية لعبارات محور حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير ما بين‮ (‬4‭.‬04‮ ‬ـ‮ ‬4‭.‬22‮)‬ بين أدنى وأعلى متوسط حسابي‮. ‬ويمكن تفسير ارتفاع المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير ككل إلى ما‮ ‬يُمارسه النظام السوري‮ ‬من قمع وتنكيل لكل من‮ ‬يختلف معه في‮ ‬الرأي،‮ ‬حيث ظهر ذلك جلياً‮ ‬أثناء المظاهرات التي‮ ‬خرجت أصلاً‮ ‬من أجل المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية،‮ ‬فكان الرد من قبل النظام دموياً‮ ‬بامتياز،‮ ‬لذلك جاء المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة مرتفعاً،‮ ‬لأن الجميع‮ ‬يعرف أن من‮ ‬يؤيد مطالب الثورة أو‮ ‬ينشر أفكاراً‮ ‬تدعو إلى التظاهر‮ ‬يكون مصيره الاعتقال أو الموت،‮ ‬حدث ذلك للشيخ أحمد الصياصنة،‮ ‬والناشط الحقوقي‮ ‬نجاتي‮ ‬طيارة،‮ ‬ومشعل تمو،‮ ‬وطل الملوحي،‮ ‬وسهير الأتاسي‮.. ‬وغيرهم الكثير ممن تم اعتقالهم أو اغتيالهم لأنهم عبروا عن رأيهم اتجاه ما‮ ‬يحصل من جرائم وصفت من قبل كل المنظمات العربية والعالمية بأنها جرائم ضد الإنسانية‮. ‬

	‮  ‬من جهة أخرى نجد أن المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور حق حرية الرأي‮ ‬والتعبير وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬توضح أن أعلى متوسط حسابي‮ ‬لعبارات هذا المحور كان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬منع المواطنين من التجمع للتظاهر وإبداء الرأي‮ ‬في‮ ‬المسائل المختلفة‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى ما‮ ‬يعرفه أفراد العينة عن منع التظاهر من خلال معايشتهم اليومية لما‮ ‬يقوم به النظام من أعمال إجرامية في‮ ‬جميع قرى حوران بهدف منع المواطنين من الخروج في‮ ‬المظاهرات والتعبير عن آرائهم بحرية،‮ ‬حيث تم تقطيع أوصال المحافظة بالحواجز الأمنية المسلحة لمنع المواطنين من التواصل مع بعضهم البعض‮. ‬أما المتوسط الحسابي‮ ‬الأدنى فكان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬منع المواطنين من نشر أية صورة أو فكرة عن التظاهرات عبر الإعلام الرسمي‮. ‬ومع أن متوسط هذه العبارة كان الأدنى بين عبارات المحور‮ ‬غير أنه جاء مرتفعاً‮ ‬حسب مفتاح التصحيح،‮ ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى سيطرة النظام على كل وسائل الإعلام الرسمي،‮ ‬بل أكثر من ذلك أنه لم‮ ‬يسمح لأية وسيلة إعلامية بالعمل داخل الأراضي‮ ‬السورية حتى لا تنقل حقيقة ما‮ ‬يحصل على أرض الواقع،‮ ‬وكل ما كان‮ ‬يمتلكه المتظاهرون هو كاميرات هواتفهم المحمولة التي‮ ‬لم تستطع نقل أكثر من‮ ‬2٪ من الجرائم التي‮ ‬ارتكبها النظام على عموم الجغرافيا السورية‮.  ‬

	‮ ‬نتائج السؤال الخامس ومناقشته‮:‬

	تبلَور السؤال الخامس من الدراسة على الشكل الآتي‮ : ‬إلى أي‮ ‬مدى تأثرت بعض جوانب العملية التربوية بانتهاكات حقوق الإنسان التي‮ ‬مارسها النظام السوري‮ ‬في‮ ‬محافظة درعا على خلفية التظاهرات الشعبية المنادية بالحرية والكرامة الإنسانية وإسقاط النظام ؟ للإجابة عن هذا السؤال حُسِبَت المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور التداعيات وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬

	يتضح أنَّ‮ ‬المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات أفراد العينة عن عبارات محور التداعيات التربوية لانتهاكات حقوق الإنسان كلُّها قد بلغ‮ (‬24‭.‬53‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح،‮ ‬وتراوحت المتوسطات الحسابية لعبارات هذا المحور ما بين‮ (‬4‭.‬04‮ ‬ــ‮ ‬4‭.‬14‮)‬ بين أدنى وأعلى متوسط حسابي‮. ‬ويمكن تفسير ارتفاع المتوسط الحسابي‮ ‬لاستجابات‮ (‬أفراد العينة‮) ‬عن عبارات محور التداعيات ككل إلى معرفة المدرسين والمدرسات أفراد العينة مدى الأضرار التي‮ ‬لحقت بالعملية التربوية والتعليمية،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يتصل بالتحصيل الدراسي‮ ‬للطلبة،‮ ‬وانخفاض كفاية الكثير من المدرسين،‮ ‬والتغير الذي‮ ‬حصل في‮ ‬اتجاهات الطلبة نحو الكثير من القضايا التي‮ ‬كان‮ ‬يُروج لها النظام ومنها فكرة الممانعة والمقاومة،‮ ‬وبطبيعة الحال فإن الممارسات الإجرامية التي‮ ‬مارسها النظام في‮ ‬مختلف قرى درعا كان لها تأثيرات سلبية وإيجابية على العملية التربوية،‮ ‬فمن الناحية السلبية‮ ‬يمكن القول إن الكثير من الطلبة تأثروا على الصعيد الدراسي‮ ‬والنفسي‮.. ‬أما من الناحية الإيجابية فقد تبين لهؤلاء الطلبة زيف ما كان‮ ‬يدعيه النظام من مقاومة وممانعة،‮ ‬خاصة بعد أن اجتاح قراهم ومارس عليهم وعلى إخوانهم كل أشكال القهر والاستبداد والطغيان‮. ‬

	‮  ‬من جهة أخرى نجد أن المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لاستجابات أفراد العينة عن كلِّ‮ ‬عبارة من عبارات محور التداعيات وفق الترتيب التنازلي،‮ ‬تأخذ أعلى متوسط حسابي‮ ‬لعبارات هذا المحور كان للعبارة التي‮ ‬نصها‮: ‬تبلور اتجاهات سلبية لدى المعلم نحو السلطة السياسية‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى الظروف الصعبة التي‮ ‬يعاني‮ ‬منها المدرسين والمدرسات من جراء الممارسات القمعية التي‮ ‬مارسها النظام على المتظاهرين،‮ ‬والتي‮ ‬يُشكل أفراد العينة جزءاً‮ ‬منهم،‮ ‬فما أقدم عليه النظام من اعتقال وتعذيب وقتل لبعض المدرسين‮ ‬يعد من الأسباب الرئيسة التي‮ ‬غيرت من اتجاهات المدرسين في‮ ‬محافظة درعا نحو السلطة السياسية،‮ ‬وحالة أستاذ اللغة الانجليزية في‮ ‬قرية المسيفرة التي‮ ‬تم سلخ جلده كانت دافعاً‮ ‬قوياً‮ ‬لزملائه كي‮ ‬يتخذوا مواقف عدائية تجاه السلطة السياسية في‮ ‬سوريا‮. ‬

	‮  ‬أما المتوسط الحسابي‮ ‬الأدنى فكان للعبارة‮ ‬ التي‮ ‬نصها‮: ‬تقدم فكرة تغيير السلطة السياسية لدى الطلبة على فكرة مقاومة العدو الإسرائيلي‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى معرفة أفراد العينة أن طلابهم أدركوا أن النظام في‮ ‬سوريا‮ ‬يتخذ من فكرة مقاومة العدو الإسرائيلي‮ ‬مدخلاً‮ ‬للبقاء في‮ ‬الحكم،‮ ‬وممارسة كل أشكال الاستبداد والقهر والحرمان على الشعب بحجة المقاومة واسترجاع الجولان،‮ ‬ومقاومة المشروع الأمريكي،‮ ‬مع ملاحظة أن النظام لم‮ ‬يُقاوم إسرائيل منذ أكثر من أربعة عقود،‮ ‬ولم‮ ‬يكن بمقدوره استرجاع شبر واحد من أرض الجولان،‮ ‬علماً‮ ‬أنه سرق واستباح كل الثروات السورية بحجة الإنفاق على السلاح الذي‮ ‬استخدمه مؤخراً‮ ‬في‮ ‬قتل الشعب الذي‮ ‬خرج‮ ‬يُطالب بقليل من الحرية والكرامة الإنسانية‮. ‬

	‮  ‬واستكمالاً‮ ‬لتحليل النتائج المتعلقة بمحاور انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وتداعياتها التربوية من وجهة نظر المدرسين والمدرسات،‮ ‬تم استخراج المتوسطات الحسابية لإجابات أفراد العينة عن محاور الاستبانة الخمسة والجدول الآتي‮ ‬يوضِّح تلك النتائج‮.‬

	النتائج المتعلقة بالسؤال السادس‮ ‬

	‮ ‬الفرضية الأولى 

	 للتحقق من صحة الفرضية الأولى التي‮ ‬نصت على أنه‮: (‬لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية، بين مدرسي‮ ‬المرحلة الثانوية فيما‮ ‬يتصل بوجهة نظرهم نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها تُعزى لمتغير الجنس‮)‬،‮ ‬جرى استخدام اختبار‮ (‬ت‮) ‬ستودنت‮. ‬وكانت النتائج كما هو مبيِّن في‮ ‬الجدول الآتي‮: ‬

	تشير النتائج الواردة‮ ‬) أن قيمة‮ (‬ت‮) ‬المحسوبة بلغت‮ (‬1‭.‬280‮)‬، وهي‮ ‬غير دالة إحصائياً‮ ‬عند مستوى دلالة‮ (‬0‭.‬05‮)‬ حيث كانت قيمة مستوى الدلالة‮ (‬0‭.‬201‮) ‬ &lt; ‮(‬0‭.‬05‮)‬ وبذلك نقبل الفرضية الصفرية التي‮ ‬تقول بعدم وجود فروق بين المدرسين والمدرسات فيما‮ ‬يتصل بوجهة نظرهم نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا تعزى لمتغير الجنس،‮ ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى أن حقوق الإنسان موضوع هذه الدراسة لا تقتصر على الذكور دون الإناث،‮ ‬أو المدرسين دون المدرسات،‮ ‬فحق الحياة مكفول للذكور كما هو مكفول للإناث،‮ ‬وكذلك حق ممارسة الحياة الدينية وحق حرية الرأي‮ ‬والتعبير وكل الحقوق الواردة في‮ ‬الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان‮.‬

	‮ ‬الفرضية الثانية‮ ‬

	للتحقق من صحة الفرضية الثانية التي‮ ‬نصت على أنه‮: (‬لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية‮ ‬ بين المدرسين والمدرسات فيما‮ ‬يتصل بوجهة نظرهم نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا تُعزى لمتغير الاختصاص‮)‬،‮ ‬جرى استخدام اختبار‮ (‬ت‮) ‬ستيودنت‮ .‬

	تشير النتائج أن قيمة‮ (‬ت‮) ‬المحسوبة بلغت‮ (‬1‭.‬619‮)‬ وهي‮ ‬غير دالة إحصائياً‮ ‬عند مستوى دلالة‮ (‬0‭.‬05‮) ‬حيث كانت قيمة مستوى الدلالة‮ (‬وبذلك نقبل الفرضية الصفرية الثانية التي‮ ‬تقول بعدم وجود فروق بين المدرسين والمدرسات فيما‮ ‬يتصل بوجهة نظرهم نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا تعزى لمتغير الاختصاص‮. ‬وتفسير ذلك أن وعي‮ ‬المدرسين والمدرسات من ذوي‮ ‬الاختصاصات العلمية لا‮ ‬يقل عن وعي‮ ‬المدرسين والمدرسات من ذوي‮ ‬الاختصاصات الأدبية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن معايشة كل منهما لهذه الانتهاكات معايشة واقعية‮ ‬يومية،‮ ‬بل إن الكثير من انتهاكات النظام لحقوق الإنسان وقعت على المدرسين أنفسهم‮. ‬

	‮ ‬الفرضية الثالثة‮ ‬

	للتحقق من صحة الفرضية الثالثة التي‮ ‬نصت على أنه‮: (‬لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى‮ ‬ بين المدرسين والمدرسات فيما‮ ‬يتصل بوجهة نظرهم نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا تُعزى لمتغير مكان الإقامة‮)‬،‮ ‬جرى استخدام اختبار‮ (‬ت‮) ‬ستيودنت

	تشير النتائج أن قيمة‮ (‬ت‮) ‬المحسوبة بلغت‮ (‬1‭.‬603‮)‬،‮ ‬ وهي‮ ‬غير دالة إحصائياً‮ ‬عند مستوى دلالة‮ (‬0‭.‬05‮)‬، حيث كانت قيمة مستوى الدلالة‮ (‬0‭.‬102‮)‬ ،‮ (‬0‭.‬05‮)‬وبذلك نقبل الفرضية الصفرية الثالثة التي‮ ‬تقول بعدم وجود فروق بين المدرسين والمدرسات نحو انتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا تعزى لمتغير مكان الإقامة‮. ‬وتفسير ذلك‮ ‬يعود إلى أن الجرائم التي‮ ‬مارسها نظام الاستبداد لم تقتصر على المدينة دون الريف،‮ ‬فما تعرض له المواطنون في‮ ‬مدينة درعا من قتل واعتقال وتعذيب هو ما تعرض له أيضاً‮ ‬أبناء الريف،‮ ‬ولا أدل على ذلك ما تعرضت له قرى الصنمين والحراك وجاسم وانخل وداعل وغيرها الكثير‮. ‬

	توصيات الدراسة

	في‮ ‬ضوء ما أسفرت عنه نتائج الدراسة خلص الباحث إلى التوصيات الآتية‮:‬

	‮- ‬ضرورة تفعيل دور المنظمات العاملة في‮ ‬مجال حقوق الإنسان،‮ ‬والبحث عن أفضل السبل لوقف العنف والقتل ونزيف الدم في‮ ‬الشوارع السورية‮. ‬مع الإشارة إلى أن ما‮ ‬يبرر هذه التوصية هو موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على العبارات التي‮ ‬تتصل بانتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحق الإنسان في‮ ‬الحياة في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬حيث جاء المتوسط الحسابي‮ ‬لمجموع عبارات انتهاك حق الإنسان في‮ ‬الحياة‮ (‬20‭.‬76‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح‮.‬

	‮- ‬اتخاذ قرار دولي‮ ‬عاجل وفعال وملزم للنظام السوري‮ ‬يتم من خلاله دفع النظام لفك الحصار عن المدن والقرى السورية التي‮ ‬تجتاحها القوى الأمنية والعسكرية‮. ‬ومبرر هذه التوصية موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على العبارة رقم‮ (‬20‮)‬ التي‮ ‬تشير إلى الاعتداء على المواطنين أثناء تنقلهم داخل حدود المحافظة والدولة‮. ‬حيث جاء متوسطها الحسابي‮ ‬مرتفعاً‮ (‬4‭.‬01‮)‬ وفق مفتاح التصحيح‮. ‬

	‮- ‬التوقف عن ملاحقة المواطنين والمثقفين والناشطين, والسماح لمنظمات حقوق الإنسان بممارسة نشاطها بشكل فعلي‮ ‬داخل الأراضي‮ ‬السورية‮. ‬مع ملاحظة أن العبارة المتصلة بهذه التوصية وهي‮ ‬العبارة رقم‮ (‬3‮)‬ التي‮ ‬تشير إلى إلقاء القبض على المواطنين وحجزهم تعسفياً،‮ ‬قد جاء متوسطها مرتفعاً‮ ‬وفق مفتاح التصحيح حيث بلغ‮ (‬4‭.‬35‮)‬.

	- تشكيل لجنة تحقيق قضائية مستقلة و محايدة ونزيهة وشفافة بمشاركة ممثلين عن المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في‮ ‬سورية, تقوم بالكشف عن المسببين للعنف والممارسين له, وعن المسؤولين عن وقوع ضحايا‮ (‬قتلى وجرحى‮)‬, سواء أكانوا حكوميين أم‮ ‬غير حكوميين, وإحالتهم إلى قضاء نزيه وموضوعي‮ ‬ومقتدر تمهيداً‮ ‬لمحاسبتهم‮. ‬مع ملاحظة أن ما‮ ‬يبرر هذه التوصية هو موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على العبارات التي‮ ‬تتصل بانتهاكات النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬لحق الإنسان القانوني‮ ‬في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬حيث جاء المتوسط الحسابي‮ ‬لمجموع عبارات انتهاك الحق القانوني‮ (‬20‭.‬64‮)‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح‮.‬

	‮- ‬اتخاذ التدابير اللازمة والفعالة من قبل المجتمع الدولي‮ ‬لضمان ممارسة حق المتظاهرين في‮ ‬التجمع السلمي‮ ‬ممارسة فعلية من‮ ‬غير قتل أو اعتقال أو ترهيب‮. ‬وما‮ ‬يبرر هذه التوصية هو‮  ‬أثبات نتائج الدراسة أنه‮ ‬يوجد انتهاك لحق المتظاهرين في‮ ‬التجمع السلمي،‮ ‬وهذا ما عبرت عنه استجابة أفراد العينة على العبارة رقم‮ (‬4‮)‬ حيث بلغ‮ ‬متوسطها الحسابي‮ (‬4‭.‬22‮) ‬ وهو متوسط مرتفع حسب مفتاح التصحيح‮.  ‬

	‮- ‬الكشف عن جميع أماكن الاحتجاز والتوقيف لدى جميع الجهات الأمنية،‮ ‬ووضعها تحت الإشراف القضائي‮ ‬المباشر،‮ ‬والتدقيق الفوري‮ ‬في‮ ‬شكاوي‮ ‬التعذيب التي‮ ‬تمارس ضد الموقوفين والمعتقلين،‮ ‬والسماح للمحامين بالاتصال بموكليهم في‮ ‬جميع مراكز الاحتجاز‮. ‬وما‮ ‬يبرر هذه التوصية هو موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على عبارات محور انتهاك النظام السياسي‮ ‬السوري‮ ‬للحق القانوني،‮ ‬حيث جاء المتوسط الحسابي‮ ‬العام لعبارات هذا المحور مرتفعاً‮ ‬إذ بلغ‮ (‬20‭.‬64‮)‬.

	ــ الكشف الفوري‮ ‬عن مصير المفقودين،‮ ‬وإغلاق ملف الاعتقال السياسي‮ ‬وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين, ومعتقلي‮ ‬الرأي‮ ‬والضمير, وجميع من تم اعتقالهم بسبب مشاركاتهم في‮ ‬التجمعات السلمية التي‮ ‬انطلقت في‮ ‬مختلف المدن السورية‮. ‬أما عن مبرر هذه التوصية فهو مبرر التوصية السابقة نفسه‮. ‬

	‮- ‬إلزام السلطات السورية الكف عن أسلوب المعالجات القمعية واستعمال القوة المفرطة, والذي‮ ‬ساهم بزيادة التدهور في‮ ‬الأوضاع وسوء الأحوال المعاشية وتعميق الأزمات المجتمعية‮. ‬أما مبرر هذه التوصية فيتضح من المتوسطات الحسابية العامة لمحاور الدراسة الخاصة بانتهاك حق الإنسان في‮ ‬الحياة،‮ ‬وحقه القانوني،‮ ‬وحقه في‮ ‬ممارسة حياته الدينية،‮ ‬وكذلك حقه في‮ ‬حرية الرأي‮ ‬والتعبير،‮ ‬حيث جاءت جميع المتوسطات مرتفع مما‮ ‬يؤكد موافقة أفراد العينة على وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها،‮ ‬كان من نتائجها تعميق الأزمات المجتمعية‮. ‬

	‮- ‬تشكيل فرق بحثية للكشف عن الأضرار التي‮ ‬أصابت العملية التربوية والتعليمية،‮ ‬والعمل على معالجتها تربوياً‮ ‬ونفسياً‮ ‬واجتماعياً،‮ ‬مع الإشارة إلى أن ما‮ ‬يبرر هذه التوصية هو موافقة أفراد العينة بدرجة كبيرة على العبارات التي‮ ‬تتصل بالتداعيات التربوية التي‮ ‬أصابت جسد العملية التربوية والتعليمية،‮ ‬حيث جاء المتوسط الحسابي‮ ‬لمجموع عبارات التداعيات التربوية لانتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬محافظة درعا وريفها‮ (‬24‭.‬53‮) ‬ وهو‮ ‬يقع في‮ ‬المستوى المرتفع وفق مفتاح التصحيح‮.‬

	المراجع‮: ‬

	‮- ‬بو طالب،‮ ‬عبد الهادي‮ (‬2004‮) ‬ إسهام المعتقدات والديانات السماوية في‮ ‬ترسيخ قيم حقوق الإنسان،‮ ‬مجلة عالم التربية،‮ ‬العدد‮ (‬15‮)‬ الدار البيضاء،‮ ‬مطبعة النجاح الجديدة‮.‬

	‮- ‬جيدوري،‮ ‬صابر‮ (‬2012‮)‬. ثنائية الاستبداد السياسي‮ ‬والاستبداد التربوي‮: ‬قراءة في‮ ‬جدل العلاقة والتبادل،‮ ‬حركة مصر المدنية،‮ ‬مسترجع من موقع‮: ‬http://civicegypt.org

	ـ خليل،‮ ‬احمد‮ (‬انترنت‮) ‬الدليل العربي‮: ‬الحقوق المدنية والسياسية،‮ ‬مسترجع من موقع‮:‬

	‮ ‬http://www.arabhumanrights.org/dalil/ch_2.htm

	تاريخ الزيارة‮ ‬2012‭/‬1‭/‬7.

	ــ سبيلا،‮ ‬محمد‮ (‬1997‮)‬. حـقـوق الإنـسان والــديـمقـراطـيـة،‮ ‬طـنـجـة‮ ‬،‮ ‬منـشورات وكـالـة‮   ‬شراع‮ ‬،‮ ‬سلسلة شراع رقم‮ ‬‭.‬19‭/‬0

	ــ دونللي،‮ ‬جاك‮ (‬1998‮)‬. حقوق الإنسان العالمية بين النظرية والتطبيق،‮ ‬ترجمة مبارك عثمان،‮ ‬المكتبة الأكاديمية،‮ ‬القاهرة‮. ‬

	‮- ‬راسل‮ ‬،‮ ‬برتراند‮ ( ‬د‮. ‬ت‮ ) ‬آمال جديدة في‮ ‬عالم متغير،‮ ‬ترجمة عبد الكريم أحمد‮ ‬،‮ ‬دار سعد للطباعة والنشر والإعلان‮ ‬،‮ ‬القاهرة‮ . ‬

	‮- ‬عمارة،‮ ‬محمد‮(‬1989‮)‬. الإسلام وحقوق الإنسان‮: ‬ضرورات لا حقوق،‮ ‬سلسلة عالم المعرفة،‮ ‬العدد‮ ‬89، الكويت،‮ ‬المجلس الوطني‮ ‬للثقافة والفنون والآداب‮.‬

	‮- ‬ماتون،‮ ‬سلفان‮ (‬1995‮)‬. حقوق الإنسان من سقراط إلى ماركس،‮ ‬ترجمة محمد الهلالي،‮ ‬الرباط‮ ‬،‮ ‬منشورات اختلاف‮. ‬

	‮- ‬مركز أنباء الأمم المتحدة‮ (‬انترنت‮) ‬تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬سوريا،‮ ‬مسترجع من موقع‮: ‬

	http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?NewsID=15830 تاريخ الزيارة‮ ‬2012‭/‬1‭/‬3 .

	ــ هدية،‮ ‬عبد الله‮ (‬1989‮)‬. مقاومة الطغيان بين الشريعة الإسلامية والشريعة الوضعية،‮ ‬القاهرة‮ ‬،‮ ‬اتحاد المحامين العرب‮.‬

	‮- ‬هيومن رايتس ووتش‮ ( ‬انترنت‮) ‬انتهاكات حقوق الإنسان في‮ ‬سوريا،‮ ‬مسترجع من موقع‮: ‬http://www.alsharq.net.sa/2011/12/16/48503 تاريخ الزيارة‮ ‬2011‭/‬11‭/‬25

	ــ وطفة،‮ ‬علي،‮ ‬وصالح الراشد‮ (‬1998). التربية وحقوق الإنسان في‮ ‬الوطن العربي،‮ ‬الكويت،‮ ‬مطابع دار السياسة‮. ‬

	‮- ‬وزارة حقوق الإنسان‮ (‬2002‮)‬ دليل مرجعي‮ ‬في‮ ‬مجال حقوق الإنسان‮ ‬،‮ ‬مطبعة المعارف‮  ‬الجديدة‮ ‬،‮ ‬الرباط‮ .‬

	‮- ‬Risse ,Thomas (1999)The power of Human Rights: International Norms Domestic change. Cambridge and New York : Cambridge University press.

	- Janusz ,Symanides (1998) Federicd Ahior:Universal Declaration of Human Rights,Paris,Unesco publishinig.

	- Francis Wolf(1985) Human Rights and the International Labour Organisation, in Human Rights In International Law,edited by Theodor Meron, Clarendon press,Oxford  

	

	
</fulldescription>
<pubDate>Sun , 10 Mar 2013 06:40:11 CMT</pubDate>
<guid>http://democracy.ahram.org.eg/News/435/انتهاكات-حقوق-الإنسان‮--‬فى-سوريا‮---‬دراسة-حالة-ل.aspx</guid>
</item>
<copyright> مجلة الديمقراطية </copyright>
</channel>
</rss>
